بعد أكثر من 10 سنوات على رأس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، يستعد فريد زهران لمغادرة موقعه مع اقتراب موعد انتخابات الحزب، في لحظة تتجه فيها الأنظار إلى مستقبل السلطة في مصر، بعد إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي عدم المساس بالدستور والاستعداد لانتخابات رئاسية تشهد انتقالًا سلميًا للسلطة مع انتهاء ولايته الأخيرة بحلول 2030، لكن زهران لا يتعامل مع هذا الإعلان باعتباره حسمًا نهائيًا للمشهد، ويرى أن السنوات الأربع المقبلة ستظل مفتوحة على احتمالات وتغيرات قد تعيد ترتيب المواقف والتوازنات داخل السلطة وخارجها، وأن الاختبار الحقيقي لا يتعلق ببقاء الرئيس أو مغادرته وحده، وإنما بمدى قدرة البلاد على إجراء انتخابات ديمقراطية وفتح المجال العام أمام مشاركة سياسية أوسع.
وفي حوار موسع مع "فكر تاني"، قبيل مغادرته رئاسة الحزب، تحدث المرشح الرئاسي السابق عن ملامح المرحلة المقبلة، وموقف حزبه من تفويض يتعلق بتوجيه دعم دفاعي من مصر إلى السعودية، وحدود التوازن بين المصالح الاستراتيجية المصرية ومخاطر التورط في صراعات إقليمية، وصولًا إلى فرص التداول السلمي للسلطة ومستقبل المعارضة في ظل استمرار النهج الأمني في إدارة الأزمات.
تفويض السعودية بين المصالح والتحفظات
كان امتناع نواب الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي عن التصويت على التفويض المتعلق بتوجيه دعم دفاعي من مصر إلى السعودية أحد المواقف التي أثارت تساؤلات في الأوساط السياسية، إذ رأى بعض المتابعين أن الامتناع يعكس ترددًا في تحديد موقف واضح من القضية.
يفسر زهران القرار بالعودة إلى آلية اتخاذ المواقف داخل الحزب، قائلًا "نحن حزب ديمقراطي نتخذ مواقفنا بشكل ديمقراطي"، موضحًا أن دعوة النواب إلى الجلسة جاءت متأخرة، وأن الوقت المتاح للنقاش كان ضيقًا، ما دفع الحزب إلى عقد اجتماع مشترك بين المكتب السياسي والهيئة البرلمانية لنواب الحزب في مجلسي النواب والشيوخ.
شهد الاجتماع، بحسب زهران، 3 اتجاهات متقاربة في الوزن، أحدها يدعو إلى التصويت بالرفض مع تقديم توضيح للموقف، والثاني يميل إلى القبول، فيما رأى الثالث الامتناع عن التصويت مع إعلان أسباب القرار، باعتبار أن هذا الخيار قد يمثل "مخرجًا متوازنًا".
انتهى النقاش إلى الاتجاه الثالث، مع إصدار بيان سياسي يشرح أسباب الامتناع، بعدما رأى الحزب أن المعلومات المتاحة لا تكفي لتحديد موقف واضح من طبيعة التفويض وحدوده، ويقول زهران "طلبنا قدرًا من المعلومات الضرورية التي تمكننا من بناء موقف واضح، وأنا هنا فاهم أنا بقول إيه كويس".
جوهر التحفظ، وفق زهران، أن "التفويض نفسه فكرة غامضة"، وهو ما يثير أسئلة تتعلق بطبيعة المهام التي قد تضطلع بها القوات المصرية، والحدود الجغرافية لتحركها، وانعكاس ذلك على الدور الذي يمكن أن تؤديه القاهرة في الوساطة بين الأطراف المتنازعة.
ويتساءل زهران "هل نفوض في مهام دفاعية؟ ما حدود هذه المهام؟ أين تذهب قواتنا؟ على أرض سعودية أم على أرض يمنية؟ هل هذا يؤثر سلبًا أو إيجابًا على دور مصر كوسيط؟"، مشددًا على أهمية الحفاظ على موقع مصر وسيطًا يحظى بتقدير الأطراف المختلفة.
وكان السيسي قد طلب من مجلس النواب الموافقة على اتخاذ إجراءات دفاعية لدعم السعودية إذا طلبت الرياض المساعدة، في ظل هجمات الحوثيين والتهديدات التي تطال مضيق باب المندب، وقال إن التحرك المصري سيقتصر على الدفاع عن الأراضي السعودية وحدودها دون مهاجمة اليمن، فيما لم تتضح تفاصيل المهام التي يشملها التفويض وحدودها التنفيذية. وكان البرلمان قد عقد جلستين خلال الأسبوع السابق للاستماع إلى ممثلي الهيئات البرلمانية وعدد من النواب، قبل التصويت على الطلب، وهو ما يضع تحفظ زهران بشأن ضيق الوقت ونقص المعلومات في سياق النقاش حول تفويض لم تتحدد تفاصيله بما يكفي لبناء موقف واضح منه.
