الحبس الاحتياطي مش عقوبة

0
298
Google search engine

لا تزال مشكلة الحبس الاحتياطي وطول مدته في التشريعات المصرية عالقة منذ زمن بعيد، وقد ظن المتابعون لشئون العدالة أن تأتى تعديلات قانون الإجراءات الجنائية ــ التى تسير إجراءات تقنينها بسرعة شديدة داخل اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب ــ بما يقلل من خطورة أمر الحبس الاحتياطي، ويجعله يتوافق إلى حد ما مع قرينة البراءة، إن لم يكن يتفق أو يساير الوضع الحاصل في البلدان الأخرى.

اعتبر الفقهاء التشريعيون أن الحبس الاحتياطي يعد إجراءً بغيضًا، لما فيه من مساس بالحرية الشخصية، حيث يكون سببًا للزج بالمتهمين في السجون لسنوات على ذمة قضايا، من دون أدلة كافية على نسبة الاتهام، كما تصدر أوامر الحبس الاحتياطي عن جهات غالبًا ما تجمع بين سلطة الاتهام والتحقيق، بحسب ما أشارت مؤسسة “حرية الفكر والتعبير” في تقرير سابق لها.

وقد مر الحبس الاحتياطي في القانون الوضعي من خلال التشريعات المصرية الحديثة بمراحل مهمة، بداية من قانون التحقيقات الجنائية الصادر في 13 نوفمبر 1883 وتعديلاته، مرورًا بقانون التحقيقات الجنائية الصادر عام 1904، حتى صدور قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950، وانتهاءً بالتعديل الذي طرأ على القانون الأخير رقم 145 لسنة 2006.

عرف الدكتور أحمد فتحي سرور الحبس الاحتياطي بأنه: “لا يخرج عن كونه إجراءً من إجراءات التحقيق في جميع الأحوال، وأنه بهذه الصفة ليس عقوبة، كما أنه ينبغي ألا يتحول إلي تدبير احترازي يجعله في مصاف العقوبات”.

كما تضمنت التعليمات العامة للنيابات في المادة رقم 381 تعريفًا أشمل للحبس الاحتياطي وهو أنه: “إجراء من إجراءات التحقيق غايته ضمان سلامة التحقيق الابتدائي، من خلال وضع المتهم تحت تصرف المحقق وتيسير استجوابه أو مواجهته كلما استدعى التحقيق ذلك، والحيلولة دون تمكينه من الهرب أو العبث بأدلة الدعوى أو التأثير على الشهود أو تهديد المجني عليه، وكذلك وقاية المتهم من احتمالات الانتقام منه وتهدئة الشعور العام الثائر بسبب جسامة الجريمة”، فيما نصت المادة ١٤٣ من قانون الإجراءات الجنائية على ألا تتجاوز مدة الحبس الاحتياطي أثناء التحقيق أو التقاضي أو كليهما في حالة الجنح بأي حال من الأحوال مدة الستة أشهر، وألا تتعدى مدته في حالة الجنايات الثمانية عشرة شهرًا، وفي حالة الجنايات المعاقبة بالسجن المؤبد أو الإعدام، فلا تتجاوز مدة الحبس بأي حال من الأحوال مدة السنتين.

وفي عام 2013 أصدر الرئيس المؤقت، عدلي منصور، تعديلا تشريعيًا في قانون الإجراءات الجنائية يقضي بتحرير محكمتي النقض والجنايات من قيود مدة الحبس الاحتياطي للمحكوم عليهم بالإعدام أو المؤبد. وينص التعديل التشريعي، الذي جاء في قرار جمهوري بقانون حمل رقم 83 لسنة 2013 ونشرته جريدة “الوقائع المصرية” الرسمية، على أنه “يستبدل بنص الفقرة الأخيرة من المادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية الصادر بالقانون رقم 150 لسنة 1950 النص الآتي: ومع ذلك فلمحكمة النقض ولمحكمة الإحالة (الجنايات) إذا كان الحكم صادرا بالإعدام أو بالسجن المؤبد أن تأمر بحبس المتهم احتياطيا لمدة خمسة وأربعين يوميا قابلة للتجديد دون التقيد بالمدد المنصوص عليها في الفقرة السابقة”

ثم أتت الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، والتي أعلنت عنها القيادة السياسية في سبتمبر الماضي، لتتضمن عبارات ومفاهيم مثل “العدالة الناجزة”، “تقييد الحرية في أضيق نطاق ممكن و لأقصر فترة ممكنة”، و”البدائل المتطورة التكنولوجية للحبس الاحتياطي”، وتقر بالتزام الدولـة بالتعويض عـن الحبس الاحتياطي، مؤكدة على ضرورة الإفراج الفـوري فـي حالة عدم الفصل فـي التظلـم خلال أسـبوع مـن بـدء تقييـد الحريـة، لافتة إلى حق كل شخص أن يحاكم أمــام قاضيــه الطبيعــي. كما تلزم الاستراتيجية الدولة بتقريــب جهــات التقاضــي، وتحقيــق العدالــة الناجــزة، مشددة على الحاجـة إلـى وضـع الإطار اللازم لضوابـط ومبـررات ومـدد الحبـس الاحتياطي الـواردة فـي القوانيـن الوطنيـة، وعدم تضمين قانون الإجراءات الجنائية بدائل متطورة تكنولوجية للحبس الاحتياطي

تُصاحب الحبس الاحتياطي مفتوح المدة للمعارضين السياسيين مآساة “التدوير”، فبعد إتمامهم سنتين حبس يتم تدويرهم في قضايا أخرى بنفس الاتهامات تقريبًا، على الرغم من كونهم مودعين في السجون في التاريخ الذي ارتكبت فيه الاتهامات الجديدة الموجهة إليهم، وهو ما يُعتبر نوعًا من الاحتجاز التعسفي، وأطلق عليه الحقوقيون مصطلح التدوير.

في حين قالت منظمة العفو الدولية في بيانٍ قبل شهور، إنه يجب إلغاء القرارات الصادرة عن محكمة جنايات القاهرة في الفترة من 4 إلى 6 مايو ٢٠٢٠، والقاضية بتمديد الحبس الاحتياطي لما يزيد عن 1600 محتجز، كثير منهم سجناء رأي.

لم يتحقق من وعود “الاستراتيجية الوطنية” حتى الآن شيء، ما دفع أسر عدد من المحبوسين لإطلاق حملة تدوين للمطالبة بالإفراج عن سجناء الرأي والمعارضين السلميين ممن تجاوزوا المدة القانونية للحبس الاحتياطي، تحت شعار “الحبس الاحتياطي مش عقوبة”، ما يأتي بعد يومين من تقدُّم إسراء عبد الفتاح زوجة الناشط السياسي والكاتب محمد صلاح، ومحاميه مختار منير، ببلاغات وطلبات للنائب العام والمجلس القومي لحقوق الإنسان، بهدف إحالة صلاح للمحاكمة، بدلًا من استمرار حبسه الاحتياطي بشكل أوتوماتيكي من دون إحالة.

كانت إسراء عبد الفتاح قد نشرت رسالة لمحمد صلاح، المحبوس احتياطيًّا منذ أكثر من 26 شهرًا، من داخل محبسه، طالب فيها بسرعة تحويلة إلى المحاكمة، بدلًا من استمرار تجديد حبسه. وقال صلاح في رسالته الاثنين الماضي: “سأتوقف نهائيًّا عن المطالبة بإخلاء سبيلي أو الإفراج عني، أريد تحويلي للمحاكمة، فسوف أتغاضي عن حبسي على ذمة القضية الأولى، فأنا محبوس على ذمة القضية الثانية لمدة ١٨ شهرًا، وأطالب بمحاكمة علنية كما ينص القانون”. وتابع: “إلى الأهل والأصدقاء، توقفوا عن المناشدة لإخلاء سبيلي، وتضامنوا مع طلبي بتحويلي للمحاكمة”.

قائمة المحبوسون احتياطيًّا في مصر طويلة، نذكر منهم بعض الأمثلة لمحتجزين سياسيين جميعهم لا يزالوا في الحبس حتى لحظة كتابة هذا التقري:

  • وليد أحمد شوقي.. 3 سنين ونصف حبس احتياطي، سنتين في القضية رقم 621، وسنة ونص القضية 880
  • محمد محي الدين محمد عثمان، 3 سنوات حبس احتياطي في القضية 227
  • محمد صلاح عبد العزيز، سنتين وشهرين حبس احتياطي، 8 شهور في القضية 488، وسنة ونصف في القضية 855
  • المعتز بالله محمود عبد الوهاب، سنة و 9 شهور حبس احتياطي، 6 شهور في القضية رقم 586، وسنة و 3 شهور في القضية رقم 855
  • أحمد بدوي عبد الحميد منصور الرفيعي، سنتين و 9 شهور في القضية رقم 670
  • أيمن عبد المعطي عبد الرسول، 3 سنين و 4 شهور في القضايا رقم 621 و 880
  • خلود سعيد عامر، سنة و10 شهور، 9 شهور في القضية 558، وسنة وشهر في القضية 1017
  • عمرو محمد عادل إمام، محبوس منذ سنتين و 3 شهور في القضيتين 488 و 855
  • هيثم فوزي محمدين، سنتين و 10 شهور حبس احتياطي، سنتين منهم في القضية 741، و 10 شهور في القضية 1956
  • محمد رمضان عبد الباسط، 3 سنين وشهر حبس احتياطي، سنتين في القضية 16576، 6 شهور في القضية 467، و7 شهور في القضية رقم 910
  • عمرو نوهان نبيه، سنتين و 8 أشهر على ذمة القضية 741
  • مروة عرفة، سنة و 9 شهور في القضية 570
  • نيرمين حسين، سنة و 10 شهور، 10 منهم في القضية 535، وسنة في القضية 65
  • أحمد علام، سنة و 9 شهور في القضية 558
  • إبراهيم عز الدين، سنتين و 6 شهور حبس احتياطي، سنة و 6 شهور على ذمة القضية 488، وسنة في القضية 1018
مصدرفريق التحرير
المقالة السابقةرسائل الصحفي محمد صلاح من داخل محبسه
المقالة القادمةإشكالية ضرب الزوجة بين التشريع والشريعة

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا