"بابا هيقتل ماما"، صرخ طفل لم يتجاوز العاشرة، مخترقًا سكون منتصف الليل، قبل أن ينفجر في البكاء وهو يشاهد والده يعتدي على أمه بالضرب المبرح ويهدد بقتلها. في تلك الليلة، كانت "منى"، وهو اسم مستعار، تحاول نطق الشهادة بصعوبة بعدما أوشكت على الاختناق، فيما وقف أطفالها عاجزين أمام مشهد لم يكن الأول من نوعه، بحسب روايتها.
نجت منى من الموت، لكن نجاتها لم تضع حدًا للعنف الذي تعرضت له، فقد سبقت تلك الليلة اعتداءات جسدية ونفسية متكررة، تصاعدت تدريجيًا من الإهانة والتهديد إلى الضرب ومحاولة إزهاق روحها، وما عاشته منى، على قسوته، لا يمثل سوى جانب من واقع أوسع تتعدد فيه صور العنف وتتكرر فيه لحظات الخطر قبل أن تصل إلى ذروتها، إذ تكشف مئات الوقائع اتساع دائرة العنف ضد النساء والفتيات وتعدد أشكاله
وسجل التقرير نصف السنوي لمرصد جرائم العنف الموجَّه ضد النساء والفتيات، الصادر عن مؤسسة إدراك للتنمية والمساواة، خلال النصف الأول من عام 2026، نحو 118 جريمة قتل بحق نساء، بينها 80 جريمة في سياق العنف الأسري، سواء داخل الأسرة أو على يد شريك الحياة، مقابل 36 جريمة خارج نطاق الأسرة، إلى جانب وقائع لم يُحدد نطاقها.
العنف يتغير ولا يتراجع
تكشف المقارنة بين النصف الأول من عامي 2025 و2026 أن انخفاض جرائم القتل لم يصاحبه تراجع مماثل في صور العنف الأخرى، فبين يناير ويونيو 2026، رصدت المؤسسة 598 واقعة عنف موجَّه ضد النساء والفتيات، مقابل 495 واقعة خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة بلغت 20.81%.
وانخفض عدد جرائم القتل من 156 إلى 118 جريمة، بنسبة تقارب 24.4%، فيما ارتفعت وقائع الضرب المبرح من 53 إلى 115 واقعة، بزيادة بلغت نحو 117%. كما زادت وقائع التحرش من 122 إلى 141 واقعة، والعنف الرقمي من 19 إلى 25 واقعة، والاغتصاب من 10 وقائع إلى 14 واقعة.
وتوضح تفاصيل الجرائم الأسرية أن الزوج تصدر قائمة المتهمين بقتل النساء، بواقع 35 جريمة، يليه الأب بعشر جرائم، كما ارتبطت وقائع الشروع في القتل بخلافات زوجية وطلب الطلاق ورفض التصالح، بينما استخدم بعض الجناة أسلحة بيضاء، أو لجأوا إلى الحرق أو إلقاء الضحايا من أماكن مرتفعة.
وامتد العنف المصاحب للاعتداءات الجسدية إلى الحبس والتهديد والحرق واستخدام الأدوات الحادة والصواعق الكهربائية، وشملت الوقائع أيضًا الاعتداء على طفلات بدعوى التأديب، وإجبار نساء على التنازل عن ميراث أو ملكية، بما يكشف تنوع أشكال الإيذاء واتصال بعضها بمحاولات فرض السيطرة على الضحايا.
وخلف هذه الأرقام، تتكشف مسارات طويلة من العنف قد تبدأ منذ الأيام الأولى للزواج، كما حدث مع كريمة، وهي سيدة تبلغ 39 عامًا، فضلت استخدام اسم مستعار.
تزوجت كريمة وهي تأمل مغادرة قريتها التابعة لمركز أطفيح في الجيزة وبدء حياة أكثر استقرارًا، لكن مؤشرات العنف ظهرت، بحسب روايتها، منذ بداية الزواج، فقد استولى زوجها على مصاغها ومتعلقاتها، ثم بدأ الاعتداء عليها وإجبارها على توفير المال لشراء المخدرات "من تالت يوم خد دهبي وحاجتي كلها، وبدأ الضرب بالإيد والرجل والعصاية".
كانت تلك بداية رحلة امتدت 16 عامًا من الإيذاء الجسدي والنفسي، تصاعد خلالها الاعتداء حتى كسر الزوج ذراعها وهي حامل بتوأم. ولم تتمكن كريمة من استكمال العلاج بسبب مسؤوليتها عن أطفالها وضيق حالها المادي، ما أدى، بحسب روايتها، إلى التئام الذراع بصورة خاطئة، كما تعرضت لإصابات في الوجه والساق لم تستطع علاجها.
ولم يتوقف الأذى عند الإصابات الجسدية، إذ تروي كريمة أن زوجها كان يحتجزها مع أطفالها الثلاثة داخل غرفة ويحرمهم من أبسط احتياجاتهم، ووصل الأمر إلى حبس أحد أبنائه منفردًا لمدة 60 يومًا، وهي تجربة تركت آثارًا نفسية واضحة على الطفل.
وتعيد هذه التجربة طرح مسألة توقيت تدخل جهات الحماية، ومدى قدرتها على التعرف إلى مؤشرات الخطر قبل أن يتحول العنف المتكرر إلى جريمة أشد قسوة. ويرى أحمد أبو المجد، المحامي والخبير الحقوقي، أن القوانين الحالية تجرّم كثيرًا من صور العنف، لكنها تحتاج إلى الانتقال من الاكتفاء بالعقاب بعد وقوع الجريمة إلى توفير الحماية قبلها. ويقول لـ"فكر تاني"، إنه "يجب أن نواجه العنف بمنطق محاولة إطفاء الحرائق قبل اشتعالها".
ويوضح أبو المجد أن حماية المرأة لا ينبغي أن تبدأ بعد تعرضها للضرب أو الإصابة، وإنما منذ ظهور مؤشرات الخطر، مثل التهديد والملاحقة والاعتداء المتكرر. فالحماية الحقيقية، بحسب قوله، تكمن في منع الجريمة قبل وقوعها، وهو ما يجعل وجود قانون موحد وشامل لمواجهة العنف ضرورة ملحة.
ومن زاوية الرصد، تقول الشيماء فكري، مديرة وحدة الرصد بمؤسسة إدراك للتنمية والمساواة، إن تفاصيل الوقائع تشير إلى أن بعض جرائم القتل سبقتها أو صاحبتها صور أخرى من العنف، بينها الضرب والخنق والطعن والحرق، وسط خلافات زوجية وأسرية ومالية ومحاولات للسيطرة.
وتوضح في تصريحات لـ"فكر تاني"،ـ أن 19 واقعة من بين 22 واقعة شروع في القتل حدثت داخل الأسرة، وارتبط بعضها بطلب الطلاق أو رفض العودة إلى الزوج، وفي حالات عدة، تصاعد الاعتداء سريعًا إلى استخدام الأسلحة أو الحرق أو إلقاء الضحية من مكان مرتفع، وهي مؤشرات تستدعي التدخل قبل بلوغ العنف هذه المرحلة.
وترى فكري أن انخفاض جرائم القتل لا يعني تراجع العنف في مجمله. فخلال النصف الأول من عامي 2025 و2026، انخفضت جرائم القتل من 156 إلى 118 جريمة، وتراجعت جرائم القتل الأسري من 120 إلى 80، بينما ارتفعت وقائع الضرب المبرح من 53 إلى 115، وزاد إجمالي الوقائع المرصودة من 495 إلى 598. وتشير هذه الأرقام، بحسب تقديرها، إلى تغير أنماط العنف أكثر مما تعكس انخفاضه، بالتوازي مع تطور آليات الرصد بمساهمة التكنولوجيا.
وتؤكد فكري أن الوقائع المرصودة لا تمثل الحجم الفعلي للظاهرة، وإنما تقتصر على ما أمكن توثيقه من بلاغات أو بيانات رسمية. وتظل خارج نطاق الرصد حالات لم يُبلّغ عنها، وشكاوى لم تُنشر، ووقائع متداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي من دون بلاغ رسمي.
كما توضح أن العنف الأسري، الذي مثل نحو 41% من الوقائع، يرتبط بعوامل متداخلة، منها النزاعات الزوجية والمالية والخلافات المتعلقة بالملكية والحقوق، فضلًا عن الانتقام ومحاولات السيطرة والتأديب. ومن ثم، فإن الفجوة لا تتعلق بالتشريع وحده، وإنما تمتد إلى الحاجة لإبلاغ آمن، وتقييم جاد للخطر، واستجابة مبكرة، وخدمات للحماية والدعم القانوني والنفسي والاجتماعي. وتلخص فكري أهمية هذا التدخل بقولها "فالوقاية من القتل تبدأ قبل وقوعه بوقت طويل".
حين يصبح الخروج من العنف معركة للبقاء
توضح تجربة كريمة أن استمرار المرأة في علاقة يسودها العنف قد يرتبط بالعزلة وغياب السند العائلي والاقتصادي، لا بقبولها ما تتعرض له، فقد كانت تأمل أن ينشأ أطفالها بين والديهم، فيما كان الجيران يسمعون الاعتداءات، لكن معظمهم كان يخشى التدخل.
وسبق أن حررت كريمة شكوى ضد زوجها، ثم تراجعت عنها استجابة لطلب ابنها الذي خشي أن يعايره زملاؤه بأن أمه تسببت في سجن أبيه. وتكشف هذه الواقعة كيف تتشابك الوصمة الاجتماعية والخوف على الأطفال مع الضغوط التي تدفع بعض الناجيات إلى الصمت أو العودة إلى دائرة العنف.
وبعد 16 عامًا، لجأت كريمة إلى رفع دعوى خلع، متنازلة عن حقوقها المالية مقابل الخروج بأطفالها من بيئة العنف، غير أن الانفصال لم ينهِ معاناتها، إذ وجدت نفسها أمام معركة أخرى لتأمين احتياجات أسرتها، فمنذ شهر، تقيم في منزل أسرتها من دون دخل ثابت، بينما يبيع أحد أبنائها، وهو طالب في المرحلة الإعدادية، الحُلي البسيطة والميداليات في الشارع للمساهمة في نفقات المنزل، ما يهدد قدرته على مواصلة تعليمه.
وتكتسب الحاجة إلى حماية النساء سندًا دستوريًا واضحًا في مصر، إذ تنص المادة 11 من الدستور على أن "تلتزم الدولة بحماية المرأة ضد كل أشكال العنف"، كما تكفل المساواة بينها وبين الرجل في الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتلزم الدولة بتوفير الرعاية للنساء الأشد احتياجًا.
ويطرح هذا الالتزام سؤالًا عن مدى ترجمته إلى تشريع شامل وآليات للتدخل المبكر تحول دون تكرار الاعتداء وتصاعده، بدلًا من الاكتفاء بملاحقة الجرائم بعد وقوعها.
البيت دائرة الخطر
تبدو الفجوة بين الالتزام الدستوري والواقع أوسع مما تكشفه الوقائع التي تصل إلى وسائل الإعلام، فبحسب وثيقة صادرة عن صندوق الأمم المتحدة للسكان، تتعرض نحو 7.88 مليون امرأة في مصر لأحد أشكال العنف سنويًا، استنادًا إلى مسح التكلفة الاقتصادية للعنف القائم على النوع الاجتماعي لعام 2015، بينما لا تتجاوز نسبة النساء اللاتي يبلغن عن الاعتداء أو يطلبن الدعم 1%.
وأظهر مسح صحة الأسرة المصرية لعام 2021 أن 46% من النساء المتزوجات تعرضن لعنف زوجي خلال حياتهن، كما بلغت نسبة النساء والفتيات من سن 15 عامًا فأكثر، ممن سبق لهن الارتباط وتعرضن لعنف جسدي أو جنسي أو نفسي من الشريك خلال عام واحد، 17% وفق بيانات عام 2015، مع استهداف خفض هذه النسبة إلى صفر بحلول عام 2030.
ولا يقتصر أثر العنف على حرمان النساء من الأمان، وإنما يمتد إلى الحد من فرص تمكينهن وقدرتهن على اتخاذ القرار، ما يجعل توفير الحماية جزءًا أساسيًا من مواجهة آثاره الاجتماعية والاقتصادية.
بلاغ لا يوفر الحماية
تعكس تجربة منى المسافة بين إنقاذ الضحية أثناء الاعتداء وتوفير حماية مستمرة لها بعده، فقد استغاثت بالنجدة، وتقول إن تدخلها أنقذ حياتها في تلك الليلة، لكن المحضر حُفظ لاحقًا، بحسب روايتها. وتضيف "للأسف تم حفظ المحضر، ومش لاقية حماية كفاية، ومفيش حد واقف جنبي".
ومنذ ذلك الوقت، تخشى منى مغادرة منزلها أو تعرضها للملاحقة على يد والد أبنائها، خصوصًا مع استمرار رسائل التهديد وذهاب الأطفال إلى المدرسة. وتصف حياتها قائلة "الدنيا بقت صعبة جدًا، عايشة في تهديدات. وقبل كده كنت بتعرض للضرب والشتيمة، وكله قدام ولادي".
ويرى أبو المجد أن المشكلة لا تتعلق دائمًا بقدرة المرأة على تقديم البلاغ، وإنما بكيفية تعامل الجهات المعنية معه، ومدى تقييمها لمستوى الخطر، وربطها البلاغات السابقة، واتخاذها إجراءات فعلية لحماية الضحية من المعتدي.
ويقول إن "تحرير المحضر في حد ذاته ليس حماية، فالحماية تبدأ عندما يتحول البلاغ إلى تقييم للخطر وإجراء وقائي سريع وفعال، خصوصًا مع وجود تهديدات بالقتل أو اعتداءات متكررة أو تصاعد في شدة العنف، وليس مجرد محضر إثبات حالة أو تعهد إداري".