لكن هذا التحفظ لا يعني، بحسب حديثه، تجاهل المصالح المصرية المرتبطة بالسعودية أو التقليل من أهمية حماية الممرات الاستراتيجية في المنطقة، إذ يلفت إلى أن فتح مضيق باب المندب يرتبط بمصالح مصرية مهمة، وأن العلاقة مع الرياض تقوم على اعتبارات اقتصادية وسياسية واستراتيجية متعددة.
ويقول زهران إن "تلخيص المهمة في الدفاع عن السعودية تلخيص مهم، الدفاع عن السعودية في حد ذاته مش عيبة، لأنه في التحليل الأخير في مصالح لينا مع السعودية، مصالح قوية، 3 ملايين و200 ألف مصري بياكلوا عيش في السعودية، وأكبر استثمارات للسعودية خارج أراضيها في مصر، وعلاقات سياسية استراتيجية في ظل التغول الإسرائيلي في المنطقة".
ويؤكد أن القضية لا تحتمل اختزالها في موقف مؤيد أو معارض للدفاع عن السعودية، إذ يتعين على مصر حماية مصالحها الاستراتيجية في القرن الأفريقي وباب المندب، مع تجنب الانخراط في مهام قد تتجاوز قدرتها على تحمل تبعاتها.
ويختصر زهران هذا التوازن، بقوله "نحن لسنا أمام موضوع بسيط، لكننا ندافع عن مصالحنا الاستراتيجية في القرن الأفريقي وفي باب المندب، وأيضًا لا يجب أن نتورط فيما لا طاقة لنا به".
مصر ليست جمهورية موز
يمتد الحذر الذي يفسر موقف الحزب من التفويض الإقليمي إلى قراءة زهران لمستقبل النظام السياسي في الداخل، خصوصًا بعد إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي عدم المساس بالدستور واحترام موعد انتهاء ولايته الأخيرة في 2030.
لم يفاجئ الإعلان زهران، رغم ما أثاره من ردود فعل في دوائر سياسية، إذ قال "ما اتفاجئتش ومش هتفاجئ"، مرجعًا موقفه إلى أن السنوات الأربع المقبلة قد تحمل متغيرات كثيرة، وأن الإعلان ينبغي فهمه في سياق اللحظة الراهنة، لا باعتباره ضمانة نهائية لما ستؤول إليه الأمور.
ويوضح زهران منطقه بالتساؤل عما إذا كان الإعلان يمثل قرارًا نهائيًا أم يعبر عن موقف الرئيس في الوقت الحالي، ثم يجيب بأن تغير الظروف قد يفتح الباب أمام تغير المواقف، قائلًا "هذا الإعلان معناه قرار نهائي ولا معناه القرار بتاع دلوقتي؟ لا، بتاع دلوقتي، طب ماذا لو حدثت متغيرات، هل ممكن القرار يتغير؟ الإجابة نعم".
ويرى أن التعامل مع القرارات المتعلقة بمستقبل الحكم في مصر لا يمكن اختزاله في إرادة فرد واحد، موضحًا "مصر مش جمهورية موز والقرار فيها معقد، والدوائر التي تشارك في القرارات من هذا النوع ربما ليست متسعة، لكنها أيضًا ليست ضيقة جدًا، وسيتم أخذ رأي دوائر ما، وبالتالي هذا القرار يخص اللحظة الراهنة، أمامنا 4 سنوات قد يحدث فيهم الكثير".
ويقول زهران إنه لا يعرف ما يدور داخل الدائرة الضيقة التي تدير البلاد، لكنه يلاحظ وجود اتجاه عام داخل النخب، بمعناها الواسع، لعدم تعديل الدستور ودعم إجراء الانتخابات، مضيفًا أن حديث الرئيس قوبل بارتياح لدى دوائر سياسية وقطاعات من المجتمع، وأنه يتوقع أن تعكس ردود الفعل داخل أجهزة الدولة هذا الارتياح، إذ يقول "أنا متأكد إن الفيدباك اللي عند الأجهزة بيقول ده".
ويفصل زهران بين اعتقاده أن الرئيس يعني ما يقوله في الوقت الحالي وبين اعتبار الإعلان حسمًا نهائيًا للمستقبل، فهو يجيب بالإيجاب عن سؤالين، هل يعني الرئيس ما يعلنه، وهل تعبر تصريحاته عن قناعاته في اللحظة الراهنة، كما يقول إن تشاورًا بشأن الأمر جرى في دائرة ما، لكنه لا يعد ذلك كافيًا لحسم المسألة، ويؤكد "الجواب النهائي لغاية ما صفارة الحكم تضرب".
مهام المعارضة المقبلة
على الرغم من إعلان الرئيس عدم المساس بالدستور، يرى زهران أن التأكيد على ضرورة احترامه وإجراء انتخابات ديمقراطية سيظلان من المهام الأساسية للمعارضة خلال السنوات المقبلة، لأن الإعلان، في حد ذاته، لا يحسم طبيعة المنافسة السياسية أو يضمن توافر شروطها.
ويفسر عدم إصدار الحزب بيانًا سياسيًا يعلق فيه على حديث الرئيس بوجود تباين في وجهات النظر داخله، إذ رأى اتجاه أن عدم تعديل الدستور هو الأصل الذي لا يحتاج إلى إعلان احتفاء، فيما فضل بعض الأعضاء إصدار بيان يرحب بالتصريح، ودعا آخرون إلى انتظار اتضاح الصورة.
ويقول زهران "كان هناك اتجاه في الحزب يميل إلى أن من طبائع الأمور عدم إجراء تعديل دستوري، وتوجد آراء اتجهت إلى إصدار بيان احتفاء، واتجاه آخر يميل إلى الانتظار حتى تتضح الصورة"، مضيفًا "نحن لا نتخذ مواقف بسرعة، الآليات لدينا بطيئة لأنها ديمقراطية".
ويرى بعض المتابعين أن إعلان الرئيس يتيح فرصة مناسبة لطرح مطالب المعارضة بشأن ضمانات الانتخابات وتوسيع المجال العام، لكن زهران يعتبر أن هذه المطالب ستأتي في وقتها، مشددًا على أن أمام البلاد 4 سنوات أخرى، وأن التعجل في تحديد ما ستؤول إليه الأمور لا يخدم قراءة المشهد.
وقد بدا تكرار زهران الإشارة إلى السنوات الأربع وكأنه تشكيك في تحقق وعد الرئيس وعدم تعديل الدستور أو ترشحه مجددًا، غير أنه يوضح أن موقفه لا يقوم على تصديق أي احتمال أو استبعاده بصورة نهائية، وإنما على رفض التعامل مع القرارات السياسية المعقدة باعتبارها أمورًا محسومة قبل أوانها.
ويقول إن بعض الآراء داخل الأوساط السياسية كانت تتعامل مع تجديد الرئيس لولايته باعتباره أمرًا محسومًا، وتفترض أن تعديل الدستور سيجري خلال أيام أو أسابيع، وأن الدعوات إلى تعديله ستظهر سريعًا، لكنه لم يمِل إلى هذا التقدير.
ويضيف "أنا طوال الوقت ضد فكرة إننا جمهورية موز، فهذا ليس قرارًا فرديًا يخلص في غلوة، هذا موضوع كبير"، موضحًا "لا أميل إلى تصديق حاجة للنهاية أو أكذب حاجة للنهاية، ليس لدي يقين".
يفسر هذا الموقف، في جانب منه، بوجود قوى واتجاهات مختلفة داخل السلطة وخارجها، لا تتفق بالضرورة على طريقة واحدة لإدارة البلاد أو التعامل مع المعارضة، ويشير إلى أن الإفراجات السياسية والحوار الوطني عكسا وجود مسارات للانفتاح في بعض الفترات، في مقابل اتجاهات داخل السلطة رأت لاحقًا أن الحوار الوطني ونتائجه لم يعودا ضروريين.
ويقول زهران "الناس تتصور أن السلطة كتلة صماء على قلب رجل واحد، وهذا غير صحيح"، مشيرًا إلى أن المعارضة نفسها تضم اتجاهات متعددة، وأن السلطة تشهد بدورها خلافات وتباينات في المواقف وموازين القوى، بما في ذلك خلافات حقيقية بشأن إدارة البلاد منذ 2011 حتى الآن.
ويشرح طبيعة هذه الاختلافات بقوله "مش كل الناس في السلطة مع هذه الدرجة من التضييق الأمني، في ناس مع شوية انفراج قد كده أهو، وفي ناس مع مفيش خالص، يعني في ناس تتمنى تصحى من النوم الصبح تلاقي المعارضة المصرية في السجن وهي تنام مرتاحة والموضوع يبقى خلص".
ويضيف أن بعض الاتجاهات تضيق حتى بالمساحة المحدودة المتاحة للمعارضة، فيما يرى آخرون أنها غير موجودة أصلًا، بينما يعتبر فريق ثالث أن هذه المساحة أكبر مما ينبغي، وهو ما يعكس، في تقديره، اختلافات داخل السلطة بشأن حدود المشاركة السياسية وطبيعة التعامل مع القوى المعارضة.
هل التداول السلمي للسلطة خطوة نحو الديمقراطية؟
يتجاوز النقاش حول انتهاء ولاية الرئيس في 2030 مسألة الالتزام بموعد انتخابي، ليصل إلى ما إذا كان هذا الموعد يمكن أن يفتح الطريق أمام تحول ديمقراطي فعلي، ويعتبر زهران أن التداول السلمي للسلطة، إذا تحقق، سيمثل تغييرًا كبيرًا في المشهد السياسي المصري، لكنه يرى أن حدوثه ليس أمرًا سهلًا، ولا يمكن فصله عن مجموعة واسعة من المتغيرات.
ويقول "بالذات وإن غالبًا لا يمكن يحصل، مستحيل يحصل، إلا لو ارتبط بمجموعة كبيرة من المتغيرات، يعني قصة أن يأتي رئيس جديد ولا نعدل الدستور دي قصة معناها كبير وليست سهلة".
ولا يقتصر تحفظ زهران على مسألة تعديل الدستور، إذ يشمل أيضًا الضوابط التي اقترحها الرئيس للترشح، ومنها السن والمؤهل الدراسي والتأهيل في الأكاديمية العسكرية، ويصفها بأنها "اقتراحات غير دستورية"، معتبرًا أن تطبيقها قد يمنع مواطنًا يستوفي الشروط الدستورية من خوض الانتخابات بسبب شروط إضافية.
وتظل طبيعة المنافسة الانتخابية، بالنسبة إليه، مسألة لا تقل أهمية عن موعدها، إذ يقول "الوقت ما زال مبكرًا ولابد أن نناقش هل سنجري انتخابات مفتوحة؟ ما الأجواء التي تتم فيها الانتخابات؟ هل سيكون في ظل التضييق الحالي أم انفراج ديمقراطي؟ هنعمل انتخابات وعندنا شباب حطوا يافطة في إسكندرية محبوسين سنتين؟ ولا هنعمل انتخابات بعد ما الناس دي تخرج؟".
ومن هذا المنطلق، لا يرى زهران أن مسألة تجديد الرئيس لولايته أو عدم ترشحه مجددًا سوى جانب من قضية أوسع تتعلق بمسار الدولة وطبيعة النظام السياسي، إذ يقول "كون الرئيس يجدد أو لا يجدد، هذا في رأيي جزء بسيط من مشهد أكبر"، ثم يطرح السؤال الذي يعتبره جوهر القضية "أين نحن من الأخذ بفكرة بناء دولة ديمقراطية مدنية حديثة؟".
ويجيب زهران عن سؤاله بالقول "رأيي إننا مش ماشيين في الطريق، وهذا جوهر الموضوع"، مشيرًا إلى وجود عقبات تحول دون الانتقال إلى نظام ديمقراطي مدني حديث، ومعتبرًا أن المسار القائم يواصل إعادة إنتاج النظام السياسي الذي يحكم مصر منذ نحو 70 سنة.
ويربط زهران هذا التقدير بخبرته السياسية باعتباره من أبناء جيل السبعينيات الذين خاضوا معارك سياسية داخل الجامعة، إذ يرى أن البلاد ما زالت تسير على النهج نفسه الذي يحكم إدارتها منذ عام 1952، وهو نهج يعتمد على التضييق الأمني بوصفه استجابة متكررة لمختلف الأزمات.
ويقول "لو في مؤامرات كونية فعلينا اتخاذ إجراءات تضييق أمني، لو لدينا أخطار كبيرة علينا عمل تضييق أمني، لو في أزمة اقتصادية كبيرة، كل حاجة تقود للتضييق الأمني، بينما قد يكون الحل في توسيع المشاركة".
وبين ما يراه زهران واجبًا على المعارضة للدفع نحو فتح المجال العام، وما يراه مطلوبًا من السلطة للخروج مما يسميه "حكم أسرة 23 يوليو"، تظل السنوات الأربع المقبلة غير محسومة النتائج، إذ لا يتوقف مستقبل الانتقال السياسي في تقديره عند إعلان موعد انتهاء الولاية، وإنما يتصل بالتغيرات التي قد تحدث في موازين القوى، وبمدى استعداد النظام لإتاحة مشاركة سياسية أوسع تسمح بانتخابات ديمقراطية وتداول سلمي للسلطة.