كملاكم يحاول البقاء على قدميه داخل الحلبة، يتلقى الجنيه المصري الضربات واحدة تلو الأخرى، مسجلًا خلال الـ20 يومًا الماضية أدنى مستوى في تاريخه، بعدما تجاوز حاجز 54.80 جنيه، ومواصلًا طريقه نحو مستوى 55 جنيهًا.
وخلال أول 20 يومًا من أكتوبر، ارتفع الدولار أمام الجنيه بنحو 2.69 جنيه، بما يعادل 5.18%، إذ سجل بنهاية تعاملات الثلاثاء 54.50 جنيه للشراء و54.60 جنيه للبيع، مقابل 51.91 جنيه للشراء و52.01 جنيه للبيع في ختام تعاملات سبتمبر.
وفي تعاملات، اليوم الخميس، قفزت العملة الأمريكية بنحو 30 قرشًا، لترتفع مكاسبها منذ مطلع العام إلى نحو 7.10 جنيه، بما يعادل 14.5% تقريبًا، وهو ما يعني أن الجنيه فقد النسبة نفسها من قيمته أمام الدولار منذ بداية العام.
وتتعدد أسباب الضغوط التي تدفع الجنيه إلى التراجع، ما بين خروج الأموال الساخنة، وارتفاع طلبات استيراد احتياجات شهر رمضان، والتزامات الحكومة بسداد فوائد الديون الخارجية وأقساطها، بعدما بلغ الدين الخارجي نحو 166.75 مليار دولار بنهاية يونيو 2026.
ويرى مسؤول مصرفي تحدث إلى "فكر تاني" أن ارتفاع الدولار في هذا التوقيت أمر طبيعي مع استعداد الأسواق لموسم رمضان، إذ يزداد الطلب على النقد الأجنبي لتوفير احتياجات الاستيراد، موضحًا أن طلبات الشراء الحالية تشمل سلعًا متنوعة، تتصدرها الواردات الغذائية.
وتعتمد مصر على الاستيراد لتوفير غالبية احتياجات شهر رمضان الغذائية، بدءًا من اللحوم والفول المدمس، مرورًا بالألبان المجففة المستخدمة في مصانع الجبن والزبادي، وصولًا إلى الياميش والمكسرات والفوانيس القادمة من الصين، وهو ما يرفع الطلب على الدولار مع اقتراب الموسم.
موسم رمضان يرفع طلبات الاستيراد
يرتفع إنفاق المصريين على الطعام خلال شهر رمضان إلى نحو 2 مليار جنيه يوميًا، بإجمالي يقارب 60 مليار جنيه طوال الشهر، ليصبح الموسم ذروة الاستهلاك الغذائي في مصر، إذ تزيد معدلات الإنفاق الكلي بنسب تتراوح بين 25% و40% مقارنة بالأيام العادية.
ولأن دورة الاستيراد من الخارج تستغرق، في المتوسط، ما بين 30 و60 يومًا في حالة الشحن البحري، يبدأ التجار والمستوردون الاستعداد للموسم مبكرًا، وقد شرعوا مع بداية أكتوبر في إبرام تعاقدات شراء السلع الرمضانية، تمهيدًا لطرحها في الأسواق قبل شهر على الأقل من حلول رمضان في فبراير.
ويقول المسؤول المصرفي إن زيادة الطلب على الدولار انعكست على تعاملات سوق الإنتربنك، التي بلغت 980 مليون دولار خلال يومي الأحد والإثنين الماضيين، متوقعًا ارتفاعها خلال الأيام القليلة التالية مع تلقي البنوك المزيد من طلبات فتح الاعتمادات المستندية اللازمة للاستيراد.
وسوق الإنتربنك سوق داخلية تتبادل فيها البنوك الدولار والعملات الأجنبية تحت إشراف البنك المركزي المصري، إذ يقترض البنك الذي يحتاج إلى الدولار من بنك آخر لديه فائض منه، ولذلك فإن ارتفاع قيمة التعاملات في هذه السوق يعكس زيادة حجم تداول العملة الأجنبية، وقد يشير إلى احتياج بعض البنوك إلى سيولة إضافية لتلبية طلبات العملاء أو تغطية التزامات الاستيراد أو مواجهة سحوبات مفاجئة.
ويستغرق فتح الاعتماد المستندي نحو أسبوع، تشمل إجراءاته الحصول على موافقة البنك وتدبير العملة الأجنبية وتأكيد الاعتماد مع البنك المراسل للمورد في الخارج، إذ تتطلب عملية الاستيراد تنسيقًا بين البنوك المحلية والبنوك العالمية التي تتولى تمرير المعاملات والمستندات وتحويل قيمة السلع المستوردة، لا سيما أن البنوك المحلية لا تمتلك فروعًا في جميع دول العالم، فتفتح حسابات لدى بنوك دولية كبرى لإتمام هذه العمليات.
ويؤدي ارتفاع تعاملات الإنتربنك إلى زيادة الضغط على سوق الصرف، مع سعي البنوك إلى تدبير الدولار من بعضها بعضًا بعلاوة فوق السعر الرسمي، لتلبية احتياجات المستوردين، بالتزامن مع خروج الأموال الساخنة، وهي استثمارات يضخها مستثمرون في أدوات الدين الحكومية للاستفادة من أسعار الفائدة المرتفعة التي تدفعها الحكومة، ثم يسحبون أموالهم سريعًا عند ظهور مشكلات أو توترات في الأسواق التي يستثمرون فيها.
الأموال الساخنة تعود لتضغط على الجنيه
رغم تعهد الحكومة بأنها تعلمت درس الأموال الساخنة، بعدما تسببت في هبوط الجنيه أكثر من مرة، عادت المشكلة لتفرض نفسها مجددًا للمرة 5، إذ دفعت التوترات المتزايدة في المنطقة والتهديدات الصادرة عن الحوثيين المستثمرين إلى تقليص مراكزهم في السوق الثانوية للدين الحكومي المصري.
وخلال تعاملات الإثنين الماضي، سجلت هذه السوق صافي مبيعات بلغ 505 ملايين دولار، واستحوذ المستثمرون الأجانب على 99.9% من تلك المبيعات، ثم سجلت تعاملات العرب والأجانب في السوق الثانوية للدين الحكومي، الثلاثاء، صافي بيع قدره 245 مليون دولار، لترتفع قيمة التخارجات خلال يومين إلى 750 مليون دولار، بما يعادل 40.8 مليار جنيه مصري.
وخلال 3 أيام فقط، زاد إجمالي خروج الأموال الساخنة من مصر إلى 1.13 مليار دولار، وهو ما يضيف ضغوطًا جديدة على الجنيه، خصوصًا مع تزامن التخارجات مع احتياجات الاستيراد والالتزامات الخارجية.
وتقترب قيمة استثمارات الأموال الساخنة في مصر من 40 مليار دولار، ويصنفها البنك المركزي إلى نوعين، أحدهما أكثر استقرارًا وأقل ميلًا إلى الخروج السريع، والآخر سريع التحرك، وقد خُصص له حساب منفصل لعزل تأثيراته على سعر الصرف والاحتياطي النقدي، لكن التطورات الأخيرة تكشف حجم الضغط الذي يمكن أن يسببه انسحاب هذه الأموال من السوق.
وتنبع خطورة الأموال الساخنة من طبيعتها المضاربية، أي شراء الأصول وبيعها بهدف تحقيق أرباح سريعة، إذ تجذب المستثمرين الباحثين عن عوائد مرتفعة خلال فترات قصيرة، الذين قد يسارعون إلى سحب أموالهم بالسرعة نفسها التي أدخلوها بها، إذا ظهرت فرص للحصول على فوائد أعلى في دول أخرى أو وقعت اضطرابات إقليمية أو محلية، كما يفضل هؤلاء المستثمرون الأدوات المالية عالية السيولة التي يمكن بيعها بسهولة، بما يسمح لهم بالخروج سريعًا من السوق.
وكان الدكتور محمد معيط، وزير المالية الأسبق والمدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي، قد قال إن الدولة المصرية تعلمت الدرس فيما يتعلق بالأموال الساخنة، بعد ما حدث في أعوام 2018 و2020 و2022، وهي فترات خرجت خلالها هذه الأموال بقوة وأسهمت في تراجع الجنيه أمام الدولار، مضيفًا أن الدولة وضعت استراتيجية تقوم على عدم الاعتماد مجددًا على هذا النوع من الاستثمارات، مع تأكيده أن وجودها في حد ذاته ليس مشكلة.
وتبدو حركة الدولار والاحتياطي النقدي متناقضة للوهلة الأولى، وفق هاني أبو الفتوح، الخبير الاقتصادي والمصرفي، إذ يرتفع الدولار في الوقت الذي يزداد فيه الاحتياطي، مع أن الاتجاهين يُفترض ألا يتزامنا على هذا النحو، لكنه يرى أن ارتفاع الدولار وحده لا يكفي دليلًا على نشوب أزمة جديدة في توفير العملة الأجنبية، مشيرًا إلى أن الاحتياطي النقدي بلغ 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر، فيما وصلت تحويلات المصريين العاملين في الخارج إلى 29.7 مليار دولار خلال الأشهر الـ7 الأولى من عام 2026، وهي أرقام وصفها بالمطمئنة.
غير أن هذه المؤشرات لا تعني اختفاء الضغوط على الجنيه، إذ أضاف أبو الفتوح أن عجز الحساب الجاري بلغ 22.5 مليار دولار خلال السنة المالية 2025/2026، بما يعني أن زيادة تدفقات الدولار إلى البلاد لا تؤدي تلقائيًا إلى تراجع الضغوط على سعر الصرف، في ظل وجود واردات والتزامات تحتاج إلى تمويل، فضلًا عن استثمارات قصيرة الأجل يمكن أن تتحرك بسرعة مع تغير الظروف العالمية، كما أن ارتفاع الاحتياطي لا يفرض بالضرورة بقاء سعر الصرف عند مستوى ثابت.
ويقيس عجز الحساب الجاري الفارق بين ما تدفعه الدولة إلى الخارج وما تتلقاه منه خلال فترة زمنية محددة، غالبًا ما تكون سنة، ويشمل هذا الحساب الميزان التجاري الذي يقارن قيمة الصادرات بالواردات، ودخل الاستثمار الذي يتضمن الأموال الخارجة في صورة أرباح للمستثمرين الأجانب العاملين داخل الدولة أو فوائد الديون الخارجية التي تدفعها الحكومة، فضلًا عن التحويلات الجارية، ومنها تحويلات المصريين العاملين في الخارج والمساعدات والمنح الدولية.
ويشير أبو الفتوح إلى أن سوق الصرف تواجه ضغوطًا أخرى، أبرزها قوة العملة الأمريكية وتوقعات أسعار الفائدة في الولايات المتحدة، بما قد يؤثر على حركة الاستثمارات في الأسواق الناشئة، موضحًا أن خروج جزء من هذه الاستثمارات من أدوات الدين المحلية يمكن أن يزيد الضغط على الجنيه، في ظل تأثر تدفقات رؤوس الأموال بالتطورات الدولية، بينما قد يسهم انحسار التوترات الجيوسياسية وتراجع الضغوط الخارجية في تهدئة سوق الصرف والحد من تقلبات الدولار.
التزامات خارجية تثقل كاهل الموازنة المصرية
تواجه الدولة في الوقت نفسه التزامات خارجية كبيرة، من بينها سداد قروض بقيمة 13.7 مليار دولار خلال الربع الـ4 من العام الحالي، وفق بيانات البنك الدولي، التي أظهرت ارتفاع الدين الخارجي لمصر إلى 166.45 مليار دولار بنهاية يونيو 2026، مقارنة بـ164.77 مليار دولار في الربع الأول، مقابل 156.7 مليار دولار قبل عام، بزيادة قدرها 8.1 مليار دولار وفق الأرقام الواردة في البيانات.
وخلال الأشهر الـ9 الأولى من السنة المالية 2025/2026، بلغت خدمة الدين الخارجي 28.3 مليار دولار، منها 22.3 مليار دولار أقساطًا و6 مليارات دولار فوائد، فيما قدر البنك الدولي خدمة الدين الخارجي خلال الفترة من يوليو 2026 إلى يونيو 2027 بنحو 61 مليار دولار.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن المبلغ كله سيُسدد من الاحتياطي النقدي، إذ يمكن إعادة تمويل بعض الالتزامات أو تغطيتها بتدفقات جديدة من الدولار، لكن استمرار الاستحقاقات يفرض على الدولة توفير موارد كافية من النقد الأجنبي للوفاء بمدفوعاتها الخارجية، بالتزامن مع احتياجات الاستيراد والضغوط الأخرى التي تواجه سوق الصرف.
فاتورة الطاقة تضيف ضغطًا جديدًا على الجنيه
تعد الطاقة من أبرز مصادر الضغط المباشر على الدولار في مصر حاليًا، إذ بلغت واردات البلاد البترولية خلال السنة المالية 2025/2026 نحو 24.9 مليار دولار، مقابل 19.5 مليار دولار في السنة السابقة، بزيادة قدرها 5.4 مليار دولار، بينما لم تتجاوز الصادرات البترولية 6.6 مليار دولار، مقارنة بـ5.6 مليار دولار في الفترة المقابلة.
ومع تجاوز سعر برميل النفط حاجز 100 دولار، ترتفع فاتورة الاستيراد ويزداد الطلب على العملة الأمريكية، خصوصًا مع اعتماد مصر على استيراد كميات أكبر من الغاز لتغطية احتياجات الاستهلاك المحلي، وهو ما يجعل حركة أسعار النفط عاملًا أكثر تأثيرًا في تكلفة توفير الدولار.
ويرى المحلل المالي إيهاب سعيد أن هناك ارتباطًا واضحًا بين أسعار البترول وقيمة الجنيه، إذ يؤدي ارتفاع النفط إلى تراجع الجنيه أمام الدولار، بينما يساعد انخفاضه على ارتفاع قيمة العملة المصرية، لتصبح المعادلة المستجدة، وفق تقديره، أن صعود البترول يضغط على الجنيه، فيما يصب تراجعه في مصلحته.
ويعزو سعيد هذا الارتباط إلى تحول مصر إلى دولة مستوردة للمنتجات البترولية، موضحًا أن تكلفة استيرادها كانت تبلغ 1.2 مليار دولار شهريًا حتى يناير 2026، ثم ارتفعت بعد حرب إيران إلى 2.5 مليار دولار شهريًا، أي أكثر من الضعف، كما وصلت فاتورة استيراد المواد البترولية خلال الأشهر الـ6 الأولى من عام 2026 إلى 12.5 مليار دولار.
وأدى ارتفاع الفاتورة إلى زيادة الطلب على الدولار لتغطية احتياجات الطاقة، بالتزامن مع طلبات تخارج الأموال الساخنة وطلبات المستوردين المعتادة، وهو ما يضيف مزيدًا من الضغوط على الجنيه أمام العملة الأمريكية.
ويربط سعيد تراجع قيمة الجنيه أيضًا باتباع البنك المركزي سياسة سعر الصرف المرن وفقًا للعرض والطلب، لتجنب استنزاف الاحتياطي النقدي في الدفاع عن سعر ثابت، موضحًا أن الارتباط بين أسعار النفط وسعر الصرف أصبح أكثر وضوحًا بعد الحرب، وأن تحركات الجنيه خلال الفترة الحالية ستتأثر بأسعار النفط، بعدما أصبحت فاتورة الطاقة المكون الأكبر في فاتورة الاستيراد المصرية.