أين تذهب أموال المعلمين؟ زيادات "في القفا".. وفي الوش "جمعية"

أعلن وزيرا التربية والتعليم محمد عبد اللطيف والمالية أحمد كجوك، مساء أمس الإثنين، زيادة مالية للمعلمين تُصرف على مرحلتين، تبدأ الأولى في يوليو المقبل بقيم تتراوح بين 2500 جنيه و3000 جنيه، فيما تبدأ الثانية بالمبالغ نفسها في يوليو 2028، لكن الإعلان حمل مفاجأة أخرى تمثلت في استبعاد الأخصائيين العاملين في المدارس من الزيادة، وأثار تساؤلات بشأن المستحقات القديمة التي لم يحصل عليها المعلمون، وحجم ما سيصل إليهم فعليًا بعد الضرائب والاستقطاعات.

وجاءت الأرقام المعلنة بعد نقاشات تناولت خلال الأيام الماضية، في "فكر تاني"، مستحقات المعلمين بمختلف شرائحهم في القطاعين العام والخاص، من دون أن تحقق الزيادة المعلنة الرضا المنتظر لدى قطاع من العاملين في المدارس، وفق نادية محمد، وهي معلم خبير بإحدى المدارس الحكومية في القاهرة، التي ترى أن الزيادة "منزوعة القيمة" ما دامت لا تعكس المبلغ الذي يتقاضاه المعلم فعليًا.

تقول نادية لـ"فكر تاني"، "لما يزودني 3000 جنيه في الحد الأدنى بعد سنة من دلوقتي، هو مقالش للناس إن هيتخصم منها ضرائب واستقطاعات توصل لألف جنيه وأكتر، وشوفوا حافز التدريس للمعلمين كام وبناخده كام".

ويُصرف حافز التدريس وفق شروط تتضمن ألا يتجاوز غياب المعلم يومين في الشهر، وأن يؤدي عددًا محددًا من الحصص أسبوعيًا، ويحصل المستوفي لهذه الشروط على 2100 جنيه شهريًا، لكن نادية تؤكد أن المبلغ الذي تتسلمه أقل بكثير من قيمته المعلنة، موضحة "الـ2100 جنيه بناخدهم 1230 جنيه بعد الاستقطاعات، هي الفكرة أنا باخد كام في إيدي، ولا الحكومة بتقسم معايا المبلغ وتقول إحنا عملنا للمعلمين كل حاجة".
وأوضح الوزيران أن الحد الأدنى لأجور المعلمين سيصل إلى 15 ألف جنيه خلال العامين الماليين المقبلين، وأن المعلم المساعد سيحصل على زيادة قدرها 2500 جنيه في العام المالي المقبل، ومثلها في العام المالي الذي يليه، فيما تبلغ الزيادة المعلنة للمعلم 2600 جنيه، وللمعلم الأول 2700 جنيه، وللمعلم الأول (أ) 2800 جنيه، وللمعلم الخبير 2900 جنيه، ولكبير المعلمين 3000 جنيه، مع الإعلان عن زيادة مماثلة في العام المالي التالي.

وترتبط شكوك نادية في جدوى الزيادة الجديدة بالطريقة التي تُحتسب بها مستحقات المعلمين، وباستمرار تجميد أساسي رواتبهم عند مستويات قديمة، بينما تُحتسب الضرائب والاستقطاعات على أساس مختلف، وتقول "يعني كانوا حركوا الأساسي بتاعنا ومزودوش حاجة، كانوا خلوا الأساسي على 2026 ومزودوش فلوس، مش يحاسبني على أساسي عام 2014 وياخد مني الضريبة على أساسي 2026، دلوقتي هيزودني على أساسي 2014 وياخد الضريبة على 2028".

وعندما سُئل وزير المالية عن هذه الجزئية خلال المؤتمر الصحفي، رد بصورة غير مباشرة بأن "الزيادة أكبر من أي حاجة ممكن المعلمين يطالبوا بيها"، في إشارة إلى تحريك الأساسي المتجمد منذ عام 2014، مضيفًا "لازم المعلمين يشوفوا إنهم الفئة الوحيدة اللي هتزيد مرتباتهم قبل عام 2030، وده توجه حكومة إن قطاع التعليم يكون أولوية الفترة الجاية، ويكون فيه ترضية مقبولة للمعلمين".

حقوق قديمة تنتظر الصرف

غير أن الاعتراضات لا تتعلق بحجم الزيادة وحده، إذ يواجه المعلمون مشكلة أخرى تتمثل في مستحقات قديمة أقرتها الدولة ولم تصل إليهم حتى الآن، وهو ما دفع وزير المالية إلى القول "هنشوف الموضوع ده، وأكيد ده مش مقصود، وهنشكّل لجنة من المالية والتربية والتعليم علشان نشوف إيه متأخر من مستحقات المعلمين وليه بيتأخر، إحنا مش بنجمّل الصورة ولا بنقول هنعمل وإحنا مش هنعمل، لكن أكيد فيه مشكلة بسيطة هنحلها في أقرب وقت"؟

وتشمل أبرز الحقوق المالية المتأخرة، وفق شكاوى معلمين، حوافز ومكافآت لم تُصرف في مواعيدها، من بينها حافز تطوير التعليم المخصص لمعلمي الصفوف الدراسية المطورة، من رياض الأطفال حتى الصف الثاني الإعدادي، والمقرر صرفه سنويًا خلال الفترة من أكتوبر إلى يونيو، إذ لم يحصل بعض المعلمين على كامل قيمة الحافز عن العام الدراسي الماضي، كذلك تمتد الشكاوى إلى مكافآت الامتحانات عن الفصلين الدراسيين الأول والثاني، إذ لم يتقاضَ كثير من المعلمين مكافآت امتحانات نهاية العام الدراسي الماضي، فضلًا عن تأخر صرف حافز التدريس عن العام الدراسي الجاري في عدد من الإدارات التعليمية، وأجور معلمي الحصة الذين جرى التعاقد معهم في 12 سبتمبر الماضي، مع بداية العام الدراسي.

بالنسبة إلى صبحي مبارك، وهو معلم بالمرحلة الابتدائية في مدرسة حكومية بمحافظة البحيرة، فإن المشكلة التي وصفها الوزير بالبسيطة "كبيرة ومعقدة"، إذ يقول إن حافز التدريس المفترض صرفه شهريًا لا يصل إلى المعلمين بانتظام، وعندما يُصرف يحصلون عليه بنصف قيمته، فيما يتقاضون حافز تطوير التعليم مرة واحدة في العام، رغم أنه مستحق لهم، كما لم يحصلوا حتى الآن على مكافآت امتحانات العام الدراسي الماضي.

ويقول مبارك إن تراكم هذه المستحقات "متخلينيش كمعلم مبسوط بأي زيادة جديدة، وطبيعي أسأل بيني وبين نفسي، زي أي معلم ما بيتكلم، مش لما تدونا حقوقنا القديمة تكلمونا في وعود عن مستحقات وزيادات جديدة"، ثم يضيف بامتعاض "لما تكون امتحانات نص العام الدراسي باقي عليها حوالي شهر ونص، ولسه المعلمين ليهم فلوس من امتحانات العام الماضي، ده يخليني مبسوط بالزيادة؟".

ولا يقتصر هذا الشعور على مبارك، إذ تظهر الشكوى نفسها في مجموعات المعلمين على السوشيال ميديا، حيث يتكرر مطلب "أعطونا مستحقاتنا القديمة قبل أن تحدثونا عن أي جديد بعد عامين"، في وقت بدا فيه وزير المالية متفاجئًا بوجود مستحقات متأخرة لم يحصل عليها العاملون في المدارس.

ورد الوزير على سؤال عن جدوى إقرار زيادات جديدة في ظل وجود حقوق قديمة لم تُصرف، قائلًا "أكيد مكنّاش نعرف المشكلة دي، لكن هنحلها"، فيما أعلن وزير التعليم تشكيل لجنة من الوزارتين لبحث الملف، معربًا عن اعتقاده بأن المشكلة ستُحل خلال أقل من شهر، ومضيفًا "إحنا اللي يهمنا إن المعلمين يكونوا راضيين وحاسين إنهم فئة مهمة عند الحكومة، بدليل إن منتدى مصر خلص السبت، وبنعلن عن الزيادة بعد 48 ساعة".

لكن هذه التصريحات لم تبدد شكوك مبارك، الذي يتخوف من أن يتحول تشكيل اللجان إلى دائرة جديدة من التأجيل، ويقول "وطبعًا اللجنة هتشكل لجنة، واللجنة التانية هيتعمل منها لجنة تالتة، وهنفضل في نفس الدايرة طول الوقت، ما هو يا الحكومة تديني اللي بتقول عليه فعلًا، يا متقولش وخلاص"، مشيرُا إلى أن الأموال المستحقة موجودة، بحسب ما يعرفه، في المديريات التعليمية، لكن المعلمين الذين يسألون عنها يسمعون أن الأوراق لم تنته بعد، ليظل المعلم غير قادر على معرفة ما حصل عليه وما تبقى له.
ويستشهد مبارك بزملاء خرجوا إلى المعاش وما زالت لهم مستحقات قديمة لم يحصلوا عليها، قائلًا "أنا لي أصدقاء ومعارف في مهنة التدريس طلعوا معاش ولسه ليهم فلوس، ومش هياخدوها، زي حافز تطوير التعليم مثلا، حتى لو 600 جنيه شهريًا، لكن لما يبقى ليا 4 أو 5 شهور، ده حقي، طب الفلوس دي راحت فين ولمين، هل رجعت تاني وزارة المالية؟ وليه بيحصل كده مع المعلمين وباقي الموظفين لأ".

معلمو الحصة بين ضعف الأجر وتأخر الصرف

وبينما لم يحسم وزيرا التعليم والمالية موقف معلمي الحصة من الزيادة الجديدة، لا تتوقع إكرام حسن، وهي معلمة تعمل بنظام الحصة، أن تؤدي الوعود الحكومية إلى تحسن ملموس في دخلها، وتقول "إحنا زي باقي المعلمين، مش هنحس بأي زيادة، طالما بيتاكل نصها في السكة".

وفي بداية العام الدراسي الماضي 2025-2026، أعلنت وزارة التربية والتعليم الاستعانة بنحو 160 ألف معلم بنظام الحصة، للمساهمة في سد عجز المعلمين الذي بلغ 469 ألفًا، فيما بلغت قيمة الحصة 50 جنيهًا، يحصل المعلم منها على 35 جنيهًا بعد الاستقطاعات.

وقال وزير المالية خلال المؤتمر إن أي زيادة تُقر للمعلمين ستترتب عليها تحسينات في مستحقات معلمي الحصة، من دون أن يقدم تفاصيل، فيما كشف مسؤول كبير بوزارة التربية والتعليم لـ"فكر تاني" أن التوجه هو رفع قيمة الحصة إلى 80 جنيها، ليحصل المعلم على نحو 50 جنيها بعد الاستقطاعات، وهو ما اعتبرته إكرام "حلم، هيربطوه بشروط تعجيزية، والأيام بيننا".

وتستند شكوكها إلى تجربة الصرف نفسها، إذ تقول إن معلمي الحصة يحصلون على أموالهم كل شهرين أو 3 أشهر، في صورة تشبه "الجمعية"، حيث تُجمع مستحقات عدة أشهر وتُصرف دفعة واحدة، موضحة "بياخدوا مستحقاتهم على طريقة الجمعية، بيجمعوا لهم الحوافز على فلوس الامتحانات على غيره، وياخدوهم مرة واحدة، طب ده بيحصل مع أي موظف في الدولة؟ أكيد لأ، طب فين قيمة المعلم؟".

وفي مقابل هذه الشكاوى، طرح وزير التعليم تصورًا مختلفًا لقيمة المعلم، معتبرًا أنها تتجاوز ما يتقاضاه من أموال، وقال "قيمة المعلم مش بس فلوس، قيمته إنه بيقدم للمجتمع الدكتور اللي هيعالج، والمهندس اللي هينبي، والضابط اللي هيحمي، والوزير اللي هيمسك في الحكومة، هي دي قيمته الحقيقية، وهم لازم يكونوا حاسين بقيمتهم كويس، أنا مهما عملت كحكومة مش هقدر أدي المعلمين اللي يستحقوه، ومش هقدر أعبر عن تقديري ليهم بالفلوس، هم أكبر من أي فلوس".

الأخصائيون الاجتماعيون خارج حسابات الزيادة

لكن هذه النبرة لم تلق قبولًا لدى عبير مصطفى، وهي أخصائية اجتماعية بمدرسة حكومية في منطقة حلمية الزيتون بالقاهرة، التي ترى أن حديث الحكومة عن تقدير المعلمين يفقد معناه عندما يستثني العاملين في المدارس الذين لا تنطبق عليهم شروط الزيادة، وتقول "أنا بقى قيمتي عند الحكومة بحسبها بالفلوس، لأن الحكومة لما تقولي ملكيش في الحوافز ولا ليكي في أي زيادة، لأنك لا تنطبق عليكي شروط المعلم، يبقى أنا قيمتي إيه، والمفروض أنا أخصائية بشارك في التربية وشغلي مرتبط بكل حاجة ليها علاقة بالتعليم، فين قيمتي؟".

ولا تحصل عبير على أي زيادة حكومية خارج راتبها الأساسي، إذ لا يشملها الحد الأدنى الجديد المعلن للمعلمين، ولا حافز التدريس أو حافز تطوير التعليم، لأنها لا تقف أمام السبورة، بحسب الشروط المعلنة، رغم تكليفها بمهام أخرى داخل المدرسة، وتوضح "لما أنا كأخصائية في مدرسة، مش هيزودوا مرتبي لـ15 ألف جنيه علشان مش معلمة بقف على السبورة، ولا هاخد حافز التدريس علشان مش بقف على السبورة، ولا باخد حافز تطوير التعليم علشان مش بقف على السبورة، لكن لما يقولوا لي تعالي سدّي معانا العجز، وتعالي أشرفي على الطلبة، وتعالي انزلي راقبي على الامتحانات، وتعالي اقفي في الفصل علشان فيه معلم غاب النهاردة، هو كل ده مش شايفين إني أستحق أي زيادة؟".

وعندما سُئل وزير المالية عن وضع الأخصائيين خلال المؤتمر، أجاب على استحياء "إحنا هنزود اللي بيقف في الفصل، علشان بيتعب مع الطلبة، وده تقدير حكومي للمعلمين"، وهو رد لم يبدد اعتراض عبير على استبعادها، إذ تقول "أنا كأخصائية اجتماعية، من غيري المدرسة تبوظ، مش لازم أقف على السبورة في الفصل علشان يبقى ليا قيمة عند الحكومة، لأني بشارك في تقويم سلوك الطلاب والإشراف عليهم ومتابعتهم، وبشارك في الامتحانات وبعمل كل المطلوب مني، ليه الحكومة تحولني لإدارية وتحرمني من المستحقات دي وأبقى في نظرها درجة تانية؟".

وتتجاوز شكاوى المعلمين اختلاف أوضاعهم الوظيفية، لتكشف عن تباين بين تصور الحكومة لأثر الزيادة المالية وتجربة العاملين في المدارس. ففي المؤتمر، قدم الوزيران الزيادة باعتبارها تحولًا تاريخيًا من شأنه أن يحقق الرضا لدى المعلمين، بينما انشغلت أسئلتهم وردود فعلهم على مجموعات السوشيال ميديا بما سيصل إليهم فعليا، وما إذا كانت الزيادة ستعوضهم عن حقوق قديمة لم تُصرف، أو تشمل فئات مثل الأخصائيين الاجتماعيين الذين استُبعدوا منها.

ووصف وزير التعليم الزيادة بأنها "مثالية ويجب أن نبارك للمعلمين عليها وتكون دافعا لهم للتأكد من أنهم عند الحكومة في مكانة استثنائية"، لكن هذا التقدير لم يبدد مخاوف المعلمين من تأخر حوافزهم ومكافآتهم، أو تقلص المبالغ التي يتقاضونها بعد الاستقطاعات، وهي مشكلات تجعل انتظام الصرف وشمول الزيادات مختلف الفئات العاملـة في المدارس معيارا عمليا للحكم على أثر القرارات الحكومية.

وتكتسب هذه الشكاوى بعدا آخر عند مقارنتها بأوضاع العاملين في قطاعات مثل البترول والكهرباء، حيث ترتفع مستحقات بعض الفئات بآلاف الجنيهات من دون مؤتمرات صحفية مخصصة للإعلان عنها، بينما ينتظر معلمون شهورا للحصول على أموالهم مجمعة، كما لو كانت "جمعية". وبينما تحتفي الحكومة بأرقام الزيادة المعلنة، يظل التحدي الذي يواجهها هو أن تنعكس هذه الأرقام على دخل المعلمين الفعلي، وأن تصل حقوقهم في مواعيدها.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة