عبر نظرة يملؤها الحب والفخر والدموع ثم رتبة يد على كتف مدرب منتخب مصر، حسام حسن، تصدر اسم المصورة الصحفية سماح زيدان، التريند على منصات التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع مباريات كأس العالم.
سماح ليست الوجه النسائي الصحفي الوحيد الذي ارتبط بالمونديال، فبجولة عبر منصات الإعلام التقليدي ووسائل التواصل الاجتماعي سنجد مذيعات على شاشات برامج الرياضة، ومحللات كرويات على تيك توك وغيره من المنصات، وقبل كل ذلك تحقق كرة قدم نسائية خطوات حثيثة نحو جذب متابعين والحصول على دعم ورعاة حول العالم، ورغم كل ذلك لا زالت المرأة مادة للسخرية لدى قطاع كبير من صناع المحتوى الذين لا يملوا من تكرار الحديث عن جلهلها الكروي.
منذ أصبح كأس العالم التريند الأول على منصات التواصل الاجتماعي، وكالمعتاد مع أي حدث/ شئ له ملايين المتابعين، يتحول إلى مادة خام للاستلهام وصُنع مقاطع فيديو قصيرة من صُناع المحتوى حول الحدث، تبث عبر منصات التواصل الاجتماعي، سواء تيك توك أو انستجرام أو فيسبوك وغيرهم.
ومع انطلاق البطولة الأكثر شعبية حول العالم في 11 يونيو الجاري تدفق محتوى مرئي كثيف عن الأمر، محوره النساء، وعلاقتهن بكرة القدم. وبتصفح مجموعة غير انتقائية من المقاطع المصورة على ثلاث منصات (فيسبوك- انستجرام -تيك توك) بتضح نمط مُتكرر ساخر يعتمد على سردية نمطية بجهل النساء بكرة القدم.
لا يبدو هذا النمط جديدًا أو عابرًا، بل يُعيد إنتاج تصور ثقافي راسخ عن العلاقة بين النساء وكرة القدم، وهذا التصور بُني على أساس تميزي، أنها لعبة للرجال سواء على مستوى اللعب أو التشجيع، وبدلًا من التعامل مع النساء بوصفهن جزءًا من جمهور اللعبة ومتابعات لها -وهو أمر ملاحظ في مدرجات التشجيع- تُقدَّم المرأة في هذه المقاطع باعتبارها "الدخيل" على عالم كرة القدم، أو الشخص الذي لا يفهم قواعدها ومصطلحاتها، ما يجعل جهلها المفترض من الرجال في هذه المقاطع مصدرًا للضحك والمفارقات الساخرة.
صناعة التريند من بوابة التنميط
نتخذ هذه المقاطع أشكالًا متعددة؛ بعضها يقوم على طرح أسئلة رياضية على النساء وتجيب المرأة/ الفتاة التي تظهر في الفيديو إجابات جميعها خاطئة، ويعتمد بعضها الآخر على تمثيل مواقف يومية تظهر فيها المرأة غير قادرة على فهم انشغال شريكها بالمباريات أو استيعاب تفاصيل اللعبة، وجزء آخر من المقاطع يربط بين النميمة كفعل يُصنف أنه نسائي بحت وبين الإجابات، حيث تجيب النساء على الأسئلة حول كريستيانو وميسي عن طريق وصف ملابس زوجاتهن ( جورجينا رودريجز وأنتونيلا روكوزو) والحديث عن المقارنة بين الزوجات وأسلوب ملابسهن، ورغم اختلاف الصياغات التي تظهر عليها المقاطع المُصورة، فإن الرسالة الضمنية تكاد تكون واحدة: كرة القدم مساحة ذكورية بطبيعتها، والمرأة تقف على هامشها.
يمكن تفسير هذا التنميط بناء على ما قدمته الأطروحات النسوية في كتابات عِدة، حيث أوضحت أن التفرقة الثقافية في تنشئة الأولاد والبنات، تضع مجموعة من الأدوار الجندرية لكل منهما، وهذه الأدوار تخلق أنماطا مُتكررة من التفكير والتصورات، يتربى عليها كلا من الذكر والأنثى، وكما تشرح تشيماماندا نغوزي أديتشي في كتابها We Should All Be Feminists أن الأولاد والبنات مختلفون بيولوجيًا بلا شك، لكن التنشئة الاجتماعية تبالغ في هذه الاختلافات، ثم تبدأ عملية تربوية تجعل هذه التصورات تتحول لأفكار راسخة في العقول وفي الممارسات في الواقع.
لذا في هذا السياق الساخر يمكن فهم أن الافتراض القائم عليه السخرية أن النساء يجهلن لعبة كرة القدم، إذا كان حقيقيًا بالفعل فهو نابع من تلك التنشئة الاجتماعية التي جعلت لكل فرد داخل الأسرة عالمه، للولد نمط معين من الألعاب على رأسها كرة القدم والفتيات لهن نمط آخر على رأسه اللعب بالعرائس التي تبدو على هيئة طفل وطباخة أي ألعاب ترتبط بما يسمى في مستقبلها بـ "أعمال الرعاية المنزلية" وبالتالي إذا كان الجهل المفترض واقعا فهو واقع نشأ من التفرقة في التنشئة وليس صفة أنثوية خُلقت بها المرأة كما يريد البعض الإشارة إلى ذلك.
لغة الأرقام تحطم النمط
لاتنصب السخرية على نقص المعرفة الرياضية بحد ذاتها، وإنما تستهدف النساء لكونهن نساء، فالرجل الذي يجهل قوانين اللعبة لا يتحول عادًة إلى نموذج متكرر في المحتوى الرقمي، بينما يُقدَّم جهل المرأة بوصفه سمة جماعية مرتبطة بكونها امرأة، ومن ثم يصبح المحتوى أقرب إلى إعادة تدوير الصور النمطية الجندرية، وهذا المحتوى في الحقيقة لا يكتفي بعكس صورة نمطية موجودة سلفًا، بل يشارك في إعادة إنتاجها وتثبيتها، فمع التكرار المستمر لهذه النماذج، تتحول الفكرة من مجرد نكتة متداولة إلى افتراض اجتماعي يبدو بديهيًا؛ افتراض مفاده أن الاهتمام بكرة القدم أو فهمها يرتبط بالرجال أكثر من النساء، رغم أن الواقع يشير إلى وجود ملايين النساء المتابعات للعبة حول العالم.
في المقابل، بنظرة على مدرجات المشجعين في المونديال، نشاهد النساء تتقاسمن المقاعد مع الرجال، ففي أحدث الإحصائيات المنشورة عبر موقع nielsen -منصة متخصصة في أبحاث الجمهور- من المتوقع أن يصل عدد مشجعي كرة القدم من النساء إلى أكثر من 800 مليون مشجع على مستوى العالم بحلول عام 2030، ووفق نفس التقرير ارتفع تشجيع النساء لكرة القدم في المملكة المتحدة بنسبة 15% بعد فوز منتخب السيدات لكرة القدم ببطولة أوروبا 2022. وفي بحث آخر لمنصة SPORTFIVE ذكرت النتائج أن 47% من متابعي بطولة كأس العالم للسيدات كانوا من النساء، أي أن النساء شكلن ما يقرب من نصف الجمهور.
تبدو هذه الأرقام كافية للتشكيك في الافتراض الذي تقوم عليه هذه المقاطع الساخرة، فلو كانت كرة القدم حقًا عالمًا مغلقًا على الرجال، لما شهدت المدرجات هذا الحضور النسائي المتزايد، ولما تحولت متابعة اللعبة إلى جزء من اهتمامات ملايين النساء حول العالم.
كما أن انتشار صانعات المحتوى المتخصصات في التحليل الكروي وتغطية المباريات عبر المنصات الرقمية يشير إلى أن علاقة النساء بكرة القدم لم تعد استثنائية أو هامشية، بل أصبحت جزءًا من المشهد الرياضي والإعلامي الرقمي المعاصر، خاصًة مع انتشار المحتوى الذي تقدمه "كيت سكوت" واحدة من أبرز مقدمات برامج كرة القدم في شبكة سي بي إس سبورتس، و "اليكس سكون"، لاعبة كرة قدم إنجليزية ومحللة رياضية لديها ٢ مليون و500 ألف متابع عبر انستجرام، و"أليسيا إيناكوني" وهي صانعة محتوى كروي تمتلك مليون و500 ألف متابع على منصة تيك توك ومليون متابع على انستجرام.
مع ذلك، ربما تكشف المقاطع الساخرة، عن شيء آخر يتجاوز كرة القدم نفسها، فهي لا تطرح سؤالًا حول معرفة النساء باللعبة بقدر ما تعيد طرح سؤال أقدم يتعلق بمن يُسمح له اجتماعيًا بأن يكون خبيرًا أو صاحب معرفة في مجال بعينه، فحين يتحول جهل المرأة المفترض إلى مادة متكررة للضحك، بينما لا يحظى جهل الرجل بالمعاملة نفسها، يصبح الأمر مرتبطًا بالتصورات المسبقة الموضوعة حول نمط التشجيع أكثر من ارتباطه بالواقع.
لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم هو: هل تفهم النساء كرة القدم أم لا؟ وهو سؤال يظهر بفعل المحتوى الرقمي المنتشر في كل المنصات، بل: لماذا لا يزال جزء من المحتوى الرقمي يتعامل مع فهم المرأة لكرة القدم باعتباره أمرًا يحتاج إلى إثبات، في حين يُنظر إلى فهم الرجل لها باعتباره أمرًا بديهيًا لا يحتاج إلى برهان؟ في وضع تمييزي واضح قائم على التنميط والمُسبق لكل ما هو ذكوري وكل ما هو أنثوي من وجهة نظر شعبوية سائدة غير دقيقة، فتبقى هذه الرؤية البالية ترسخ سردية غير واقعية في زمن اللايف والـ var.