أعاد تصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي بأن الدستور "لن يمسه أحد" فتح السؤال الذي يشغل كثيرين، وهو ما إذا كان سيغادر السلطة عند انتهاء ولايته. سؤال مشروع، لكنه لا يستوعب وحده حجم الأزمة. فحتى لو حُسم موعد المغادرة، يبقى سؤال آخر عن طبيعة السلطة التي ستؤول إلى مَن يخلفه، ومَن سيملك اختيار هذا القادم ومحاسبته.
لا أستخف بمدد الرئاسة، ولا أعتبر تقييدها تفصيلًا ثانويًا. فوضع نهاية زمنية للحكم ضمانة أساسية ضد الاستبداد. لكن مشكلتي الرئيسية مع النقاش الدائر أنه يكاد يختزل الديمقراطية في عدد السنوات التي يقضيها الرئيس على مقعده، بينما يضع حجم صلاحياته، وحدود نفوذه داخل بقية مؤسسات الدولة، في مرتبة تالية. ويمكننا أن نتبادل التهاني على احترام موعد الرحيل، ثم نكتشف أننا سلمنا الرئيس التالي صلاحيات واسعة بالقدر نفسه، وأبقينا المجتمع عاجزًا عن مساءلة السلطة بالقدر نفسه أيضًا.
يساعد مفهوم "رأسنة السياسة" أو (Presidentialization) على فهم جانب من هذه المشكلة. ويشير إلى تنامي قوة القيادة الفردية واستقلالها عن المؤسسات الجماعية، وتمحور الحياة السياسية حول شخص القائد. وقد يحدث ذلك من خلال الممارسة، حتى من دون تغيير الشكل الدستوري للنظام. وفي الحالة المصرية، يتجاوز السؤال شخصنة السياسة إلى تركز السلطة. كيف نمنع رئيس السلطة التنفيذية من مد نفوذه إلى المؤسسات التي يُفترض أن تراقبه وتوازن سلطته؟
ولهذا، فإن قراءة تعديلات 2019 من زاوية مدد الرئاسة وحدها تُغفل جانبًا مهمًا من آثارها. فقد أسندت المادة 185 إلى رئيس الجمهورية صلاحية تعيين رؤساء الجهات والهيئات القضائية من بين أقدم 7 من نوابهم، كما أناطت به رئاسة المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية. ونظمت المادة 193 اختياره رئيس المحكمة الدستورية العليا من بين أقدم 5 نواب لرئيسها. وتجعل هذه الصلاحيات علاقة الرئاسة باستقلال القضاء في صميم النقاش، إلى جانب التساؤل عن قدرة البرلمان الفعلية على التشريع والرقابة ومحاسبة الحكومة. وفي تقديري، لا يكتمل أي حديث عن انتقال ديمقراطي من دون مراجعة هذا التركز وضمان التوازن بين السلطات.
أما التعهدات، فلها سجل ينبغي ألا نتعامل معه بذاكرة انتقائية. ففي نوفمبر 2017، أعلن السيسي في مقابلة مع "سي إن بي سي" تمسكه بولايتين رئاسيتين، مدة كل منهما 4 سنوات، وعدم السعي إلى تغيير هذا القيد. ثم جاءت تعديلات 2019، فارتفعت مدة الولاية إلى 6 سنوات، وأُضيفت المادة 241 مكررًا التي مددت الولاية التي بدأت بانتخابه عام 2018، وأجازت إعادة انتخابه لولاية إضافية. ولهذا، فإن طلب الضمانات اليوم يستند إلى سابقة واضحة، ولا ينبع من رغبة في التشكيك لمجرد التشكيك.
لا أملك الجزم بما سيحدث عند انتهاء الولاية، ولا أرى أن استشراف النوايا وظيفة سياسية منتجة. ما يمكن تقييمه هو ما يحدث قبل ذلك. هل تتسع حرية التنظيم؟ هل يُتاح للمعارضة الوصول إلى المواطنين والإعلام؟ هل تصبح المنافسة السياسية ممكنة بشروط عادلة؟ وهل يستطيع المجتمع إنتاج بدائل مستقلة، أم سيُطلب منه الانتظار حتى تصله قائمة بالأسماء المناسبة؟
وهنا تظهر حكاية "البديل".
في نقاش عن المستقبل، استوقفتني قراءة ترسم مواصفات السياسي الأوفر حظًا، فهو محسوب على المعارضة، لكنه مطمئن لدوائر الحكم، وله صلات برجال الأعمال من دون أن يثير قلق أصحاب النفوذ، ويجد طريقه إلى الشاشات، ويحظى بإشارات قبول من السلطة نفسها. ووفق هذا التصور، تكمن ميزته الكبرى في قدرته على تغيير الواجهة من دون إزعاج مَن يقفون خلفها. بديل ممتاز فعلًا، لا ينقصه سوى سؤال الناخبين عما إذا كانوا يريدونه.
لا أتعامل مع هذه القراءة باعتبارها دليلًا على وجود ترتيب قائم أو اختيار خليفة بالفعل. ما يعنيني هو المنطق الذي تكشفه، حين يصبح معيار صلاحية المرشح للرئاسة قدرته على طمأنة أصحاب السلطة أكثر من قدرته على تمثيل المواطنين. وكأننا نبحث عن مدير جديد يجيد التعامل مع مجلس الإدارة القديم، ثم نؤجل سؤال أصحاب البلد إلى ما بعد اكتمال الترتيبات.
