مع تضارب ما ورثته من نصائح ونقص التوعية، خاضت أسماء دياب واحدة من أصعب التجارب جسديًا ونفسيًا، إذ لم تنجح محاولاتها في توفير بداية آمنة لطفلها بعد الولادة، وانتهت جهودها للتمسك بالرضاعة الطبيعية إلى الفشل بعدما أصيبت بجروح عميقة وتراكم الصديد في ثديها، نتيجة المعلومات الخاطئة وغياب الدعم الطبي قبل الولادة وبعدها.
ورغم مرور عامين ونصف على تلك التجربة، لا يزال الألم حاضرًا في ذاكرة أسماء، التي تقول "مش هانسى الوجع اللي كنت بحس بيه وابني صغير، أول ما يعيط وأحس إنه جعان كنت بعيط معاه من الألم اللي مستنيني، ولما فكرت ألجأ لاستشاري رضاعة، لقيته بعيد جدًا لأني عايشة في قرية تابعة لمحافظة المنوفية، ومفيش غير الأونلاين، لكن رفضت بسبب عدم الأمان في كشف من النوع ده".
لا تطمئن أسماء إلى خيار الاستشارات عن بعد، بعدما سمعت قصصًا عن أطباء صوروا مرضاهم، وهو ما جعلها أكثر حذرًا ودفعها إلى اللجوء إلى تخصصي الجلدية والنساء، من دون أن تجد حلًا لمشكلتها، على حد قولها.
وتوصي منظمة الصحة العالمية بتعليم الأمهات أساليب الرضاعة الطبيعية وتقديم الدعم العملي والنفسي لهن، بما يشمل شرح الوضعية الصحيحة للرضاعة ومساعدتهن على حل المشكلات التي تواجههن. وتكشف دراسة أُجريت في مصر عام 2022 حجم الحاجة إلى هذه التوعية، إذ أفادت 85% من الأمهات بحاجتهن إلى معلومات إضافية عن الرضاعة الطبيعية، فيما بدأ أكثر من 40% من الأطفال في المناطق الحضرية والريفية تناول الألبان الصناعية خلال شهرهم الأول.
لكن احتياج الأمهات إلى دعم متخصص لا يعني أن الحصول عليه ينبغي أن يتحول إلى امتياز لمن يستطعن تحمل تكلفته، كما أن شيوع الحديث عن استشارات الرضاعة لا يجعلها مجرد موضة يمكن الاستغناء عنها، فبعض الأمهات يحتجن بالفعل إلى مساعدة طبية لا توفرها النصائح العامة، فيما قد تضطر أخريات إلى تحمل الألم أو اللجوء إلى بدائل لا تناسب احتياجاتهن، بسبب غياب الخدمة بالقرب منهن أو ارتفاع تكلفتها.
تسليع الرعاية وفجوة الوصول
تضع سارة أحمد هذه المشكلة في صلب تجربتها، إذ تنتقد تحول الرعاية المقدمة للأمهات إلى خدمة تتطلب قدرة مالية خاصة، مستعيدة ما واجهته خلال الحمل حين ذهبت إلى الوحدة الصحية القريبة منها للاستفسار عن التغذية، لكنها لم تجد من يقدم لها المشورة، وتقول "وأنا حامل روحت الوحدة عشان أسأل في أوضة كده مكتوب عليها المشورة عن التغذية أثناء الحمل، ملقتش حد وقالولي روحي لدكتورة تغذية برا، وبعد الولادة حصلت مشاكل في رضاعة بنتي فمكنتش عارفة أروح فين".
وتحكي سارة لـ"فكر تاني" أنها تعيش في أحد أحياء محافظة القليوبية، وتنتمي إلى أسرة لا تميل إلى الاستعانة باستشاري رضاعة، إذ يظل اللجوء إلى طبيب الأطفال الخيار الأكثر شيوعًا في محيطها، وهي لا تنكر حاجة الأمهات إلى الدعم المتخصص، لكنها تنتقد الطريقة التي يُطرح بها باعتباره موضة، في وقت لا تتوافر فيه الخدمة للجميع، تقول "المفروض الدعم ده يتوفر من غير تهويل للأم اللي مش هتروح لاستشاري رضاعة، يعني المستشفيات أو الصحة تقدم الخدمة للكل، مش اللي تقدر تدفع هي اللي ترتاح بس".
ولا تقتصر صعوبة الحصول على هذه الرعاية على تكلفتها، إذ لاحظت سارة أن نسبة كبيرة من الخدمات تتمركز في مناطق بعيدة عن الأقاليم والأحياء الشعبية، ما يضيف إلى الأعباء المالية تكلفة التنقل إلى العيادات، فضلًا عن ارتفاع أسعار الكشف أو الجلسات التي تتراوح في بعض الحالات بين 800 و1500 جنيه مقابل 30 دقيقة فقط.