ويحذر أبو المجد من أن غياب قانون شامل للعنف الأسري قد يؤدي إلى التعامل مع كل واقعة باعتبارها حادثًا منفصلًا، رغم أن العنف داخل الأسرة غالبًا ما يتخذ مسارًا متدرجًا ومتكررًا من السيطرة والتهديد والإيذاء.
ويضيف "تكرار البلاغات لا ينبغي النظر إليه باعتباره تكرارًا إداريًا، بل مؤشرًا على ارتفاع مستوى الخطورة، فالبلاغ المتكرر ليس مجرد شكوى جديدة، وإنما قد يكون جرس إنذار بأن الجريمة التالية ستكون أخطر من سابقتها".
الفجوة بين النص والتطبيق
تتضح أبعاد هذه الفجوة في تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2026، الذي يشير إلى أن العنف ضد النساء يحدث في مساحات متعددة، لكنه أكثر انتشارًا داخل الأسرة، فيما لا يصنف الإطار القانوني القائم العنف الأسري بوصفه جريمة مستقلة.
وبالاستناد إلى قراءة لنتائج مسح صحة الأسرة المصرية لعام 2021 تركز على العنف العاطفي والجسدي والجنسي، ذكر التقرير أن 3 من كل 10 نساء سبق لهن الزواج، وتتراوح أعمارهن بين 15 و49 عامًا، تعرضن لأحد أشكال العنف الزوجي. كما ارتفعت نسبة النساء اللاتي تعرضن للعنف خلال الاثني عشر شهرًا السابقة للمسح من 19% عام 2014 إلى 24% عام 2021.
ولا تقف الأزمة عند انتشار الاعتداءات، إذ تعتقد 35% من النساء في مصر، ممن تتراوح أعمارهن بين 15 و49 عامًا، أن ضرب الزوج لزوجته قد يكون مبررًا في ظروف معينة، وهو ما يكشف عن تصورات اجتماعية قد تمنح العنف مساحة للاستمرار والتصاعد.
ويرى أبو المجد أن القانون الموحد لمواجهة العنف ينبغي ألا يقتصر على تغليظ العقوبات، وإنما أن يقدم منظومة متكاملة للوقاية والحماية والمساءلة. ويضيف "وهنا تكمن أهمية العدالة التصالحية بضوابطها في القانون".
ويوضح أن التشريع المنتظر ينبغي أن يتضمن تعريفًا شاملًا للعنف الأسري، وآلية موحدة لتقييم مستوى الخطورة، وأوامر حماية عاجلة، ونظامًا لربط البلاغات السابقة، إلى جانب حماية الضحية وأطفالها، وتوفير الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي، وإتاحة المأوى الآمن عند الحاجة.
كما يشدد على ضرورة الاعتراف بأن العنف الذي يسبق جرائم القتل غالبًا ما يبدأ بالتهديد أو الاعتداء أو السيطرة أو الملاحقة، ثم يتصاعد في غياب التدخل المبكر. ويقول "القانون الناجح ليس الذي يعاقب على الجريمة بعد وقوعها فقط، وإنما الذي يلتقط إشارات الخطر ويمنع الوصول إلى الجريمة الأشد".
ومن شأن هذه المنظومة أن تجعل الحماية القانونية وسيلة للحد من العنف وآثاره على المجتمع بأكمله، مع ضمان ألا تظل النساء وأطفالهن وحدهم في مواجهة التهديدات المتكررة.
الحماية قبل الجريمة
تكشف قصة منى، إلى جانب ارتفاع وقائع الضرب المبرح والتهديد والعنف المتكرر، أن الطريق إلى الجريمة الأشد خطورة لا يبدأ دائمًا بصورة مفاجئة، فقد تسبقه اعتداءات متكررة ورسائل تهديد وبلاغات لا تُقرأ باعتبارها مؤشرات على تصاعد الخطر، ما يتيح للعنف التدرج من الإيذاء إلى تهديد الحياة.
لذلك، لا يمكن قياس فاعلية الحماية بعدد المحاضر المحررة أو العقوبات الصادرة وحدها، وإنما بقدرة المؤسسات على التدخل قبل أن تتحول الشكوى إلى إصابة، والإصابة إلى عجز، والتهديد إلى قتل.
وما تحتاج إليه النساء هو منظومة لا تنتظر وقوع الجريمة حتى تثبت أن الخطر كان حقيقيًا، وإنما تربط البلاغات السابقة، وتقيّم درجة التهديد، وتوفر حماية عاجلة ومستمرة، وتدعمها بتشريع شامل يتعامل مع العنف باعتباره نمطًا متدرجًا من الاعتداء والسيطرة، لا مجموعة من الوقائع المنفصلة.