ليس عيبًا في السياسي أن يحاور مؤسسات الدولة، أو يتواصل مع رجال الأعمال، أو يحظى بتغطية إعلامية، فهذه كلها أدوات طبيعية للعمل السياسي. الاختبار الحقيقي هو مدى استقلال مشروعه وقراره، وقدرته على قبول المنافسة والمحاسبة، واستعداده لتقييد صلاحيات المنصب الذي يسعى إليه. فالمعارض الذي يرفض تركز السلطة اليوم، ثم يطمح إلى وراثتها كاملة غدًا، لم يقدم بعد بديلًا لطريقة الحكم.
ولا يظهر بديل جاد إلا في ظل قواعد تسمح بتعدد الخيارات، وأحزاب قادرة على العمل، وصحافة تستطيع طرح الأسئلة، وقضاء مستقل، وبرلمان يمارس الرقابة، وانتخابات لا يكون خوضها امتيازًا تمنحه السلطة لبعض منافسيها. في هذا المناخ، يتقدم المرشحون ببرامجهم، ويختار المواطنون بينهم، ويستطيعون تغييرهم. أما اختزال المستقبل في اسم جديد، مع الإبقاء على موازين القوة نفسها، فقد يمنحنا تغييرًا في شخص شاغل المنصب من دون تحول حقيقي في طريقة ممارسة السلطة.
ولهذا، فإن ملامح المرحلة التي تلي انتهاء الولاية تتحدد من الآن. فقد نشهد تغييرًا في شاغل المنصب مع بقاء موازين القوة على حالها، وقد تتجدد محاولات تمديد البقاء تحت عناوين الضرورة والاستقرار، وقد نفتح طريقًا لتداول فعلي للسلطة.
وترتبط هذه الاحتمالات بسلوك السلطة، وبقدرة المجتمع وقواه السياسية على الفعل أيضًا. أما الانتظار حتى اقتراب موعد الانتخابات، فيمنح الآخرين الوقت والمساحة لصياغة المستقبل، ثم يضعنا أمام خيارات لم نشارك في صنعها.
تتمثل المهمة العاجلة أمام القوى السياسية في بناء اتفاق على قواعد الانتقال، قبل الانشغال بالاتفاق على اسم الرئيس المقبل. اتفاق يربط احترام موعد انتهاء الولاية بفتح المجال العام، ويضمن حرية العمل الحزبي والإعلامي، وعدالة المنافسة الانتخابية، واستقلال القضاء، وقدرة البرلمان على المحاسبة. وينبغي أن يتضمن تصورًا واضحًا لمراجعة الصلاحيات التي تركز السلطة في الرئاسة، بحيث يعرف كل مَن يطلب ثقة المواطنين أنه يترشح لمنصب محدود الاختصاصات، وأن فوزه لا يمنحه حق إعادة ترتيب الدولة على مقاسه.
ويحتاج هذا الاتفاق إلى زخم شعبي سلمي ومنظم يتجاوز اجتماعات النخب. ويتطلب أحزابًا تتواصل مع المواطنين حول مصالحهم اليومية، ونقابات تدافع عن استقلالها، وصحافة تتابع الالتزامات وتكشف التراجع عنها، وقوى سياسية تحول كل مطلب إلى خطوات ومواعيد ومؤشرات يستطيع الرأي العام تقييمها. هكذا تتكون قدرة مجتمعية على حماية الانتقال، وتصبح له كلفة سياسية عند التراجع عنه، عوضًا عن أن يظل مجرد تعديل في خطاب رسمي.
وعندها يصبح للسنوات المقبلة معنى يمكن قياسه. فكل مساحة تُفتح للتنظيم، وكل ضمانة تُنتزع لتحقيق عدالة المنافسة، وكل خطوة تحد من تدخل السلطة التنفيذية في غير اختصاصها، تقربنا من انتقال جاد. أما إذا اقترب موعد انتهاء الولاية وبقي المجال العام مغلقًا، وعجزت البدائل عن الوصول إلى الناس، وظلت المؤسسات غير قادرة على موازنة الرئاسة، فلن تكون الطمأنينة التي صنعتها التصريحات كافية لتغيير هذا الواقع.
احترام الدستور واجب على الحاكم، وتداول السلطة حق للمواطنين. ولا ينبغي أن نعيد تقديم أيٍّ منهما باعتباره منحة تستوجب الامتنان. فحين تبقى الحرية معلقة بقرار مَن يمنحها، تظل إمكانية سحبها قائمة أيضًا، ومَن يملك قرار منحها يملك قرار سحبها.
ما أريد أن نصل إليه في 2030 هو أن يختار المصريون رئيسهم من بين بدائل حقيقية، وأن يعرف الفائز أن هناك برلمانًا يحاسبه، وقضاءً لا يدين له بمنصبه، وصحافة تسأله، ومواطنين يستطيعون تنظيم أنفسهم ومعارضته وتغييره. عندها يصبح موعد رحيل الرئيس معلومًا منذ يوم دخوله، وتصبح حدود سلطته واضحة طوال بقائه. وهذا هو المستقبل الذي يستحق أن نبدأ العمل من أجله الآن.