هجرة المثقفين اليمنيين بين الحرب والذكريات

0
179
Google search engine

فراس شمسان 

 ما أن تطأ قدمك ارض اليمن السعيد ” سابقا ” ستجد الناس تشير اليك بالمعالم الهامة في البلد  هنا بيت شيح قبلي  وهنا بيت قائد عسكريأما في المنتصف ستجد فنان تلقى لوحاته في الشارع حيث لا بيت له يرسم فيهلم تفقد اليمن ارتباط اسمها بالسعادة بل فقدت ما هو اكثر من ذلكفقدت هويتها التي دمرت الحرب ما تبقى منها لصالح هويات لجماعات ارهابية متطرفة فيما يتسابق العالم لاستضافة لوحات الفنانين وحتى  تقديس الأماكن التي مروا بها نجدنا نبحث عن اطعام  او حلول لإنقاذ حياة عائلة الفنانين اليمنيين  الذي بات الكثيرين منهم في  الشارع حرفياً.

ما دفعني لكتابة هذا الموضوع هو رفقتي مع الاديب اليمني علي المقري في جولة أدبية من تنظيم نادي القلم السويسري الألماني معرفي بالمقري منذ لقائنا  في المنتديات الثقافية والفنية في اليمن جعلتني احسب في هذه الزيارة  كمية الاختلاف بين واقع الثقافة والمثقفين في اليمن وفي بلاد المهجر لا يسع الإنسان أن يجد فرصة اجمل من هذه برفقة احد الكتاب الذين رسموا لليمن بعد آخر من خلال رواياته التي تتسابق دور النشر لترجمتها لذلك قررت ان اكتب عن هذه التجربة الفريدة  التي شاهدت من خلالها  التعطش الشديد من قبل المجتمع الأوروبي  للتعرف على هذا البلد الذي يطرد مبدعيه بينما ينعم القتلة بمزايا خاصة.


 منذ عامين كنت في جنيف وشاهدت كيف ارتص موكب كبير من مسئولين في حكومة المهجر اليمنية في احد الفنادق الفارهة في جنيف من أجل الحصول على مساعدات ومنح مالية من مسئولين حكوميين سويسريين جاءوا على متن القطار في الدرجة الثانية بينما كان الموكب اليمني يمتاز بالسيارات الفارهه كان المشهد مهين بالنسبة لي لكن حينما شاهدت الناس ترتص لشراء روايات علي المقري والبحث عن نسخة موقعة له أدركت أن استعادة قيمة اليمن الحقيقية هي بيد الفنانين  و الادباء لا بيد السياسيين الذين اعماهم الفساد والمناكفات السياسية والحزبية عن خدمة مجتمعهم.

تقاطع حبل افكاري مع سؤال من “المقري ” ونحن نتامل لوحات الفنان الفرنسي العالمي ” كاميل بيسارو ”  في متحف مدينة بازل السويسرية ماذا لو كان هذا المعرض لهاشم علي ماذا كان سيكتب عنه الفنان الذي خذله شعبه بالرغم من الإنتاج الفني الذي قدمه  الفنان هاشم علي للفن التشكيلي اليمني وتدريبة وتبنيه للعديد من المواهب الفنية خاصة من جيل الشباب إلا ان لوحاته تعرضت للضياع حتى قبل اندلاع الحرب فقضت لوحاته شريدة مثل حال عائلته التي واجهت صعوبات في العثور على سقف يأويهم من برد التنكر والنسيانالفنان لا يموت بل يقتل حينما تضيع لوحاته هكذا حال كل الفنانين اليمنيين الذين يدفنهم النسيان ويقتل فنهم حتى قبل الممات حيث وصل الحال بالرسامين الشباب الى احراق لوحاتهم في الشارع اعتراض على منعهم من اقامة معارضهم الفنية كما حدث مع  الفنان التشكيلي أيمن عثمان الحائز على جائزة رئيس الجمهورية في مجال الفن التشكيلي لعام 2015.

اليمن مقبرة المواهب.. الجملة السابقة هي الرد الذي سوف تجده من اي مبدع قرر مغادرة اليمن حيث أصبح الوضع الحالي الذي يمزج فيه كل ما هو عنصري طائفي مع ملازم الحوثيين التي تروج لما يسمونه ” ثقافة قرآنية ” والتي من  خلالها يستخدموا قوتهم المسلحة لقمع الفنانين والكتاب واعتقالهم كما صرح زعيمهم في خطابه التحريضية  لا يتوقف الامر هنا بل الاصعب هو غياب عبارات التشجيع  لمن يحاول تقديم أي عمل فني او ثقافي  حتى يهاجر لتمتلئ صفحاته الشخصية بكلمات مثل “عظيم – جميل – رائع” لكن قلما تكون تلك العبارات ذات قيمة خصوصا بالمهجر.

بالرغم من صعوبة قرار الهجرة إلا أن هذا القرار يتيح فرصة أكبر حيث يشكل تواجد  الكتاب والمثقفين اليمنيين في المهجر فرصة كافية للتعريف بثقافة  الشعب اليمني خاصة أن كل ما يقدمه الإعلام عن هذا البلد المنسي اما  اخبار الحرب والدمار أو التقارير التي يعرضها بعض الناشطين في جنيف لكن حقيقة ما يحبون سماعه هو تاريخ ما قبل الحرب تاريخ الرواية وقصص من يكتبها ،وهذا ما ساهم فيه المقري من خلال نقل صورة عن حياة  المراة اليمنية في رواياته لبعد جديد حاول الكثير اخفائه وعدم التطرق لمعاناة المراة جنسيا كما فعل المقري في رواية ” حرمة ”  والتي  اتذكر حينما  اعرت هذه الرواية  لصديقة قالت لي وهي  غاضبة قالت لولا اني استعرتها منك لكنت احرقتها.

بالتأكيد بالنسبة لي فإن النار التي شبت داخلها لم تكن الوحيدة فقد تسابق المتطرفين من ائمة المساجد الى التحريض ضد المقري بل الأبعد من ذلك هو تكفير وملاحقة الباحث الاكاديمي احمد العرامي والذي صدر بحقه قرار فصل تعسفي بالاضافة الى حكم تكفيري اصدرته جماعة القاعدة الارهابية بسبب اقتراح (العرامي) لطلابه قراءة روايتين يمنيتين هما رواية “حرمة” لعلي المقري، ورواية “الرهينة” لزيد مطيع دماج فيما يزداد التضييق على الكتاب والمثقفين فقد قرر الكثير منهم الهجرة الى الغرب بينما تحتضن مصر حاليا عدد كبير من المثقفين اليمنيين الذين يصارعون الفكر المتطرف فإن هذا الحراك الجديد قد فتح  المجال أمام حرية  التعبير ومنعطف حقيقي  للرواية اليمنية كاداة لمواجهة المتطرفين الدينيين.

المقالة السابقةفتيات التيك توك.. الحبس بإذن قيم الأسرة المصرية
المقالة القادمةالرقابة المصرية تٌعيق عرض الفيلم الألماني “طبل الصفيح”

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا