"إنتي بنت ولا مرة".. السمسار كحارس شرف

أنتي بنت ولا مرة!" بهذا السؤال-الاتهام تبدأ رحلة إذلال آلاف الفتيات في مصر بحثًا عن حق أساسي: السكن.

بعيدًا عن مشاهد السينما العابرة التي لم تكن يومًا واقعية بما يكفي، تكمن مأساة حقيقية حيث يفترض المجتمع انحراف الفتاة لمجرد اختيارها أن تعيش بمفردها، ويسلّم الرقابة لرجلٍ ليس أكثر من "سمسار".

هذه الرقابة التي منحها المجتمع للسمسار تجعل له سُلطة أبوية مطلقة؛ سلطة تمنحه الحق في طرح ما شاء من أسئلة، وتقييم النساء وفق نظرته "الجهنمية"، وفي النهاية حرمان من لا "تستحق" من "شرف السكن"، لأي شك في شرف الساكنة. بينما تحت وطأة هذا الرقيب، تضطر الفتيات لاختلاق قصص غير حقيقية، فقط للحصول على رضاه والبقاء تحت مظلة معاييره وأفكاره.

هذه المأساة لا تمس فئة قليلة، بل تواجه شريحة ضخمة ومتزايدة من النساء اللاتي يعشن بمفردهن في مصر. فالأرقام تشير إلى وجود ما يقدر بنحو 2.5 مليون مطلقة، وفقًا لخبراء وإحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في 2020، التي أشارت إلى معدل حالة طلاق كل دقيقتين تقريبًا. نحن نتحدث عن كتلة سكانية هائلة تواجه هذا التحدي يوميًا.

هذا السؤال الفج: "إنتي بنت ولا مرة!" أُلقي على مسامع (د.ي) مرتين؛ إحداهما وكانت رفقة والدتها، ثم بمفردها بعد رحيل الأم، التي لم يكن لوجودها أي شفاعة أمام (الرقيب) السمسار، الذي وجه استهجانه القاسي للأم والابنة: "ازاي تسكن لوحدها؟!.. أنا مابسكنش حريم لوحدهم".

كانت رحلة (د.ي) طويلة مع السماسرة، تقصها فتقول: "هحكيلك من أول ما سيبنا بيتنا القديم الإيجار في شبرا مصر، وقررنا ندور على سكن جديد. محدش كان بيرضى يأجر شقة ليا أنا وأمي بس، عشان أمي منفصلة عن أبويا من سنين طويلة. بعد لف كتير، جوز أختي شافلنا شقة قريبة منهم في شبرا الخيمة، بس مرتحناش هناك، فرجعنا ندور تاني في الهرم وفيصل، وفي العمرانية. وبعد ما شفنا شقة واتفقنا على الإيجار، السمسار سأل أمي: جوزك فين؟ ولما قالتله إنها منفصلة، قالها: أنا مابكتبش عقود مع ستات، ومابسكنش غير واحدة معاها جوزها".

"مرة تانية أمي حاولت تقنع سمسار إن جوزها مسافر، بس هو طلب قسيمة الجواز، ولما معرفتش تقنعه، شك فينا ورفض يأجرلنا، وكمان هانّا وقال لنا كلام يوجع أوي: شكلك مش متجوزة أصلًا. فهمنا إن الكدب مش هيحل حاجة. وبعد لف كتير، لقينا شقة في خاتم المرسلين، وصاحب البيت وافق، بس بشرط غريب جدًا: إنا نسكن في الدور الـ 11 عشان يعرف يراقب مين طالع لنا، لأنه ساكن في الدور السابع. وكمان مرضيش يمضي العقود غير وجوز أختي موجود. عشنا في الجو الخنيق ده سنتين كانوا صعبين أوي، كان بيراقبنا على طول، وساعات يبعت مراته تتابعنا. عشان كده قررت أدور على شقة في دور أقرب، لأن أمي جالها غيبوبة سكر مرتين ومعرفتش أدخّلها البيت بسهولة، بس ملقتش أي شقة، كل سمسار كان بيرفض يأجر لستتين لوحدهم".

اقرأ أيضًا: الأمان المهدد.. بيوت النساء يلاحقها قلق دائم (حكايات الإيجار القديم)

جسمي مش سلعة.. التحرش ثمنًا للمأوى

بعد وفاة والدتها بستة أشهر، لم تستطع (د.ي) البقاء في الشقة الكبيرة وحدها، ومع زيادة الإيجار وغيرة زوجة المالك، بدأت رحلة البحث من جديد، لكن هذه المرة وحيدة تمامًا، في مهمة تصفها بـ"شبه المستحيلة".

