منذ اندلاع الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، شهد العالم تصعيدًا غير مسبوق في الخطاب النووي للرئيس فلاديمير بوتين، الذي توعد باستخدام الأسلحة النووية في حال تدخل دول الناتو، وهي تهديدات أثارت تساؤلات جادة حول إمكانية لجوء روسيا إلى هذه الأسلحة، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات كارثية على الساحة الدولية.
في هذا السياق، حذرت الدكتورة باتريشيا لويس، مديرة برنامج الأمن الدولي في "تشاتام هاوس"، من أن خفض روسيا لعتبة استخدام الأسلحة النووية يمثل تحولًا خطيرًا في معايير الردع النووي التقليدي، يفرض ضرورة اتخاذ إجراءات دولية عاجلة لتفادي الانزلاق إلى مواجهة نووية قد تهدد بقاء أجزاء واسعة من العالم.
تقود الدكتورة باتريشيا لويس برنامج الأمن الدولي في تشاتام هاوس. شغلت سابقا منصب نائب المدير والعالم المقيم في مركز دراسات عدم الانتشار في معهد مونتيري للدراسات الدولية السابق، ومدير معهد الأمم المتحدة لبحوث نزع السلاح؛ ومدير مركز البحوث والتدريب والمعلومات في مجال التحقق في لندن.
في 24 فبراير 2022، قال بوتين في خطاب متلفز مهددًا دول الناتو بالتدخل: "سترد روسيا على الفور، وستكون العواقب غير مسبوقة في تاريخكم". وفي 27 فبراير 2022، أمر القوات النووية الروسية بالدخول في "وضع خاص من الجاهزية القتالية". وهو إجراء تحذر باتريشيا لويس من دلالاته الخطيرة، إذ يمكن من خلاله تمرير أوامر إطلاق الأسلحة النووية، التي لا يمكن تنفيذها في ظروف السلم.
تعديل العقيدة النووية الروسية
في سبتمبر 2022 وسّع بوتين نطاق العقيدة النووية الروسية، حيث خفض العتبة لاستخدام الأسلحة النووية من "تهديد وجودي للدولة" إلى "تهديد لسلامة أراضي روسيا". وهو تغيير يعكس توجهًا روسيًا لتوسيع مبررات استخدام السلاح النووي، ما يزيد من تعقيد الوضع.

ثم في 19 نوفمبر 2024، نشرت روسيا نسخة محدثة من عقيدتها النووية تحت عنوان "المبادئ الأساسية الجديدة لسياسة الدولة في الردع النووي"، والتي قللت رسميًا من عتبة استخدام الأسلحة النووية، لتشمل أي تهديد لسيادة روسيا أو بيلاروسيا أو سلامة أراضيهما باستخدام أسلحة تقليدية.
وقد أشار هذا النص الجديد إلى أنواع معينة من الأسلحة التقليدية، مثل الإطلاق المكثف للصواريخ والطائرات المسيرة.
ورغم أن تعديل هذه العقيدة جاء بعد إعلان الرئيس الأمريكي جو بايدن السماح لأوكرانيا باستخدام صواريخ تقليدية متوسطة المدى ضد الأراضي الروسية، لكنها ليست نتيجة مباشرة لذلك القرار، وفق "لويس"، التي ترى أن التعديلات الروسية كانت قيد الإعداد لعدة أشهر، ما يعكس استعدادًا طويل الأمد لتبرير استخدام الأسلحة النووية تحت ظروف أكثر تنوعًا.
اقرأ أيضًا: هل أشعل بايدن فتيل الحرب العالمية قبل رحيله؟
التصعيد باستخدام صاروخ "أوريشنك"
في 21 نوفمبر 2024، أطلقت روسيا صاروخًا باليستيًا جديدًا أطلق عليه اسم "أوريشنك" واستُخدم لأول مرة ضد مدينة دنيبرو في أوكرانيا.
تقول "لويس" إن هذا الصاروخ، رغم كونه مسلحًا تقليديًا، يعتبر رسالة واضحة بجدية التهديدات الروسية، وذلك بسبب قدرته النووية وسرعته التي تجعل من الصعب التصدي له. وإن كان يُمكن أن يُفهم هذا التصعيد أيضًا باعتباره محاولة لتخويف أوكرانيا وحلفائها وزيادة الضغط على الغرب.

سيناريوهات سوء التقدير
الخطير هنا وفق "لويس"، أن وصول التهديد بالأسلحة النووية إلى هذا الحد من التصعيد أو استخدامها فعليًا يفتح الباب أمام سوء التقدير الذي قد يؤدي إلى قرارات كارثية. وهي تشير إلى التاريخ المليء بأحداث كادت تؤدي إلى استخدام الأسلحة النووية نتيجة أخطاء تقنية أو بشرية. وتضيف أن تعقيدات العصر الحديث، مثل الهجمات السيبرانية والذكاء الاصطناعي، تُحيل الأمر إلى مزيد من الخطر وتجعل من الصعب الاعتماد على الردع التقليدي.
وهي تشير إلى أن هذا الخطر الوشيك ملحوظ عالميًا على مستوى قادة الدول الكبرى، ويظهر في البيان المشترك الصادر عن قمة مجموعة العشرين 2024 بين الرئيسين الأمريكي والصيني شي جين بينج، والذي أكد على ضرورة إبقاء القرار باستخدام الأسلحة النووية، تحت السيطرة البشرية.
كيف يُمكن لروسيا استخدام الأسلحة النووية؟
منذ بداية الحرب، افترض الخبراء أن روسيا لن تهاجم دولة عضوة في الناتو بالأسلحة النووية؛ لتجنب رد محتمل بموجب المادة الخامسة من معاهدة واشنطن. ومع ذلك، ترى "لويس" أن استخدام روسيا للأسلحة النووية قد يكون محتملًا في أوكرانيا، باستخدام أسلحة نووية تكتيكية ذات قوة أقل ومدى قصير. إذ تحتفظ روسيا بما يزيد عن 1,000 رأس نووي تكتيكي في مخازنها.
تشير "لويس" إلى الخطاب الروسي، فتقول إنه أصبح أكثر وضوحًا بشأن تهديد دول الناتو وليس أوكرانيا فقط، مشيرةً إلى تصريحات بوتين في سبتمبر 2022 عندما تحدث عن "الابتزاز النووي" من جانب دول الناتو.
وتقول إن استجابة الناتو لأي هجوم نووي روسي ستعتمد على طبيعة الهجوم وتأثيره. إذ يمكن أن ترد دول الناتو بأسلحة تقليدية لضرب أصول استراتيجية روسية أو باللجوء إلى الردع النووي. وتلفت إلى احتفاظ الولايات المتحدة بنحو 150 قنبلة نووية في قواعد بأوروبا.
وترى "لويس" أن الرد باستخدام الأسلحة النووية يفتح الباب أمام مواجهة شاملة مع روسيا، وهو ما تسعى دول الناتو لتجنبه حتى الآن. بينما في المقابل، تعتمد استراتيجية الناتو الحالية على تجنب التصعيد وتوضيح أن أي استخدام للأسلحة النووية الروسية سيواجه بعواقب وخيمة.
ومع ذلك، فإن الردع النووي التقليدي القائم على "التدمير المتبادل المؤكد" هو أقل فاعلية في العصر الحالي، خاصة مع التطورات التكنولوجية والهجمات السيبرانية. ولذا، فإن العالم بحاجة إلى معاهدات جديدة، كما تقول "لويس"، على أن تنظم هذه المعاهدات استخدام الأسلحة النووية بشكل جدي، وتمنع خفض عتبة استخدامها.