وللوقوف على تكلفة هذه الخدمات، تواصلت محررة "فكر تاني" مع إحدى الاستشاريات في منطقة مدينة نصر، فأوضحت أن الجلسة التي تستغرق من 30 إلى 40 دقيقة تبلغ تكلفتها 1000 جنيه، تُدفع مقدمًا بمجرد تأكيد الحجز، على أن يُجرى الكشف بعد أسبوعين، بينما تنخفض التكلفة إلى 800 جنيه إذا احتاجت الأم إلى جلسة أخرى خلال الشهر نفسه، وهي أسعار تجعل الوصول إلى الدعم المتخصص أكثر صعوبة على الأمهات غير القادرات على تحمل هذه النفقات.
وأظهر رصد الأسعار على تطبيقي "فيزيتا" و"إكشف" تفاوتًا واضحًا في تكلفة استشارات الرضاعة الطبيعية، بحسب الموقع الجغرافي وخبرة مقدم الخدمة، سواء أكان أخصائيًا أم استشاري أطفال متخصصًا في الرضاعة أم استشاريًا حاصلًا على شهادة "من الخارج" في هذا المجال، وسجلت القاهرة الكبرى أعلى الأسعار، إذ تراوحت في مناطق مثل التجمع والشيخ زايد والمعادي بين 600 و950 جنيهًا، ووصلت إلى 1500 جنيه في الجلسات المنزلية المتخصصة.
أما المناطق المتوسطة والشعبية، فتراجعت فيها تكلفة الجلسة إلى ما بين 250 و400 جنيه، بينما تراوح متوسط الأسعار في الإسكندرية بين 200 و500 جنيه بحسب المنطقة، وانخفضت في محافظات الدلتا، مثل المنصورة وطنطا، إلى ما بين 200 و350 جنيهًا، في حين سجلت محافظات الصعيد أدنى المستويات، بحد أقصى بلغ 250 جنيهًا.
ويرتبط هذا التفاوت أساسًا بالمؤهل العلمي وطبيعة الخدمة المقدمة، إذ تستغرق الجلسات التي يقدمها استشاريو الرضاعة الحاصلون على "الشهادة الأجنبية" وقتًا أطول قد يصل إلى ساعة، يُقيّم خلالها وضع الطفل وقدرته على الالتقام الصحيح، ولذلك ترتفع تكلفتها مقارنة بالكشف التقليدي لدى أخصائي الأطفال.
وتوفر بعض العيادات والمنصات الطبية خيار الاستشارات عن بُعد والتطبيب الإلكتروني بأسعار أقل نسبيًا، تتراوح بين 150 و350 جنيهًا، مع إتاحة خصومات دورية من خلال الحجز الإلكتروني والتطبيقات الطبية، ومنها التطبيقاَن المشار إليهما سابقًا.
وعند مقارنة هذه الأسعار بـالحد الأدنى للأجور ومعدلات التضخم، تتضح الأعباء التي تفرضها الاستشارات على الأمهات، سواء كن عاملات أم ربات بيوت، إذ قد تعادل تكلفة الجلسة نحو 15% إلى 20% من الدخل الشهري، لمجرد الحصول على نصيحة أو خدمة يمكن تقديمها مجانًا، وهو ما يجعل القدرة المالية عاملًا مؤثرًا في الحصول على الرعاية المطلوبة.
وتظهر آثار هذه الفجوة بوضوح في تجربة مي مجدي، من بيلا بمحافظة كفر الشيخ، التي لم تكن مستعدة للتخلي عن الرعاية بسبب تكلفتها، لكنها لم تجد متخصصًا قريبًا يمكنه مساعدتها، وتقول لـ"فكر تاني"، إن "لو حد قالي إن التخصص ده موجود جنبي، كانت الفلوس هتبقى بالنسبة لي لا شيء، لأنه هيوفر عليا ألم وهيوفر عليا إني ألجأ للصناعي".
وتوضح مي كيف كان يمكن للمساندة المتخصصة أن تغير تجربتها صحيًا ونفسيًا، مضيفة "استشارية الرضاعة أكيد كانت هتفهم ارتباكي وتساعدني بموجب تخصصها، حقيقي الأمهات في الفترة دي بتكون محتاجة حد يستوعب مخاوفها ويطمنها، مش ضغوط من المحيطين أو تخصص غلط يزود ألمها".
ولم تكن المشكلة بالنسبة إلى مي في غياب الرغبة في التعلم، وإنما في عدم كفاية الوسائل المتاحة للتعامل مع حالتها، خصوصًا أنها كانت تحتاج إلى علاج لا توفره المعلومات العامة وحدها، وتقول "الجروبات والفيديوهات منفعتش معايا لأني كنت محتاجة أدوية".
وتكشف تجربة زينب هريدي عن مسار مختلف للحصول على المساعدة، إذ لجأت إلى طبيبة أطفال في مستوصف بمنطقة شعبية في الخصوص، بعدما ثبت وزن طفلها واضطرت إلى شراء الحليب الصناعي، وتحكي لـ"فكر تاني"، أنه "لما ابني وزنه بقى ثابت واضطريت أشتري لبن صناعي، روحت لدكتورة أطفال في منطقة شعبية، الخصوص، كشفها 100 جنيه، وشرحت لها إني أم جديدة ومش عارفة أرضعه، فقعدت معايا نص ساعة تفهمني وفعلاً نصايحها جابت نتيجة، يعني النوع ده من المعلومات مهمة لينا جدًا أيا كان التخصص، فلازم يبقى الكشف في متناول الكل حتى لو مش مجاني".
وتشير تجربة زينب إلى أن تكلفة أقل ووقتًا كافيًا للاستماع إلى الأم وشرح المعلومات اللازمة يمكن أن يساعدا في التعامل مع مشكلات الرضاعة، حتى عندما لا تكون الخدمة مقدمة من استشاري متخصص، وهي تجربة تتقاطع مع ما ترويه منى سعيد، التي اضطرت إلى الاعتماد على نصائح المحيطين بها بعدما وجدت أن تكلفة الكشف تتجاوز قدرتها المالية، وتقول "لما لقيت الكشف بـ800 جنيه، اضطريت أسمع نصايح الستات الكبار، زي أمي وحماتي، وخدت وقت طويل لحد ما اتجاوزت الألم بأقل مقابل مادي، وده بسبب الظروف طبعًا".
وتكشف هذه التجارب تفاوت الطرق التي تلجأ إليها الأمهات للتعامل مع مشكلات الرضاعة، فمنهن من تحتاج إلى علاج لا تكفي معه الإرشادات العامة، ومنهن من تجد المساعدة لدى طبيب أطفال بتكلفة محدودة، فيما تضطر أخريات إلى الاكتفاء بنصائح الأسرة، وهو ما يطرح سؤالًا عن دور المؤسسات الصحية في توفير الدعم المناسب بدلًا من ترك الأمهات رهائن لاختلاف ظروفهن المادية والجغرافية.
بين الخدمة الموعودة والمعاناة المستمرة
لا تتعلق الفجوة بالقدرة على تحمل تكلفة الاستشارات خارج المستشفيات فقط، إذ تكشف نهى عبد المنعم عن تجربة تتصل بالفارق بين الخدمة التي يُفترض أن تحصل عليها الأم وما يُقدم لها فعليًا داخل بعض المنشآت الطبية، وتقول "أنا ولدت آخر يوم رمضان، 19 مارس اللي فات، داخل مستشفى بمصر الجديدة، وقالولنا من ضمن باقة الولادة فيه استشاري رضاعة هتمر عليا، اتفاجئت إنها ممرضة الحضانة شرحت لي إن أهم حاجة إن البيبي ميشرقش بس، وقالتلي إنتي طبعًا عارفة المعلومات، دي الولادة التانية ليكي، وسابتني ومشيت".
وتستعيد نهى تجربتها الأولى مع الأمومة قبل 7 سنوات، حين واجهت صعوبة الرضاعة للمرة الأولى من دون استعداد كافٍ للتعامل معها، وتحكي لـ"فكر تاني" أنها فوجئت بالآلام وبالمشكلات المصاحبة للرضاعة، وأصيبت بالاكتئاب بسبب نقص المعلومات، في وقت لم يكن المحيطون بها يملكون معرفة كافية لمساعدتها، كما كانت تجد نفسها أحيانًا من دون شخص يساندها، ولم تجد ما يفيدها سوى البحث باللغة الإنجليزية والوصول إلى مراجع أجنبية قدمت لها معلومات نافعة، في ظل غياب دراسات عربية مجانية في هذا المجال، وفق تجربتها.
وترى نهى أن احتياجات الأمومة أصبحت مجالًا مربحًا لمن يقدمون خدمات مرتبطة بها، لأن الأم تسعى إلى توفير أفضل رعاية لأطفالها، ما قد يحول احتياجاتها الأساسية إلى خدمات مرتفعة التكلفة تُعامل باعتبارها نوعًا من الرفاهية، وتوضح "الأم هي أكتر شخص عايز يعمل أفضل حاجة لأولاده، وبالتالي تسليع احتياجاتها هيكون مربح للي شغالين في المجالات اللي بتخدم على الأمومة، وعشان كده كمان بتبقى غالية جدًا وبتتعامل كشكل من أشكال الرفاهية، وفيه فعلًا ناس بتحرم من الرعاية دي لأن معندهمش إمكانية للحصول عليها، والحل اللجوء لأطباء موثوقين على النت بيقدموا تثقيف طبي مجاني".
ورغم اعتمادها على البحث الذاتي لتجاوز آلام التجربة، تطالب نهى الدولة بتبني حملة إعلامية لتثقيف الأمهات الجدد بشأن الرضاعة الطبيعية واحتياجات الطفل منذ اليوم الأول لولادته، أو إلزام الوزارة المعنية بتوفير متخصص واحد في كل مكتب صحة يتولى تقديم هذه التوعية، بما يتيح للأمهات الحصول على المعلومات الأساسية من مصدر موثوق.
استشارات الرضاعة بين الحداثة والتنظيم المهني
وتثير هذه التجارب تساؤلات بشأن طبيعة تخصص استشارات الرضاعة ومدى انتشاره، وهي مسألة توضحها الدكتورة أمل الطويل، أمين صندوق ورئيس القسم التعليمي في الجمعية المصرية لاستشاريي الرضاعة الطبيعية، مشيرة إلى أن بداية المجال في مصر تعود إلى عام 2004، أي إنه يمتد لنحو 22 عامًا، بينما بدأ عالميًا عام 1985، ما يجعله تخصصًا حديثًا نسبيًا.
وتوضح الطويل أن العمل في هذا المجال يتطلب اجتياز اختبارات دولية للحصول على اعتماد رسمي، بعد تدريب دقيق وامتحانات معتمدة تهدف إلى تقييم كفاءة الممارس، ويعد هذا الاعتماد دليلًا على التأهيل اللازم لتقديم الخدمة، لكنها تحذر في الوقت نفسه من أشخاص ينتحلون صفة الاستشاريين، قد يستغلون جلسات الاستشارة، خصوصًا عبر الإنترنت، في تسريب صور المريضات أو بياناتهن، ما يستدعي التمييز بين المتخصص المعتمد ومن يدعي امتلاك التأهيل المطلوب.
وتضيف لـ"فكر تاني"، أنه لم يعد من المناسب الاعتماد على أطباء الأطفال أو النساء أو الجراحة وحدهم لتقديم هذا النوع من الرعاية المتخصصة، مشيرة إلى أن الجمعية خرجت أكثر من 1000 استشارية على مستوى مصر، وأنهن لا يتركزن في مناطق بعينها مثل القاهرة، وإنما ينتشرن في الأقاليم أيضًا.
ولا ترى الطويل أن واقع الرعاية يخلو من الخيارات المتاحة، إذ تشير إلى وجود مستشفيات حكومية تضم متخصصين يقدمون الخدمة بتكلفة غير مرتفعة، كما تنتقد الاعتماد على فكرة الفطرة وحدها في التعامل مع الرضاعة والأمومة، موضحة أن ممارسات كثيرة تغيرت وأصبحت أكثر اعتمادًا على التدخلات الطبية والصناعية، من بينها زيادة معدلات الولادة القيصرية والاعتماد الواسع على الحليب الصناعي.
وبحسب الطويل، تتمثل المشكلة الأساسية في نقص التوعية بالجهات المختصة التي يمكن للأمهات اللجوء إليها، وبكيفية اختيار مقدم الخدمة المناسب، ولذلك تطالب بتمسك الأمهات بحقوقهن في الحصول على رعاية مناسبة داخل المستشفيات ومراكز الولادة، مع ضرورة نشر الوعي بهذا التخصص الدقيق حتى تتمكن الأمهات من الوصول إلى الخدمة التي يحتجن إليها.
وتشير كذلك إلى أن المجال شهد تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وأصبح تخصصًا مستقلًا في الولايات المتحدة بعد أن كان تخصصًا فرعيًا، مؤكدة أن مصر ليست متأخرة كثيرًا عن الدول الكبرى، غير أن التحدي الأبرز يتمثل في زيادة وعي المجتمع بالتخصص وتوسيع نطاق انتشاره.
لكن هذا التصور بشأن استقلال التخصص لا يحظى باتفاق جميع العاملين في المجال الصحي، إذ يرفض علاء غنام، خبير السياسات الصحية ومسؤول وحدة الحق في الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، التعامل مع خدمات الرضاعة الطبيعية باعتبارها ملفًا منفصلًا عن الرعاية المقدمة للطفل بعد الولادة، ويوضح "بصفتي طبيب أطفال، فإن هذا التخصص يقدم للأم الدعم اللازم من نصائح وأدوية ضمن متابعة الطفل بعد الولادة".
ويعترض غنام على استخدام مصطلح "استشاري رضاعة طبيعية"، متسائلًا في حديثه لـ"فكر تاني"، "هل فيه حد معلق يافطة على عيادته إنه استشاري رضاعة طبيعية؟"، موضحًا أن طبيب النساء أو الأطفال أو طبيب الأسرة اعتاد تقديم الاستشارات التي تشجع الأمهات على الرضاعة الطبيعية، وقد تستدعي بعض الحالات تدخلًا طبيًا ووصف الحليب الصناعي للطفل، لكنه لا يرى ضرورة لتقديم هذه الخدمة في صورة جلسات مستقلة تحت مسمى استشاري أو استشارية رضاعة.
وعندما أُثير أمامه وجود جمعية مصرية لاستشاريي الرضاعة الطبيعية، رد غنام بأن أطباء الأطفال والنساء قادرون على تقديم هذه الخدمات من دون الحاجة إلى جلسات مرتفعة التكلفة، مؤكدًا موقفه الرافض للفصل بين الدعم المتعلق بالرضاعة والمتابعة الطبية للأم والطفل.
الرعاية بين النص والتطبيق
وبصرف النظر عن الخلاف بشأن طبيعة التخصص وحدود استقلاله، تظل القدرة على الحصول على الرعاية مسألة ترتبط بالحق في الصحة وتكافؤ الفرص، وهو ما يشدد عليه عبد الفتاح محمود، الاستشاري بمؤسسة قضايا المرأة المصرية، إذ يرى أن ربط الرعاية بالقدرة المادية يتعارض مع التزام الدولة بحماية الحق في الصحة، من خلال توفير نظم تأمين صحي تتيح رعاية متكاملة لغير القادرين، باعتبار ذلك التزامًا دستوريًا يتسق مع المواثيق الدولية التي صدقت عليها مصر، ولا سيما المواثيق المتعلقة بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
ويستند محمود إلى المادة 18 من دستور 2014، التي تنص على أن "لكل مواطن الحق في الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وفقًا لمعايير الجودة، وتلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للصحة لا تقل عن 3% من الناتج القومي الإجمالي، تتصاعد تدريجيًا حتى تتفق مع المعدلات العالمية".
ويقول لـ"فكر تاني"، إن إتاحة هذا الحق تستلزم توفير الخدمة في جميع المناطق، بجودة مناسبة وتكلفة معقولة وآليات وصول واضحة وميسرة، موضحًا أن ضمان وصول الرعاية إلى مستحقيها يرتبط بعدة شروط، يأتي في مقدمتها سهولة الوصول الجغرافي والاقتصادي، فإذا ارتفعت تكلفة الوصول بسبب بعد المنشآت الصحية، خصوصًا بالنسبة إلى النساء في القرى النائية أو أطراف المحافظات، تراجع تحقق الحق في الصحة على أرض الواقع.
ويوضح أن توزيع الوحدات الصحية ينبغي أن يستند إلى الموقع الجغرافي والكثافة السكانية وطبيعة كل منطقة، وفق خطط استراتيجية تضعها وزارة الصحة، غير أن هذا الإطار لا يطبق بالقدر الكافي، في ظل نقص الأطباء وأطقم التمريض وضعف الإمكانات والخدمات داخل الوحدات، إلى جانب غياب كوادر مؤهلة قادرة على تقديم رعاية صحية ملائمة للنساء بتكلفة ميسورة.
وبين الحق في الرعاية الذي تكفله القوانين والخدمة التي تبحث عنها الأمهات، تتجلى الفجوة في تفاصيل يومية لا تحتمل الانتظار، في أم تبكي مع طفلها من شدة الألم، وأخرى كانت مستعدة لدفع تكلفة الاستشارة لو وجدت متخصصًا قريبًا، وثالثة تضطر إلى الاستعانة بأمها وحماتها لأن الكشف يفوق قدرتها. تختلف الطرق التي حاولت بها هؤلاء النساء تجاوز معاناتهن، لكن تجاربهن تضع مسؤولية إتاحة الرعاية في موضعها الأهم، عند الأم التي تحتاج إلى مساعدة موثوقة في الوقت المناسب، من دون أن يحول بعد الخدمة أو ارتفاع تكلفتها دون حصولها عليها.