تكمل (د.ي) شهادتها: "المهمة كانت صعبة أوي، لحد ما سمسار وافق يأجرلي سكن، بس بعد ما عمل عني تحريات كاملة في المنطقة اللي كنت فيها، ووقتها اضطريت أقول إن جوز أختي ده أخويا. بس للأسف، شقتي اتحرقت، واضطريت أدور لوحدي تاني من غير أي مساعدة، لأن أهلي كانوا شايفين إني أعيش مع حد فيهم أحسن، بس أنا رفضت وصممت على الاستقلال".

هذا الإصرار على الاستقلال فتح عليها أبوابًا أخرى من الجحيم: "اتعرضت لمواقف كتير، منها ع النت ومنها وش لوش. واحد من السماسرة قال لي: أوافق آجرلك الشقة، بس بشرط إني أزورك مرة في الأسبوع. ومرة تانية، لما روحت أعاين شقة، السمسار حاول يمسك إيدي، زقيته ومشيت بسرعة. بعد الموقف ده بقيت أروح أعاين الشقق وأنا معايا مبرد في شنطتي عشان أدافع عن نفسي. وفي موقف تاني، سمسار خدني أشوف شقة مع واحدة ست سودانية وعيالها، الشقة كانت زبالة في بدروم، بس هو اختار الست السودانية وقالي بالنص: أسكّن السودانية أستفيد منها، لكن أسكنك إنتي عشان تجيبيلي رجالة".

هذه النظرة الدونية للمرأة المستقلة ليست تجربة فردية، بل هي قاعدة يؤكدها ما حكته أمنية سويدان، صانعة الأفلام، التي سألت سمسارًا سؤالًا بريئًا عن وجود مواعيد للعودة للمنزل، فجاءه الرد: "لا مفيش مواعيد، بس لو عايزة تدوّريها ندوّرها سوا". لقد افترض تلقائيًا أنها "منحرفة" لمجرد سؤالها.

تصل المأساة إلى ذروتها مع الصحفية إيناس كمال، التي تعرضت للتحرش المباشر من سمسار أثناء معاينة شقة في السيدة زينب، وتقدمت ضده بمحضر، وتحكي عن آخر كان يصر على معاينة الشقة بعد منتصف الليل، بحجة أن المالكة ممرضة.

هذه الشهادات عن التحرش والابتزاز ليست حوادث معزولة، بل هي انعكاس لواقع أوسع. ففي عام 2024 وحده، وثق "مرصد جرائم العنف ضد النساء" التابع لمؤسسة إدراك 1,195 جريمة عنف ضد النساء، وهذا الرقم لا يمثل سوى الحالات المعلنة التي تم رصدها وتوثيقها.

الكسرة في أنتِ.. تمثيلية الشرف

لم تكن منار خالد، التي خاضت معركة شرسة مع أهلها لتستقل بحياتها، تعلم أنها خرجت من سلطة لتقع في قبضة أخرى أوسع. كانت تحلم قائلة: "النهاردة أنا حرة، هعيش في بيتي لوحدي، وهتخلص من كل الماضي بسلطاته وقيوده، وهحيا من جديد". وتضيف بمرارة: "كنت ساذجة جدًا، مكنتش أعرف أنا هلاقي إيه".

لمنار "روشتة" اضطرت لاتباعها: "بعد شوية وقت وتعامل مع الملاك والسماسرة فهمت اللعبة، وبقى عندي طقوسي الخاصة في مكالماتهم، أولها: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مع بداية كل مكالمة، وكلام كتير عن الدين والصلاة على النبي عشان أبين إني محافظة زي ما بيحبوا".

لكن حتى هذا القناع لم يكن كافيًا لمنع التلميحات: "لما السمسار بيعرف إني لوحدي، التلميحات مبتوقفش، ألاقي اللي يقولي: طب ما تيجي وأسكنك في شقتي!، وواحد تاني مبيزهقش من الشروط عن شكل الزيارات وإن مفيش رجالة تطلع الشقة، حتى لو أبويا أو أخويا. وكتير بيشترط إن أبويا يجي ببطاقته يمضي العقد بدالي، أو على الأقل يهددني إنه هيراقبني".

هذه "التمثيلية" تتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا مع المطلقات، اللاتي يُنظر إليهن بشكل أكثر ارتيابًا. تحكي صديقة -رفضت ذكر اسمها- عن الحيلة التي ابتكرتها لتأجير شقة في المعادي. فرغم وجود ابنها معها، كانت نظرات السمسار المريبة تدفعها لاستخدام صديق لها ليجسد دور "الزوج المسافر" عبر مكالمة فيديو، مع دفع الكثير من المال للسمسار ليغض الطرف عن طلب عقد الزواج. بل وتتحول الحيلة إلى طقس شبه ثابت لدى الكثيرات، حيث يصبح الصديق فجأة "خالًا"، والزميل "ابن عم"، في محاولة يائسة لخلق "محرم" وهمي يرضي سلطة السمسار ويفتح لهن بابًا موصدًا.

اقرأ أيضًا: الأزمة الاقتصادية.. قيد إضافي في معاصم المستقلات

ضريبة الأنوثة.. عقاب أخير

إذا كانت رحلة البحث عن سكن قد بدأت بسؤال عن الشرف، وانتقلت إلى التحرش الجسدي، ومرت بتمثيلية الأخلاق، فإنها تنتهي عند العقاب الأخير والأكثر واقعية: العقاب المالي.

هنا، لا يصبح الأمر مجرد إهانة نفسية، بل يُترجم إلى ضريبة قاسية تُفرض على المرأة لـ"جريمة" استقلالها.

هذا ما عاشته الصحفية إيناس كمال، التي لم يشفع لها كونها مغتربة تبحث عن فرصة عمل. فمنذ 2012، والرفض يطاردها بنفس الحجة الواهية: "مابسكنش بنت لوحدها". تحكي عن هذا الظلم المركب، فتقول: "جملة إحنا بنسكّن عائلات بس اتقالتلي عشرات المرات، وكانت بتبقى شقق مناسبة لميزانيتي، بس مكنتش بقدر أقنعهم. مبنسكنش بنات، يا إما شباب أو عائلات. كنت ساعات بعيط عشان الفرص دي بتروح مني، ليه أضطر أدفع أربع أضعاف السعر اللي يناسبني عشان بس ألاقي سكن؟".

هذا الحصار الاقتصادي الذي تحكي عنه إيناس هو جزء من فجوة اقتصادية أعمق تعاني منها المرأة في مصر. فبينما يبلغ معدل البطالة للذكور 4.2%، يقفز معدل البطالة للإناث إلى 17.1%، كما أن نسبة مشاركة النساء في سوق العمل لا تتجاوز 16.9%، بحسب أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2024. والأكثر دلالة، أن نسبة النساء اللاتي يمتلكن عقارات في مصر أقل من 5% وفقًا للمسح الصحي للأسرة المصرية 2021، مما يجعلهن أسيرات لسوق الإيجار المتحكم فيه بالكامل تقريبًا من قبل الرجال.

هنا يتضح أن المنظومة الأبوية لا تكتفي بالوصاية الأخلاقية، بل تفرض حصارًا اقتصاديًا. تضيف إيناس: "أكتر حاجة كانت بتوجعني إني ألاقي شقة مناسبة ماديًا ويرفضوا إني أسكن، وقتها كنت بلعن الظروف والبلد وكل حاجة، لأني كنت بضطر أدفع أضعاف السعر اللي بيدفعه زميل راجل، واكتشفت إنهم بيلاقوا سكن أرخص مننا كستات بكتير".

لن يكسر هذا الواقع القاتم إلا امرأة.

بعد رحلة (د.ي) المليئة بالرفض والتحرش والابتزاز، لم يأتِ الخلاص من سمسار أو مالك رجل، بل من سيدة تعاطفت مع قصتها. تلخص (د.ي) المشهد كله في كلمات دقيقة: "كنت في المرحلة دي لوحدي تمامًا، مفيش جنبي غير صحابي وزمايلي، بينما المجتمع عايز أب أو أخ يضمنني، حتى خالي مكنش كفاية عشان يثبت صلة القرابة، خوفًا منهم إني أكون كدابة. وفي الآخر، بنت هي اللي وقفت جنبي".

هل تظن بعد كل هذا أن هذه الحكايات فردية؟

ليست كذلك. هي أعراض لمرض مجتمعي عميق، حيث يتحول السمسار من مجرد وسيط عقاري إلى وكيل للضمير الجمعي، حارس متطوع للشرف، ومحقق يملك سلطة إصدار الأحكام. هو ليس شخصًا، بل تجسيد لفكرة؛ فكرة أن المرأة المستقلة مشروع انحراف محتمل يجب مراقبته، تقييده، وفي النهاية، معاقبته.

هذه السلطة لم يخترعها السمسار، وإنما تسلمها بموجب عقد صامت من مجتمع بأكمله.

هو ينفذ ما يتوقعه منه المالك، وما يرضي حارس العقار، وما يطمئن الجيران.

كل رجل في موقعه يصبح شرطيًا للفضيلة، يمارس وصايته على أجساد النساء وحياتهن وقراراتهن. والكذب الأبيض، والمبرد في الحقيبة، وتمثيلية الزوج المسافر، ودفع الإيجار المضاعف؛ كلها ليست حيلًا فردية، بل آليات دفاع طورتها النساء للنجاة في بيئة معادية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة