مصر تتقدم مرتبتين في مؤشر نقص الغذاء.. والجوع مستمر

تقدمت مصر درجتين في مؤشر الجوع العالمي لعام 2026، لتحتل المرتبة 55 بين 162 دولة، لكن هذا التحسن لم يغير مستوى الجوع المسجل في البلاد، الذي استقر عند 10.5 نقطة ضمن الفئة المتوسطة، ما يكشف أن تحسن الترتيب لا يعني بالضرورة تراجع المشكلات الغذائية التي يرصدها المؤشر أو ضمان حصول السكان على احتياجاتهم الأساسية.

وتكشف البيانات استمرار أوجه القصور في التغذية، من عجز بعض السكان عن الحصول على كفايتهم من السعرات الحرارية إلى انتشار التقزم والهزال بين الأطفال وارتفاع وفيات من لم يبلغوا سن الخامسة، وهي مؤشرات تتجاوز دلالتها توافر الطعام إلى ما يتركه سوء التغذية من آثار على الصحة والنمو ومستقبل التنمية.

وتزداد أهمية هذه المؤشرات مع التباين بين الأرقام الدولية والتصريحات الحكومية بشأن معدلات فقر الدم والتقزم، واستمرار التساؤلات بشأن وصول وجبات التغذية المدرسية إلى مستحقيها، فضلا عن الخسائر الاقتصادية المرتبطة بسوء التغذية، في وقت يعتمد فيه ملايين المصريين على رغيف الخبز التمويني للحصول على جزء أساسي من احتياجاتهم اليومية من الطاقة.

ويعد مؤشر الجوع العالمي أداة لقياس أبعاد من مشكلة الجوع والأمن الغذائي، وتعده منذ 20 عامًا منظمات دولية غير حكومية متخصصة في الإغاثة والتنمية والبحث الأكاديمي، من بينها معهد القانون الدولي للسلام في ألمانيا، وتستند قراءته إلى 4 مؤشرات فرعية هي نقص التغذية، والتقزم بين الأطفال، والهزال، ووفيات الأطفال دون سن الخامسة.

وتتجاوز آثار الجوع حرمان الفرد من الطعام، إذ تمتد إلى صحته وقدرته على العمل والإنتاج، فالعامل الذي لا يحصل على غذاء كاف قد يعاني الإرهاق وضعف التركيز، بما يحد من كفاءته ويؤثر في إنتاجيته، لتتحول المشكلة من نقص في الاحتياجات اليومية إلى عبء صحي واقتصادي أوسع.

نقص التغذية وأعباء تمتد إلى الاقتصاد

تظهر خطورة عجز السعرات الحرارية عندما يعجز الجسم بصورة مستمرة عن الحصول على الطاقة اللازمة لأداء وظائفه بصورة طبيعية، فالمشكلة لا تتعلق بتفويت وجبة أو الشعور بالجوع لفترة قصيرة، وإنما بعدم تلبية الاحتياجات الأساسية التي تمكن الإنسان من الحركة والعمل والتركيز وممارسة حياته بنشاط.

وتوضح بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء مدى اعتماد المصريين على الخبز في الحصول على احتياجاتهم من الطاقة، إذ يستمدون منه 1342 سعرة حرارية يوميًا، مقابل 667 سعرة حرارية من سائر الأغذية مجتمعة، بما فيها اللحوم والدواجن والأرز والبيض والفول، وهو ما يجعل رغيف الخبز مصدرًا أساسيًا للسعرات الحرارية، خصوصًا لدى الأسر التي تعتمد عليه بدرجة كبيرة في وجباتها اليومية.

ويكتسب هذا الاعتماد أهمية عند النظر إلى القرارات المتعلقة بوزن الرغيف وحجمه، إذ قد يؤدي تقليص الكمية التي يحصل عليها المستهلك إلى خفض الطاقة المستمدة من هذا المصدر، ما يستدعي مراعاة أثر سياسات الدعم في قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الغذائية، خصوصًا أن المؤشر يرصد استمرار عجز جزء من السكان عن الحصول على كفايتهم من السعرات الحرارية.

ويتراوح ما يحتاج إليه الإنسان البالغ، بوجه عام، بين 1800 و3000 سعرة حرارية يوميا للحفاظ على حياة نشطة، مع اختلاف الاحتياجات بحسب الجنس والوزن والعمر وطبيعة النشاط البدني، فالرجال يحتاجون عادة إلى سعرات أكثر من النساء، كما يحتاج العامل الذي يبذل مجهودا بدنيًا شاقًا إلى طاقة تفوق ما يحتاج إليه الموظف الذي يقضي معظم يومه جالسا خلف مكتب.

وينعكس نقص الطاقة اللازمة للجسم على القدرة على أداء المهام اليومية، إذ قد يؤدي إلى الخمول والإرهاق وضعف التركيز، ويزيد من احتمالات الغياب بسبب المرض، بينما تتراجع الإنتاجية وترتفع تكاليف الرعاية الصحية المرتبطة بمشكلات سوء التغذية، لتتجاوز الخسائر صحة الفرد وتمتد إلى سوق العمل والاقتصاد بأكمله.

التقزم والهزال ومخاطر تمتد إلى المستقبل

تظهر آثار سوء التغذية بوضوح أكبر خلال السنوات الأولى من حياة الطفل، إذ تشير بيانات مؤشر الجوع العالمي إلى أن 12.9% من الأطفال دون سن الخامسة في مصر يعانون التقزم، أي إن طفلا من بين كل 8 أطفال تقريبًا يعاني قصر القامة مقارنة بعمره، وهي حالة ترتبط بالحرمان الغذائي الممتد وقد تترك آثارًا على نمو الطفل وتطوره، بما ينعكس على بناء القدرات البشرية التي يحتاج إليها المجتمع مستقبلًا.

ويختلف الهزال عن التقزم في دلالته، إذ يشير إلى انخفاض الوزن بصورة مفرطة مقارنة بالطول، ويعاني هذه الحالة 3.3% من الأطفال دون سن الخامسة في مصر، فيما تبلغ نسبة وفيات الأطفال خلال المرحلة العمرية نفسها 2.2%، بما يعادل 22 حالة وفاة لكل 1000 مولود حي.

ولا ترتبط وفيات الأطفال بالحرمان من الطعام وحده، إذ قد تنتج عن تداخل نقص التغذية المزمن مع العيش في بيئة صحية غير آمنة، فضعف المناعة يجعل الطفل أكثر عرضة لمضاعفات أمراض شائعة، مثل الإسهال والالتهاب الرئوي، وقد تتحول عدوى يمكن التعامل معها في ظروف صحية أفضل إلى خطر يهدد حياته، خصوصًا عندما تتزامن مع سوء التغذية.

وتمتد آثار هذه الحالات إلى الاقتصاد، إذ قدرت دراسة "تكلفة الجوع في مصر"، التي أعدت بإشراف مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء وبدعم من برنامج الأغذية العالمي، الخسائر المرتبطة بنقص تغذية الأطفال، خصوصًا ما يتعلق بالتقزم وسوء التغذية المزمن، بنحو 3.7 مليار دولار، بما يعادل 1.9% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2009.

وقدرت الدراسة، التي أعدت في عام 2013، هذه الخسائر بنحو 20.3 مليار جنيه، فيما تصل القيمة المقابلة لتقدير 3.7 مليار دولار إلى نحو 203.5 مليار جنيه عند احتسابها بسعر صرف يبلغ 55 جنيها للدولار، وهو ما يوضح حجم الأعباء الاقتصادية المرتبطة بسوء التغذية، وإمكان الحد منها عبر تحسين التغذية وتيسير الحصول على الغذاء.

وتشير تقديرات الدراسة إلى أن خفض معدلات نقص التغذية بين الأطفال بنسبة 50% يمكن أن يقلل الخسائر الاقتصادية بنحو 2.1 مليار دولار، بما يعادل 11.7 مليار جنيه وفق سعر الصرف في عام 2013، أو نحو 115.5 مليار جنيه عند احتساب المبلغ بسعر صرف اليوم، فضلًا عن أثر ذلك في تقليل الأمراض وتحسين المستوى التعليمي والقدرات البدنية ورفع الإنتاجية.

أرقام حكومية تثير التساؤلات

تختلف الأرقام الحكومية المعلنة عن بعض التقديرات الواردة في التقارير والدراسات، فقد تحدث الدكتور خالد عبد الغفار، وزير الصحة والسكان، خلال فعاليات اليوم الوطني لمكافحة التقزم لعام 2026، الذي انعقد تحت شعار "الكشف المبكر هو البداية فقط"، عن انخفاض معدل انتشار فقر الدم من 42.3% في عام 2019 إلى 8% في عام 2026، وتراجع التقزم من 6.9% إلى 4% خلال الفترة نفسها.

ويعني انخفاض معدل فقر الدم من 42.3% إلى 8% تراجعه بنحو 5.3 مرة، أي تحسنه بنسبة تقارب 81%، وهو ما يثير تساؤلات بشأن أسباب هذا التحسن الكبير، خصوصًا أن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي تحدث خلال عام 2025 عن وصول معدل الأنيميا إلى 40% بين المصريين.

وتزداد الحاجة إلى تفسير هذا التباين مع إعلان وزارة الصحة والسكان في عام 2025 فحص 6 ملايين و170 ألفا و191 طالبًا وطالبة بالمرحلة الابتدائية في مدارس الجمهورية، من دون الإعلان عن نتائج هذه الفحوصات، ما يترك أسئلة بشأن مدى ارتباطها بالأرقام التي استند إليها الوزير في حديثه عن التراجع الكبير في معدلات فقر الدم والتقزم.

وأكد عبد الغفار أن الدولة تولي اهتماما بصحة الأطفال وتغذيتهم باعتبارهما من المحاور الرئيسية لبناء الإنسان وتحقيق التنمية المستدامة، موضحًا أن الاستثمار في نمو الطفل وتغذيته يرتبط بقوة الاقتصاد الوطني ومستقبل التنمية وفق رؤية مصر 2030، وأن مواجهة التقزم وسوء التغذية ينبغي أن تبدأ قبل الولادة، لا عند وصول الطفل إلى سن المدرسة.
غير أن الاهتمام المعلن بالملف يثير تساؤلات بشأن قدرة الأسر على توفير العلاج لبعض الحالات، إذ أشار النائب عاطف المغاوري إلى استبعاد العلاج التعويضي لنقص هرمون النمو لدى الأطفال من قائمة الأدوية التي تصرف على نفقة الدولة، رغم أنه كان متاحًا قبل أعوام في صورة حقن يحصل عليها الطفل حتى بلوغه الطول المناسب.

وحذر المغاوري من أن استبعاد هذا العلاج، رغم أهميته للحالات الطبية التي تحتاج إليه، قد يسهم في استمرار التقزم بين الأجيال المقبلة، خصوصًا أن تكلفته مرتفعة ويصعب على بعض الأسر تحملها، ما يضع الأطفال الذين يحتاجون إليه أمام مخاطر حرمانهم من العلاج اللازم.

أين تذهب وجبات التغذية المدرسية؟

يمثل الغذاء الذي يحصل عليه الطفل في المدرسة أحد المسارات التي يمكن أن تسهم في تحسين تغذيته، وقد تحدث محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم، في مايو الماضي عن تطبيق خطة جديدة لتوزيع وجبات التغذية المدرسية اعتبارًا من العام الحالي، فيما أعلنت وزارة المالية توفير 7 مليارات جنيه لبرامج التغذية المدرسية، غير أن هذه البرامج أثارت تساؤلات بشأن مدى وصول الوجبات إلى الطلاب المستحقين.

وطالبت النائبة سناء السعيد، عضو مجلس النواب، بالكشف عن أعداد الطلاب المستهدفين بالتغذية المدرسية في كل محافظة ومرحلة تعليمية، متسائلة عن كيفية التحقق من وصول الوجبات إلى المدارس والطلاب، وما إذا كانت الوزارة تجري تفتيشًا مفاجئًا ومراجعة فعلية لسجلات التوريد والتوزيع، وتطابق الكميات المسلمة مع أعداد الطلاب الحاضرين والمستفيدين.

كما تساءلت عن نتائج الرقابة على الشركات الموردة والمخالفات التي جرى رصدها والإجراءات المتخذة بشأنها، والتدابير التي تضمن عدم حرمان أي طالب مستحق من الوجبات، مطالبة وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني بتقديم بيان رسمي موثق يوضح أعداد المستفيدين الفعليين، والكميات الموردة والموزعة، ونتائج أعمال التفتيش والرقابة، والإجراءات المتخذة لضمان وصول الوجبات إلى مستحقيها.

وشددت السعيد على أن الرقابة على التغذية المدرسية ليست إجراء إداريًا شكليًا، وإنما مسؤولية تتعلق بصحة الطلاب وحماية المال العام وضمان وصول الدعم إلى الفئات المستحقة، وهي مسألة تكتسب أهمية خاصة في ضوء الآثار التي يتركها نقص التغذية في نمو الأطفال وقدرتهم على التعلم.

العبء المزدوج لسوء التغذية

تتصل مشكلة التغذية المدرسية بصورة أوسع من صور سوء التغذية في مصر، وهو ما يصفه مصطفى جاويش، خبير التركيبة السكانية والإدارة الصحية والوبائيات بوزارة الصحة والسكان سابقا، بأنه "العبء المزدوج لسوء التغذية"، إذ تتداخل أنماط مختلفة من نقص التغذية والمشكلات المرتبطة بالنظام الغذائي، بما يشكل تحديًا للصحة العامة.

وأشار جاويش إلى أن فقر الدم الناجم عن نقص الحديد يمثل مصدر قلق كبيرًا في مصر، موضحًا أن تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي تحدثت عن إصابة 40% من السكان بالأنيميا، بينما تشير الدراسات الحديثة إلى أن معدل انتشار فقر الدم الناجم عن نقص الحديد يتراوح بين 25% و30% بين عموم السكان.

وفي تفسيره للتحسن الذي تتحدث عنه الجهات الحكومية، قال مسؤول بوزارة الصحة إن مصر اتخذت خلال السنوات الماضية إجراءات لمواجهة سوء التغذية، من خلال استراتيجية قومية متكاملة ومبادرات متزامنة تستهدف الأطفال والأمهات مباشرة، مضيفًا أن هذه الجهود أسهمت في خفض معدلات التقزم بوتيرة أسرع من المتوسط العالمي.

وأوضح المسؤول، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن الأطفال المصابين يحالون إلى عيادات التأمين الصحي المتخصصة لتلقي العلاج والمتابعة الدورية مجانا، من خلال "كارت متابعة" مخصص لكل طفل، كما تشمل الإجراءات تحسين تغذية الأمهات الحوامل، وتوفير المكملات الغذائية، ودعم الرضاعة الطبيعية الخالصة، وتعزيز الوعي الصحي لدى الأسر الريفية وتدريبها على اتباع أنماط غذائية سليمة.

وتظل القدرة على تقييم نتائج هذه الجهود مرتبطة بإتاحة بيانات واضحة يمكن مقارنتها بالمؤشرات الدولية، خصوصًا نتائج الفحوص المدرسية، وتفسير الفروق بين الأرقام المعلنة بشأن الأنيميا والتقزم، والتحقق من وصول الوجبات والعلاج إلى الأطفال المستحقين، فالتقدم في ترتيب مصر بمؤشر الجوع لا يكفي وحده للحكم على حجم التحسن ما دامت الأسئلة قائمة بشأن معدلات سوء التغذية وسبل مواجهتها.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة