"إحساس مرير بجرح ينزف منذ ٨ سنوات، ولولا سكينة الله ورحمته لهلكنا"، بهذه الكلمات يختصر خالد بدوي، المحامي وزوج المحامية والحقوقية هدى عبد المنعم، حصيلة سنوات ثماني من انتظار لا يجد له نهاية، فالمرأة التي أنهت مدة عقوبتها كاملة، لا تزال رهينة قاعات المحاكم، تنتقل من قضية إلى أخرى وكأن الزمن توقف عند لحظة القبض عليها، ولم يمنحها فرصة الخروج منها.
وحددت المحكمة جلستين لمحاكمتها في 12 و26 سبتمبر المقبل، ضمن قضيتين جديدتين مختلفتين، تحملان الاتهام ذاته الذي لاحقها منذ البداية، الانضمام لجماعة محظورة وتمويلها.
وتخضع المحامية والحقوقية حاليًا لمحاكمتين منفصلتين، تحملان الاتهامات نفسها التي واجهتها من قبل، في مخالفة صريحة لنصي المادتين 454 و455 من قانون الإجراءات الجنائية، اللتين تقرران بوضوح عدم جواز محاكمة الشخص على الواقعة ذاتها أكثر من مرة، وهو ما يضع مسار قضيتها بأكمله موضع تساؤل قانوني عميق.
ورغم ما بلغته حالتها الصحية من تدهور، لا تزال إدارة السجن تنقل هدى عبد المنعم من محبسها في العاشر من رمضان إلى محكمة بدر في كل جلسة، متجاهلة طلبها الذي تقدمت به للقاضي بإعفائها من الحضور شخصيًا، والاكتفاء بمثول محاميها بدلًا عنها، غير أن القاضي لم يستجب لهذا الطلب، تاركًا إياها تواجه رحلة العناء نفسها في كل موعد.
جسد أنهكه المرض والسنون
يكشف زوجها ومحاميها خالد بدوي لـ"فكر تاني" حقيقة ما تعانيه من أزمات صحية متراكمة، إذ تشمل مشكلات في القلب مصحوبة بارتفاع ضغط الدم، إلى جانب خشونة في الركبة والتهاب في المفاصل، وضمور في الكلية اليسرى، وهي أعراض تتفاقم مع تقدمها في العمر، إذ بلغت 68 عامًا، ما يجعل ثماني سنوات من الحبس عبئًا مضاعفًا عليها، وعلى الرغم من أن إدارة السجن توفر لها بعض الرعاية الطبية، فإنها بحاجة إلى إشراف طبي مكثف، وإلى وجودها بين بناتها لرعايتها.
وبدأت هذه المعاناة منذ اللحظة الأولى للقبض عليها في 1 نوفمبر 2018، حين اختفت قسرًا مدة 21 يومًا، قبل أن تظهر أخيرًا في نيابة أمن الدولة التي قررت حبسها احتياطيًا، ومنذ ذلك الحين توالت قرارات التجديد واحدًا تلو الآخر، حتى امتد الحبس الاحتياطي أربع سنوات كاملة، متجاوزًا بذلك الحدود التي رسمها القانون لهذا النوع من الإجراءات، وانتهى الأمر بصدور حكم بحبسها 5 سنوات في القضية رقم 1552 لسنة 2018 حصر أمن الدولة العليا طوارئ، المعروفة إعلاميًا بقضية التنسيقية المصرية للحقوق والحريات، وأدينت فيها بتهمة الانضمام لجماعة إرهابية، فيما برئت من تهمة تمويل هذه الجماعة.
غير أن انقضاء هذه المدة لم يكن كافيًا لإنهاء محنتها، فبدلًا من أن تفتح لها أبواب الحرية بعد قضاء عقوبتها كاملة، لجأت نيابة أمن الدولة العليا إلى "تدويرها" للمرة الأولى في 31 أكتوبر 2023، متهمة إياها على ذمة القضية رقم 730 لسنة 2020، لتعود عجلة الحبس الاحتياطي إلى الدوران من جديد، ولم يمض وقت طويل حتى قررت النيابة ذاتها تكرار السيناريو، فاتهمتها في نوفمبر 2024 للمرة الثانية، هذه المرة في قضية ثالثة تحمل رقم 800 لسنة 2019، أحيلت إلى المحاكمة على ذمتها في 11 ديسمبر 2024، أي بعد أقل من شهر واحد من بدء التحقيق فيها.
رصيد مهني يزيد المفارقة وضوحًا
ليست مسيرة هدى عبد المنعم المهنية بعيدة عن الاعتراف والتقدير، فقد حازت جائزة حقوق الإنسان لعام 2020 من مجلس جمعيات المحامين والهيئات القضائية في أوروبا، كما شغلت في وقت سابق عضوية المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر، إلى جانب توليها منصب المستشارة القانونية للمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة، وهو رصيد يجعل استمرار احتجازها أكثر إثارة للجدل في أوساط المدافعين عن حقوق الإنسان.
وفي ظل هذا المسار المتصاعد من "التدوير" القضائي، تتعالى الأصوات الحقوقية مطالبة بالإفراج عن كبار السن من سجناء وسجينات الرأي، لا سيما من بلغوا سن الشيخوخة، التي يحددها البعض عند الـ65، بينما تعتبرها الأمم المتحدة تبدأ من الـ60 فأكثر، وقد وجدت هذه المطالبات صداها في أزمة هدى عبد المنعم الإنسانية والحقوقية على وجه التحديد، حين دفعت فولكر ترك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، في 26 أغسطس الماضي، إلى مطالبة السلطات المصرية بالإفراج عنها، ووضع حد لاحتجاز منتقدي الحكومة تعسفيًا ولفترات طويلة، حتى بعد قضائهم مدة عقوباتهم أو بلوغهم الحد الأقصى المقرر للاحتجاز الاحتياطي.
وعلى النهج نفسه، طالبت منظمة العفو الدولية، السبت الماضي، بالإفراج دون قيد أو شرط عن المحامية هدى عبد المنعم، مؤكدة أن "المحامية الحقوقية تُحتجز تعسفيا منذ أكثر من سبعة أعوام"، وأن استكمالها عقوبة سجنها الجائرة في أكتوبر 2023 لم يمنع بقاءها رهينة قضيتين جديدتين تحملان اتهامات مماثلة زائفة تتعلق بالإرهاب.
وقد أشارت المنظمة كذلك إلى ما بلغته حالتها الصحية من تدهور خلال فترة احتجازها، موضحة أنها لم تعد قادرة على المشي دون مساعدة، لكنها رغم ذلك لا تزال تُنقل من السجن إلى المحكمة لحضور جلسات المحاكمة في القضيتين، بعدما رفضت المحكمة الطلبات التي قُدمت لإعفائها من المثول شخصيًا، والسماح لمحاميها بتمثيلها، على الرغم من أن القانون المصري يجيز ذلك.
ويختصر ذلك كله مأساة هدى عبد المنعم، فامرأة تحمل رصيدًا مهنيًا وإنسانيًا يفرض احترامًا واسعًا، أنهت عقوبتها منذ ما يقارب ثلاث سنوات، كان يفترض أن تعود بعدها إلى بناتها، لا أن تجد نفسها من جديد أمام قاعات المحاكم، تواجه اتهامات لم يتغير فيها سوى رقم القضية وتاريخها، وبينما تتصاعد المطالبات الحقوقية الدولية بالإفراج عنها، وتزداد صحتها هشاشة يومًا بعد آخر.