هل ينتزع اتفاق تركيا وليبيا نفوذ الطاقة من مصر في شرق المتوسط؟

أعادت موافقة مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا الخلاف على النفوذ في شرق المتوسط إلى الواجهة، بعدما رفضت وزارة الخارجية المصرية التصديق على المذكرة، معتبرة أنها تمس الحقوق السيادية لمصر في منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتتعارض مع حدودها البحرية المعلنة وتخالف أحكام القانون الدولي للبحار، وهو ما يثير تساؤلات عن دوافع أنقرة إلى هذه الخطوة رغم تحسن العلاقات مع القاهرة بعد سنوات من التوتر، وانعكاساتها على مستقبل الطاقة في المنطقة، خصوصًا في ظل وجود منتدى غاز شرق المتوسط الذي أطلقته مصر عام 2019 بمشاركة 6 دول أخرى بهدف إنشاء سوق إقليمية للغاز الطبيعي وتعزيز التعاون التجاري بين الدول المنتجة والمستهلكة.

ولم تأتِ عودة المذكرة إلى الواجهة بمعزل عن التحولات داخل مجلس النواب الليبي، الذي عارضت قيادته السابقة السياسات التركية في ليبيا، إذ كان عقيلة صالح، رئيس المجلس السابق، يرى في تدخلات أنقرة تهديدًا للسيادة الليبية، ودفع المجلس عام 2020 نحو قطع العلاقات مع تركيا وتجميد الاتفاقيات التي أبرمتها حكومة طرابلس معها، معتبرًا إياها غير شرعية، ومن بينها مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019 مع حكومة الوفاق الوطني الإسلامية السابقة، التي أثارت احتجاج مصر واليونان آنذاك.

وظل اعتماد المذكرة معلقًا طوال السنوات الماضية، حتى انتخاب الصالحين عبد النبي رئيسًا جديدًا لمجلس النواب الليبي، عقب الإطاحة بعقيلة صالح الشهر الماضي، ثم صوت المجلس، المنعقد في شرق البلاد، قبل يومين لصالح اعتماد مذكرة التفاهم الخاصة بالحدود البحرية بين البلدين، بالتزامن مع إلغاء قرار قطع العلاقات السياسية مع تركيا.

ويعكس هذا التحول تبدلًا في مواقف القوى الفاعلة بشرق ليبيا، ويفتح المجال أمام تقارب تركي مع قوى كانت القاهرة تنظر إليها باعتبارها امتدادًا لأمنها القومي، وهو ما يضع مصر أمام تحد دبلوماسي جديد، إذ يرى عبد الستار حتيتة، الخبير في الشأن الليبي، أن سياسات أنقرة الجديدة قد تفرض تحديات على مصر وعدد من دول المنطقة، في ظل الاعتراضات القانونية والسياسية على اتفاقية تحديد الصلاحيات البحرية بين البلدين وتعارضها مع قواعد القانون الدولي للبحار، ويقول في حديثه مع "فكر تاني"، إن "هذا الاتجاه يضيف أعباء جديدة على القاهرة التي كانت تنظر إلى شرق ليبيا باعتباره امتدادًا لأمنها القومي، ويبدو أن المشهد يواجه تحولات متسارعة قد تعيد تشكيل حسابات مصر الإقليمية".

أهداف تركيا في شرق المتوسط

يربط حتيتة هذا التحول بمساعي أنقرة المستمرة لتعزيز نفوذها في شرق ليبيا، مشيرًا إلى أن التغيرات داخل المؤسسة العسكرية الليبية وصعود قيادات تربطها علاقات قوية بالمعسكر التركي يثيران تساؤلات بشأن مستقبل العلاقة بين القاهرة والقوى الفاعلة في شرق البلاد، ويضيف أن "القيادات الليبية الجديدة علاقتها جيدة بتركيا، والحلول الدبلوماسية ستكون المسارات المتاحة لمعالجة الموقف".

وفي الوقت الذي تتحفظ فيه القاهرة على إقرار المذكرة، احتفى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالاتفاق عبر حسابه الرسمي على فيسبوك، ووصفه بأنه "مهم"، معربًا عن تمنياته بأن تكون الخطوة مباركة وموفقة، فيما يذهب المحلل السياسي والبرلماني التركي السابق رسول طوسون إلى أن موافقة البرلمان الليبي لا تتعارض مع المصالح المصرية، وإنما يمكن أن تخدمها في ظل تحسن العلاقات بين القاهرة وأنقرة، ويقول لـ"فكر تاني"، إن "كان المفروض أن ترحب مصر لأن العلاقات تحسنت مع تركيا، وإذا أمعنا النظر في الاتفاقية نجدها لا تضر مصلحة مصر".

ويستند طوسون في دفاعه عن الاتفاقية إلى أنها أُبرمت عام 2019 مع حكومة الوفاق الوطني الليبية التي كانت تحظى حينها باعتراف الأمم المتحدة، معتبرًا أن هذا الاعتراف يمنحها أساسًا للشرعية، ويضيف أن "العلاقات المصرية التركية حينها كانت متوترة، وهذا التوتر جعل مصر تتبنى موقفًا معارضًا في ظل تقاربها مع اليونان".
لكن توقيت إعادة تفعيل المذكرة يضعها في مواجهة مسار آخر للتعاون الإقليمي، إذ جاء الإعلان عنها بعد أيام قليلة من لقاء جمع مصر وقبرص واليونان على هامش المائدة المستديرة رفيعة المستوى لمنتدى غاز شرق المتوسط في أثينا، حيث اتفقت الدول الثلاث على دفع التعاون في مجال الطاقة وتسريع استغلال موارد الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، وربطها بالبنية التحتية المصرية تمهيدًا لنقلها إلى الأسواق الأوروبية.

ومن المقرر أن يبدأ تنفيذ المشروع في أواخر 2026، فيما يُنقل الغاز القبرصي من حقلي كرونوس وأفروديت وغيرهما إلى مصر لتسييله، قبل نقله عبر الخطوط اليونانية إلى الأسواق الأوروبية في 2028، وهي ترتيبات تعترض عليها تركيا، التي ترفض كذلك اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان.

ويرى كريم العمدة، الخبير في الاقتصاد السياسي، أن الموقف التركي يرتبط بمحاولة منع شركات الغاز الكبرى من التنقيب في المياه العميقة، بما يحمي مطامع أنقرة في موارد شرق المتوسط، ويوضح في حديثه مع "فكر تاني"، أن "تركيا تنتج ما لا يزيد عن 6% من استهلاكها من الغاز والبترول، وتستورد 94%، وبالتالي فإن الاستيراد المتزايد يرفع من ضغوط التضخم الاقتصادي عليها".

التنافس على السيادة الإقليمية بين مصر وتركيا

يرى الدكتور أنور القاسم، الخبير في الاقتصاد الدولي، أن الاتفاق الذي كان يمكن أن يشكل إطارًا للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي بين دول حوض المتوسط تحول إلى تفاهم بين دولتين على حساب التعاون بين الدول المشاطئة، ويقول لـ"فكر تاني" إن "هذا الاتفاق يزعج مصر واليونان ويشق وحدة الأمن القومي العربي الاقتصادي الذي تمثله مصر وليبيا معًا".

ويعتبر القاسم أن الاتفاق الليبي التركي يمس حقوق مصر واليونان، موضحًا أن الرفض المصري يستند إلى ما تراه القاهرة تعديًا على حقوقها الحيوية ومخالفة لقانون البحار، فيما تعد اليونان الاتفاق باطلًا وغير قانوني، لأنه يتجاهل الجزر اليونانية وينتهك قواعد القانون البحري الدولي.

ومن زاوية أوسع، ترى الدكتورة سارة كيرة، مؤسسة ومديرة المركز الأوروبي لشمال أفريقيا للأبحاث (EUNACR)، أن الخطوة تعكس التنافس على تشكيل النظام الإقليمي في شرق المتوسط، حيث تمثل ليبيا ساحة تتقاطع فيها المصالح المصرية والتركية، وتقول في حديثها مع "فكر تاني"، إن "التقارب الجديد من طرف تركيا يعود إلى موقع ليبيا الجغرافي وأهميته بالنسبة للأمن القومي المصري ودورها في تحويل معادلات النفوذ من شمال إفريقيا إلى شرق المتوسط".

وتربط كيرة تصاعد التوتر بالتهديدات المستمرة لطرق الملاحة البحرية، والاضطرابات في دول الخليج، وحاجة أوروبا إلى تنويع مصادر إمدادات الغاز الطبيعي، مضيفة أن "تركيا تريد أن تسحب البساط من مصر لتتحول إلى مركز إقليمي لتجارة الطاقة وممر لنقلها، بينما لا تمتلك البنية التحتية التي تمتلكها مصر لتسييل الغاز".

وفي مصر، انتقل الخلاف من المواقف الدبلوماسية إلى التحرك البرلماني، إذ تقدم النائب سمير البيومي، عضو مجلس النواب، بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيري الخارجية والتعاون الدولي وشؤون المصريين بالخارج، والبترول والثروة المعدنية، بشأن تصديق البرلمان الليبي على مذكرة التفاهم وما قد يترتب عليها من تداعيات على الأمن القومي المصري.

واستند طلب الإحاطة إلى أن المذكرة تنتهك مبادئ القانون الدولي للبحار، ولا سيما أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تنص على مبادئ العدل والإنصاف في تحديد المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري للدول المطلة على البحار، معتبرًا أنها تمثل اعتداءً على حقوق مصر في مياه البحر المتوسط، سواء في منطقتها الاقتصادية الخالصة أو جرفها القاري، خصوصًا حقها في التنقيب عن البترول والغاز الطبيعي، باعتبارهما من الموارد الضرورية لتلبية الاحتياجات التنموية للاقتصاد المصري.

وحذر الطلب من التداعيات المحتملة للمذكرة على أمن شرق المتوسط واستقراره، في ظل التنافس المحتدم بين أطراف متعددة، مطالبًا الحكومة بإحاطة مجلس النواب سريعًا بتبعات الاتفاق، لا سيما ما يتعلق بحقوق مصر في التنقيب عن البترول والغاز الطبيعي، وبيان التحركات والإجراءات المتخذة لمواجهته، مع التأكيد على أن المذكرة لن تحقق الأمن والاستقرار للمنطقة في ظل الرفض المصري لها.

ويفتح تفعيل المذكرة فصلًا جديدًا من التنافس على النفوذ في شرق المتوسط، حيث تتداخل الخلافات على الحدود البحرية مع المصالح المرتبطة بالغاز وطرق نقله إلى الأسواق الأوروبية، فيما تظل تداعيات الاتفاق على العلاقات المصرية التركية والمصرية الليبية مرهونة بمسار الخلاف القانوني والسياسي، وقدرة الأطراف المعنية على احتواء التوتر من دون التخلي عن مصالحها الإقليمية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة