صفقة التأثير.. وزير الإعلام يبحث عن جمهور وصناع المحتوى يطالبون بالاعتراف

أعاد الاجتماع الذي عقده وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان مع عدد من صناع المحتوى الرقمي في مصر، ملف صانعي المحتوى ومستخدمي السوشيال ميديا إلى الواجهة من جديد بعد فترة من الملاحقات الأمنية، وطبيعة الدور الذي قد يضطلع به "المؤثر الرقمي" في مشهد إعلامي يعاد صياغته الآن خارج غرف الأخبار.

الاجتماع الذي حضره نحو 70 صانعا للمحتوى، وصفهم بيان وزارة الدولة للإعلام بأنهم "نخبة من أبرز المؤثرين وصناع المحتوى الجاد بأنواعه، ويبلغ إجمالي متابعيهم الدائمين على السوشيال ميديا أكثر من 500 مليون متابع"، ناقش التحديات التي تواجه هذه الفئة من إشكالية توصيف عملهم والإطار القانوني الذي يحدد أسس وضوابط هذا العمل والتزامات مزاوليه، وصولا إلى شكل الدعم الذي يجب أن تقدمه الدولة بإتاحة المعلومات ودعم خطوات الإنتاج وتسهيل إجراءات التصوير في الأماكن العامة.

ماذا تريد الدولة من صناع المحتوى؟

لا ينفصل اجتماع وزير الدولة للإعلام بمجموعة من صناع المحتوى، وإن تباينت التقديرات حول وصفهم بالمؤثرين وقيمة المحتوى الذي يقدمونه، عن تحركات أخرى اتخذتها الحكومة مؤخرًا للعب دور أكثر فعالية في الفضاء الرقمي، في ظل تصاعد دور المنصات الرقمية وإدراكها التأثير المتزايد لصُناع المحتوى على تشكيل الرأي العام.

قبل أيام، افتتح رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي مركزًا للذكاء الاصطناعي بوزارة الأوقاف، وهو المركز الذي يستهدف إنتاج 3 آلاف فيلم شهريًا مدعومًا بالذكاء الاصطناعي لنشر محتوى ديني وتوعوي، وفي مطلع العام الجاري دشنت وزارة الشباب والرياضة مركزًا خاصًا لصناع المحتوى، مستهدفًا "إعداد وتأهيل جيل جديد من صُناع المحتوى القادرين على التعبير الواعي عن قضايا الوطن، والمساهمة الفاعلة في حماية وبناء الوعي المجتمعي، ومواجهة الشائعات والأخبار الزائفة بأسلوب إبداعي".

لم يغب هذا الهدف عن مائدة وزير الدولة الإعلام أيضًا، ورغم أن أطرافًا ممن حضروا الاجتماع استبعدوا فكرة توظيف الدولة حضور صناع المحتوى النشط على شبكة الإنترنت في "صناعة الوعي" أو فرض أجندة معينة، لكن بيان الوزير ضياء رشوان تطرق إلى هذا الدور بإشارته إلى وجود رغبة للمشاركين في اللقاء لإنتاج محتوى رقمي في خدمة الأهداف الوطنية بجميع المجالات، مثل السياحة والاقتصاد والثقافة والتعريف بمصر وتاريخها وحضارتها، والاستفادة مما حققوه من انتشار إقليمي وعالمي لصالح الوطن.

الصحفي وصانع المحتوى، جرجس فكري، قال إنه لم يلمس خلال الاجتماع محاولات لفرض رأي أو بناء توجه معين لاستخدام صناع المحتوى المؤثرين في الترويج لسياسات الدولة والدفاع عن سرديتها عبر منصات السوشيال ميديا، معتبرًا أن فرض توجهات من هذا النوع ستحد من إبداع القائمين على صناعة المحتوى وتهدد بصرف جمهورهم عن متابعتهم "هم ليس لجانا ولا مريدين نستطيع السيطرة عليهم بل معجبين بمحتوى معين سياسي كان أو ترفيهي".

لكن فكري، الذي زاول العمل في الصحافة والإعلام نحو عشرين عامًا، وتفرغ مؤخرًا لإنتاج محتوى سياسي تحت اسم "بتاع سياسة"، أشار في حديثه لـ"فكر تاني" إلى أن المشاركين في الاجتماع متابينون في أفكارهم وخلفياتهم الثقافية والاجتماعية وليس لديهم خبرة بطبيعة العمل الإعلامي.

كما لفت إلى وجود مخاوف لديهم من أن تطالهم الحملات الأمنية التي تطارد صانعي المحتوي من حين لآخر، ما قد يدفعها للتماهي مع القيود والأدوار الجديدة لها لتوفير مظلة حماية لنشاطها ومصادر دخلها.

سنوات من الملاحقة

الاعتراف الذي يبحث عنه صناع المحتوى على مائدة وزير الدولة للإعلام ليس وليد اللحظة، ومدفوعًا بهواجس الماضي القريب بعد سنوات شهدت تزايدًا ملحوظًا في الاستهداف الأمني والملاحقة القضائية لهذه الشريحة سواء على خلفية محتواهم المنشور أو نشاطهم الاقتصادي، استنادًا إلى المواد المتعلقة بخدش الحياء العام وقيم الأسرة في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.

برزت هذه الحملات مع انتشار تطبيق تيك توك، حيث رصدت مؤسسة "حرية الفكر والتعبير" إلقاء القبض على عدد من صانعات وصناع المحتوى على هذا التطبيق باتهامات تنوعت بين انتهاك قيم الأسرة المصرية وخدش الحياء العام وإساءة استخدام السوشيال ميديا، وكان أخطرها الاتجار بالبشر، كما امتدت الملاحقات إلى محتوى يتناول قضايا اقتصادية أو سياسية حساسة.

تعرج فاطمة سراج، المحامية بمبادرة "هي والقانون" إلى أن الحملة التي استهدفت صانعات المحتوى لم تتوقف حتى الآن، حيث شهد هذا العام اتهام الفنانة الاستعراضية وصانعة المحتوى بسنت رحمي بإساءة استخدام السوشيال ميديا وهدم قيم الأسرة المصرية وخدش الحياء العام قبل أن تحصل على حكم بالبراءة.

تقول سراج لـ"فكر تاني" إن الفكرة الأمنية مازالت مسيطرة في التعامل مع منشئ المحتوى الإلكتروني، معتبرة أن مبادرة وزارة الدولة للإعلام لصياغة مشهد إعلامي جديد من المؤثرين جاءت انتقائية إلى حد كبير لاختيار شخصيات بعينها، وإنها ليست بمعزل عن أهداف السيطرة على الفضاء الرقمي وما ينشر به في ظل انتشار هذه القنوات في السنوات الأخيرة.

إشكالية المظلة القانونية

لم يتبن وزير الدولة للإعلام فكرة واضحة للإطار المؤسسي الذي يجتمع تحت مظلته صناع المحتوى الرقمي، رافضًا ما اقترحه بعض الحاضرين بتأسيس نقابة خاصة لهم كون أن الدولة لا تؤسس النقابات، في وقت رحبت نقابة الإعلاميين بانضمام صناع المحتوى إلى صفوفها وفق شروط وضوابط محددة لم تحددها بعد، استنادا إلى أن هذه الخطوة ستسهم في تنظيم هذا المجال ومواكبة التطورات المتسارعة في المشهد الإعلامي.

غير أن تأخر الدولة في إجراءات تحديد الإطار المؤسسي والقانوني لتنظيم عمل صناع المحتوى تسبب من وجهة نظر البعض في حالة من الفوضى خلال السنوات الماضية، إذ يرى رامي المليجى، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن تأخر إصدار التشريعات المنظمة لسوق صناعة المحتوى في مصر تسبب في انتشار محتوى رقمي منفلت غير أخلاقي تسبب في الزج بالعديد منهم إلى السجن.

وأضاف المليجي في تصريحات لـ"فكر تاني": "الدولة يجب أن تأخذ على عاتقها تنظيم هذا السوق سواء بنقابات أو روابط مهنية لدعم هذا المجال ووضع ضوابط كودية وأخلاقية يعاقب مخالفيها بالإيقاف والغرامات إلى جانب توفير الدعم اللازم مثل صناع السينما والترفيه من خلال توفير أماكن للتصوير".

من ناحية أخرى، لا يخفي مستشار الإعلام الرقمي رامي المليجي وجود رغبة للدولة في السيطرة على شكل المحتوى الرقمي في ظل اتساع هذه الشريحة ونمو هذا السوق، حيث كشفت إحصائية حديثة للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات عن ارتفاع عدد صناع مقاطع الفيديو القصيرة إلى 42.6 مليون صانع محتوى.

هذا لا يعني أن صناع المحتوى الحاليين يندرجوا تحت وصف المؤثرين، فهناك مسافة كبيرة بين الشهرة والتأثير، إذ يوضح المليجي أن غالبيتهم باتوا مشاهير بسبب عدد المتابعين وليس بسبب تأثيرهم في أفكار وسلوكيات المجتمع.

تفرق أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة سارة فوزي بين المؤثر الحقيقي ذلك الشخص الذي يمتلك القدرة على تغيير اتجاهات الجمهور أو تشكيل وعيه أو التأثير في سلوكه وقراراته من خلال محتوى يتسم بالمصداقية والاستمرارية والقيمة، استنادًا إلى طبيعة الجمهور الذي يتابعه ومدى تفاعله الحقيقي معه، ومصداقية المعلومات التي يقدمها، والتخصص والمعرفة في المجال الذي يتحدث فيه، وقدرته على إحداث تأثير فعلي وليس مجرد تحقيق مشاهدات.

