ليس كل عمل فني يعجبنا يستحق أن نعود إليه، فهناك أعمال تمنحك متعة لحظتها، ثم تذوب في الذاكرة بهدوء، كأنها كانت ابنة وقتها لا أكثر. تستمتع بها ثم تمضي، فلا تترك وراءها سوى اسم أو مشهد عابر. وهناك أعمال أخرى يحدث معها شيء مختلف، تظل عالقة في الذاكرة ليس لأنها الأفضل، ولا لأنها الأشهر، وإنما لأنها تترك داخلك سؤالًا لم يُغلق، أو إحساسًا لم يكتمل، فتجد نفسك تعود إليها بعد 5 سنوات، لا بدافع الحنين وحده، بل بدافع الفضول أيضًا. هل كانت جميلة فعلًا، أم أن الذاكرة هي التي أضفت عليها هذا الجمال؟ هكذا وجدتني، بعد 5 سنوات، أعود إلى مسرحية "كوكو شانيل" لشريهان على منصة شاهد.
كنت أظن أنني سأعود إليها لأرى شريهان مرة أخرى، وظننت أن الحنين وحده ما يقودني إلى فنانة ارتبط اسمها، عند جيلي وأجيال قبله وبعده، بالمسرح الاستعراضي في أجمل صوره. لكن بعد دقائق قليلة اكتشفت أنني لا أشاهد المسرحية نفسها التي شاهدتها قبل 5 سنوات، فالعمل لم يتغير، أنا الذي تغيرتُ.
في المرة الأولى، مثل أغلب الناس، كنت مشغولًا بعودة شريهان، وكان ذلك طبيعيًا، فبعد سنوات طويلة من الغياب، عاد اسم بحجمها إلى المسرح الاستعراضي، الفن الذي ارتبط بها في ذاكرة جيل كامل. وقتها كان من الصعب أن ترى العرض بعيدًا عن صاحبته، وأن تفصل بين المسرحية نفسها وبين رمزية تلك العودة. أما هذه المرة، فبقي حضور شريهان كما هو، وخرجت المسرحية نفسها إلى المقدمة.
بدأت ألتفت إلى تفاصيل لم تشغلني في المشاهدة الأولى، وإلى أسئلة لم تكن مطروحة أصلًا، حتى وجدت نفسي أفكر في شيء أكبر من المسرحية ذاتها: لماذا بقيت "كوكو شانيل" في الذاكرة، بينما اختفت أعمال أخرى كانت أكثر صخبًا، وربما أكثر انتشارًا، وقت عرضها؟
لا أظن أن النوستالجيا الإجابة، كما يقال عادة، فالحنين قد يدفعك إلى إعادة مشاهدة عمل أحببته، لكنه لا يستطيع أن يخفي عيوبه، أو يمنحه عمرًا أطول مما يستحق. الأعمال التي تعيش لا تعيش لأننا نشتاق إليها، وإنما لأنها تمتلك ما يجعلها قادرة على أن تُشاهَد مرة ثانية وثالثة، وفي كل مرة تكشف شيئًا جديدًا. وهذا بالضبط ما شعرت به وأنا أشاهد "كوكو شانيل"، فقد كان واضحًا أن كل من شارك فيها يريد أن يقدم عملًا يعيش، لا عملًا يحقق ضجة أسبوع أو شهر. هناك فرق كبير بين أن تصنع حدثًا وأن تصنع عملًا فنيًا، فالحدث ينتهي بانتهاء الكلام عنه، أما العمل الحقيقي فيبدأ عمره بعد أن يهدأ كل شيء.
خلال السنوات الأخيرة شاهدنا أعمالًا كثيرة حققت انتشارًا واسعًا، وامتلأت بها السوشيال ميديا، ثم اختفت تمامًا، حتى إنك قد تجد صعوبة في تذكر أسمائها. وفي المقابل بقيت أعمال أخرى حاضرة، ليس لأنها أحدثت الضجيج الأكبر، وإنما لأن ما فيها كان أكبر من اللحظة التي خرجت فيها.
وأنا أشاهد "كوكو شانيل" وجدت نفسي أفكر في المسرح أكثر مما أفكر في المسرحية. تذكرت سنوات طويلة بدا فيها المسرح المصري وكأنه يفقد ثقته بنفسه. لم يكن ينقصه الممثلون، ولا المواهب، ولا حتى الجمهور، بقدر ما كان ينقصه الإيمان بأن هذا الفن يستحق أن يُبذل من أجله كل هذا الجهد.
لهذا استقبل كثيرون، وأنا منهم، بعض التجارب الجماهيرية بحماس حقيقي. شعرت وقتها أن بابًا جديدًا قد فُتح، وأن المسرح ربما يستعيد جزءًا من حضوره، ويكتشف مواهب جديدة، ويصنع جمهورًا جديدًا، أو يعيد الجمهور القديم إلى مقاعده. كنت أتابع تلك التجارب وأنا أتمنى أن تكون بداية مرحلة مختلفة، لا لأنها قدمت كل ما نحلم به، وإنما لأنها أوحت بأن المسرح عاد يلفت انتباه الناس من جديد، وأن الفرصة أصبحت متاحة لأن يتطور هذا النجاح ويصبح خطوة أولى في طريق أطول.
لكن السنوات التي تلت ذلك لم تمضِ في الاتجاه الذي تمنيناه. شيئًا فشيئًا بدا أن الطريق الأسهل انتصر. صار الرهان على الإفيه أسرع من الرهان على النص، وعلى الضحكة اللحظية أسهل من الرهان على عرض يبقى في الذاكرة. ولم تعد المشكلة أن بعض الأعمال كانت خفيفة، فالمسرح يحتاج إلى الكوميديا كما يحتاج إلى التراجيديا. المشكلة، في رأيي، أننا استسهلنا صناعة الابتذال أكثر مما اجتهدنا في صناعة المسرح، كأن النجاح السريع تحول، عند كثيرين، من وسيلة إلى غاية، وأصبح المطلوب أن يخرج المتفرج وهو يردد إفيهًا، لا وهو يحمل معه تجربة عاشها أو فكرة ظلت تشغله بعد انتهاء العرض.
ومع ذلك، فليس معنى كل ما سبق أن "كوكو شانيل" عمل كامل، أو أن كل ما فيه جاء على المستوى نفسه. في الحقيقة، معظم المراجعات التي كُتبت عنها وقت عرضها توقفت عند ملاحظات على النص، وإيقاع بعض المشاهد، وطولها أحيانًا. وهي ملاحظات أجدها مفهومة، حتى لو لم تُفسد تجربتي مع العرض. لكن اللافت بالنسبة لي أن أحدًا، بعد مرور 5 سنوات، لا يعود إلى المسرحية وهو مشغول بهذه الملاحظات. فما يبقى في الذاكرة ليس المشهد الذي كان يمكن اختصاره، ولا الحوار الذي كان يمكن أن يُكتب بصورة أفضل، وإنما ذلك الإحساس العام بأنك أمام عمل احترم نفسه قبل أن يطلب من الجمهور أن يحترمه.
ربما لهذا السبب بدأت، في المشاهدة الثانية، أنتبه إلى تفاصيل لم تستوقفني في المرة الأولى. تصميم الملابس الذي قدمته ريم العدل لم يكن مجرد استعراض للأناقة، وإنما بدا جزءًا من بناء الشخصيات نفسها. الملابس هنا لا تزين الشخصيات بقدر ما تمنحها ملامحها. والديكور لم يكن مجرد خلفية جميلة، وإنما مساحة تتحرك داخلها الشخصيات بحرية، من دون أن يطغى على الحكاية أو يحاول أن ينتزع الانتباه لنفسه.
ولفتني أيضًا ما فعله هادي الباجوري في تصوير المسرحية، ليس لأن الكاميرا كانت كثيرة الحركة، ولا لأن الصورة كانت مبهرة في ذاتها، وإنما لأنه نجح، في رأيي، في حل معضلة ليست سهلة، وهي كيف تنقل عرضًا مسرحيًا إلى الشاشة من دون أن تفقده روحه؟ لو تعامل معه كفيلم لضاعت خصوصية المسرح، ولو اكتفى بتصويره كما تُصوَّر العروض عادة لفقد كثيرًا من حيويته. وما خرج به لم يكن فيلمًا كاملًا، ولا مجرد تسجيل لعرض على الخشبة، وإنما صيغة حافظت، إلى حد كبير، على ذلك الإحساس بأنك ما زلت تشاهد المسرح، حتى وأنت تتابعه من البيت.
لكنني، في النهاية، لا أظن أن سر بقاء "كوكو شانيل" يكمن في الملابس، أو الديكور، أو الإخراج، ولا حتى في عودة شريهان نفسها، على أهميتها. كل هذه العناصر أسهمت في صنع عرض جيد، لكنها وحدها لا تفسر لماذا ظل حاضرًا في الذاكرة.
أظن أن السبب أبسط من ذلك.
شعرت طوال العرض أن أحدًا لم يكن يحاول انتزاع إعجابي بالقوة. لم يكن هناك ذلك الإلحاح على خطف الضحكة، ولا اللهاث وراء التصفيق، ولا الرغبة في انتزاع رد فعل سريع بأي وسيلة. كان هناك قدر من الثقة لا نراه كثيرًا، ثقة في النص، وفي الممثل، وفي الموسيقى، وفي الصورة، والأهم من ذلك كله ثقة في الجمهور نفسه، في أنه قادر على الصبر، وعلى الإنصات، وعلى الاستمتاع بعمل لا يعامله باعتباره مستهلكًا ينتظر النكتة التالية.
وهنا توقفت طويلًا أمام فكرة ظللنا نرددها سنوات، أن الجمهور لم يعد يحب المسرح.
لا أعرف إن كان ذلك صحيحًا أصلًا.
كلما تذكرت "كوكو شانيل"، وتذكرت معها تجارب أخرى احترمت جمهورها، أميل إلى الاعتقاد بالعكس. ربما لم يفقد الجمهور اهتمامه بالمسرح، وربما لم يكن هو المشكلة من البداية. ربما كان ينتظر فقط عملًا يشعر معه أن الوقت الذي منحه لهذا العرض عاد إليه في صورة متعة حقيقية، لا في صورة ضحكات تنتهي قبل أن يغادر مقعده.
قد أكون مخطئًا، لكنني أظن أننا اعتدنا تحميل الجمهور مسؤولية كل تراجع يصيب الفن، بينما ظل السؤال الأصعب معلقًا. ماذا قدمنا لهذا الجمهور أصلًا؟ وهل كان من العدل أن نلومه على ابتعاده، في الوقت الذي كان كثير مما يُقدَّم له لا يبذل الجهد نفسه الذي نطالبه هو بأن يبذله في المشاهدة؟
لهذا خرجت من إعادة مشاهدة "كوكو شانيل" بإحساس مختلف تمامًا عن الإحساس الذي خرجت به قبل 5 سنوات. وقتها كنت سعيدًا لأن شريهان عادت. أما اليوم، فأنا سعيد لأن المسرحية نفسها ما زالت قادرة على أن تعيش، وما زالت تطرح الأسئلة نفسها، وحزين لأننا لم نبنِ على هذه التجربة ما كانت تستحقه.
كنت أتمنى أن تكون بداية، لا استثناء، وأن تشجع منتجين آخرين على خوض المغامرة نفسها، وأن تدفع المسرح الاستعراضي إلى استعادة شيء من حضوره، وأن تفتح الباب أمام أعمال تؤمن بأن الإبهار لا يغني عن الفكرة، وأن الجماهيرية لا تعني، أبدًا، الاستسهال.
هذا لم يحدث، أو على الأقل لم يحدث بالقدر الذي كنت أتمناه.
ومع ذلك، لا أستطيع أن أشاهد "كوكو شانيل" إلا بشيء من الامتنان. ليس لأنها عمل بلا أخطاء، وليس لأنها بطولة شريهان، ولا لأنها تحكي سيرة واحدة من أشهر مصممات الأزياء في العالم، وإنما لأنها تذكرني، كلما عدت إليها، بأن المسرح، حين يؤمن بنفسه، يستطيع أن يصنع عملًا يبقى.