الصحافة أم المؤثرين؟

صعود فاعلين جدد في المشهد الإعلامي لا يضعنا فقط أمام أسئلة قيمة المحتوى وتأثيره في تشكيل الرأي العام، إنما يضعنا أمام تحول مهم عن وضع وسائل الإعلام نفسها وفي قلبها الصحافة تتعلق بمستقبل غرف الأخبار ومدى قدرتها على الصمود أمام جيش المؤثرين الذي يراه البعض يسحب البساط تدريجيا من وسائل الإعلام خصوصا مع تراجع زيارات المواقع الصحفية التقليدية واختفاء الصحف الورقية.

هذا الواقع لا تتجاهله الدراسات، حيث كشف تقرير معهد رويترز لعام 2026 عن تحولات جذرية في المشهد الإعلامي العالمي، تفوقت فيه منصات السوشيال ميديا وشبكات الفيديو لأول مرة على المواقع الإخبارية الرسمية والقنوات التلفزيونية كمصدر رئيسي للأخبار، في وقت برز دور صناع المحتوى الإخباريين والمؤثرين، حيث يحصل ربع الجمهور العالمي (27%) على أخبارهم من هؤلاء الأفراد الذين يُنظر إليهم غالبا على أنهم أكثر تسلية وقدرة على محاكاة الواقع مقارنة بوسائل الإعلام التقليدي.

مستشار الإعلام الرقمي رامي المليجي يرى أن صناعة المحتوى باتت لا غنى عنها اليوم في ظل اعتماد جيل زد على الأخبار من هذه المنصات ما يضع الإعلام التقليدي أمام تحديات حقيقية، إذ يرى أن صناع المحتوى انتزعوا مساحة كبيرة بالفعل من وسائل الإعلام التقليدية لكن نموها أو انكماشها متوقف على الإعلام نفسه إذا لم يطور نفسه.

إلا أن أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة سارة فوزي لا ترى أن المؤثر يمكن أن يحل محل الصحفي أو الإعلامي بالمعنى المهني، لكن من الممكن أن ينافسهما بقوة على اهتمام الجمهور وأن يؤدي بعض الأدوار التي كانت حكرًا على المؤسسات الإعلامية.

لكن لهذا الانسحاب أبعاد سياسية، إذ يشير وكيل نقابة الصحفيين لشئون التدريب محمد سعد عبدالحفيظ، إلى أن الصحافة المصرية تدفع فاتورة حصارها فكلما زاد الحصار السياسي والتشريعي والأمني للصحافة كلما تراجع دور الصحافة وتأثير منتسبيها في الرأي العام، لأنها تفقد دورها كعين رقابية على أفعال السلطة وأثر قراراتها على المجتمع.

وتابع عبدالحفيظ لـ"فكر تاني": "الصحافة سيعود أثرها سريعا بالمناخ التشريعي والسياسي طالما تؤدي وظائفها الأساسية بنقل قرارات السلطة ونقل نبض الشارع للمسؤول وتغيير هذه المعادلة يسمح بظهور فقاعات لا يحكمها القواعد وضوابط الصحافة بالاستناد إلى مصادر حقيقية وأكواد نشر مهنية وأخلاقية حددها القانون وميثاق الشرف المهني".

أما خبير الإعلام الرقمي علي التركي يذهب إلى أن الصحفيين مع الوقت سيتحولون إلى صناع محتوى لاقتناص هذه المساحة التي تتعاظم إيراداتها لكن بأدوات مختلفة منها التحقق من دقة المعلومات والالتزام بالأكواد الإعلامية، مبينا أن النموذج الاقتصادي الحديث في المواقع والصحف الأجنبية هو الصحفي المؤثر الذي يمتلك علامته الخاصة بمتابعة حسابه وقناته على السوشيال ميديا.

وأردف التركي: "الصحفيون في الأساس صناع محتوى يمتلكون المعلومة والسرد لكنهم يفتقدون للمهارات التقنية لكي يؤسسوا مشروعهم الخاص بسبب تقاعس المؤسسات ونقابة الصحفيين عن تأهيل الصحفيين للتعامل مع الأدوات الحديثة وتحديات التكنولوجيا".

وبينما يقف كثر أمام مشهد اجتماع ممثل الحكومة بشريحة تتمدد وتبحث عن اعتراف مؤسسي طال غيابه، لا يريد الصحفي جرجس فكري أن يفوته قطار التغيير كونه يرى أن الصحفيين مؤهلون تماما لشغل هذه المساحة لامتلاكهم المعرفة والقدرة على التأثير شرط أن تتاح للصحفيين المعلومات التي يحجبها المسؤول.

وبينما تبحث الدولة عن صيغة للتعامل مع صناع المحتوى الذين باتوا يمتلكون جمهورًا يتجاوز حدود المؤسسات الإعلامية التقليدية، تظل الأسئلة الأهم معلقة، هل يكون الاعتراف بهذه القوة الجديدة مدخلًا لتنظيم جديد للمجال الرقمي؟ أم محاولة لاحتواء مساحات التأثير التي انتقلت تدريجيًا من غرف الأخبار إلى المنصات مع حصار الصحافة والإعلام؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة