مر عام منذ تشكيل لجنة تطوير الإعلام في أكتوبر الماضي التي أعلن عنها رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي بعد توجهيات الرئيس السيسي بوضع خارطة طريق لتطوير الإعلام المصري.
التطوير الذي وجه به الرئيس وشكلت له لجان فرعية وانتهت في فبراير الماضي بإعداد تقرير من 93 ورقة صاغ فيه خبراء الإعلام رؤيتهم لتطوير الإعلام وانتهى إلى حوزة ضياء رشوان وزير الدولة للإعلام .
عام كامل مر دون تحرك خطوة واحدة نحو التطوير فيما يشهد الواقع الصحفي والإعلامي أزمات لا تبدأ من تقييد المعلومات ومنع التصوير إلا بإذن والتضييق على العمل الصحفي والإعلامي ولا تنتهي بأزمات قيد الصحفيين وديون المؤسسات الإعلامية والصحف القومية للضرائب والتأمينات.
وليس غريب أن يستهل 66 من خبراء الإعلام المصري التقرير الذي حلصت عليه فكر تاني وتنشره كاملا بخلاصة كاشفة عن أهم أزمة للإعلام المصري إذا يقول الاستهلال:
"الإعلام المقيد لا يصنع رسالة، ولا يدعم نهضة، ولا يؤثر في مواطن، ولا يقنع بإنجاز. الإعلام القوي هو حصن الوطن دفاعا عن كيانه والتعبير عن رسالته بذكاء ومسئولية"
ورغم أن اللجنة صاغت في هذا الاستهلال ملخصا أمينا لقلب كل أزمة يعاني منها العمل الصحفي والإعلامي إلا أن السلطة التي استلمت التقرير تبدوكأنها تمارس سياسة "الجري في المكان" فيما يخص ملف تطوير الإعلام؛ ففي الوقت الذي يتصاعد فيه الحديث عن المؤتمر الوطني للحوار الإعلامي الذي سيُعقد في 3 ديسمبر المقبل لفتح حوار أكبر مع المجتمع، يتيح عرض مختلف الآراء لإثراء النقاش وبناء الوعي، لا يرى المتابعون للملف الصحفي نتائج ملموسة لتنفيذ التقرير النهائي للخطة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري
في المقابل، أعلن ضياء رشوان وزير الدولة للإعلام، منتصف يوليو الماضي، أنَّ مخرجات اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري تمثل المرجعية الأساسية في تحركات الدولة للتطوير في هذا الملف، كاشفاً عن أن الوزارة انتهت من دراسة نتائج وتوصيات اللجنة المعنية بالتطوير، وأعدت تصوراً أولياً للتنفيذ مع الجداول الزمنية.
التقرير بالفعل يكشف عن خطة "طموحة" للتطوير وتتناول العديد من المقترحات والتوصيات والمحاور المهمة التي كان يجب أن تجد اهتماماً واسعاً من العاملين في المجالين الصحفي والإعلامي، لكنَ السجالات الخاصة بقضايا "القيد" والصحفيين الإليكترونيين وانتخابات التجديد النصفي القادمة في نقابة الصحفيين "ابتلعت" كل اهتمام العاملين في الوسط الصحفي وسحبت الأضواء "كاملةً" من الخطة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري.. فما كواليس عمل تلك اللجنة؟ وما أبرز المحاور التي تناولتها خطة تطوير الإعلام المصري؟ وما التوصيات التي اعتمدتها اللجنة في تقريرها النهائي لإحداث تطوير في السياسات الإعلامية والمؤسسات الصحفية القومية وقنوات "ماسبيرو"؟
60 اجتماعاً و175 ساعة عمل في 4 أشهر
يكشفُ التقرير النهائي لخطة تطوير الإعلام المصري عن الجهود الكبيرة التي بذلها الأعضاء في ملف التطوير الإعلامي؛ فاللجنة عقدت 60 اجتماعاً للجان الفرعية، وبلغ إجمالي أعداد المشاركين بها 111 عضواً نظراً لاشتراك بعض الأعضاء في عدة لجان فرعية، بينما استغرقت أعمال تلك اللجان 175 ساعة، وقدمت في مناقشاتها 195 ورقة عمل، وبلغت نسبة حضور أعضاء اللجان 62.2% في جميع اللجان، وشارك بعض الأعضاء في اجتماعات اللجان الفرعية 6 مرات عن طريق تقنية “الفيديو كونفرانس”.
كما عقدت لجنة صياغة المقترحات والتوصيات "10" اجتماعات، بمشاركة بعض رؤساء ومقرري اللجان الثماني في بعض الأحيان، بهدف تجميع الأفكار المتشابهة في أوراق العمل وتحرير التوصيات و"فلترتها" وكتابتها في صيغتها النهائية حتى يظهر التقرير النهائي لتطوير الإعلام المصري في الصورة التي تُرضيّ مَنْ شارك في نقاشات اللجان الفرعية.
ويؤكد التقرير النهائي للجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري، أنه حكم عمل اللجنة طوال ما يقرب من "4" أشهر، التحديد الدقيق لجوهر المهمة الموكلة للجنة، وهي تحديد خريطة لتطوير مسار الإعلام الحكومي والخاص "التقليدي والرقمي" وتجاوز إشكالياته، من خلال خطة تنفيذية محددة متبوعة بمديات زمنية متدرجة وهي: عاجلة في المدى القصير (6 أشهر)، آجلة في المدى المتوسط (18 شهراً)، ومستقبلية في المدى الطويل (3 سنوات فـأكثر)، موزعةً على جوانب متعددة شملت رسم السياسات وتحسين المحتوى وتعميق التحول الرقمي وصياغة المشروعات.
كما استهدفت اللجنة بناء "خريطة طريق" تتضمن تشخيص الأزمات والتحديات القائمة ثم طرحت سبل معالجة تلك الأزمات، عبر "اقتراح" سياسات وإجراءات ومشروعات محددة زمنياً وتمويلياً وموكلة في مسئولياتها إلى جهات معينة تتراوح ما بين “الأعلى للإعلام”، “الوطنية للصحافة”، “الوطنية للإعلام”، ونقابتي الصحفيين والإعلاميين والمؤسسات الصحفية القومية مع مشاركة القطاع الإعلامي الخاص.
وأكدت مخرجات اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري، أنها تصب في اتجاه دعم المشروع الوطني المصري من خلال إعلام رصين مهنياً وسياسياً وهادف اجتماعياً ومؤثر جيلياً ومتوازن اقتصادياً ومنافس إقليمياً مع هيئات ومؤسسات الإعلام المناظرة له في دول المنطقة.
وأوضح التقرير، أنَّ الأهداف الرئيسية للجنة تطوير الإعلام المصري تتلخص في دعم المشروع والارتقاء بالوعي واللحاق بالحداثة وتعزيز التنافسية، وهي النقاط الأربع وثيقة الصلة بعضها ببعض، موضحاً أن المشروع يتطلع إلى إصلاح وتطوير الإعلام المصري، حتى يكون معبراً عن هموم المصريين وتطلعاتهم، لأن الخيار البديل هو “إعلام متعثر وفاقد للمصداقية”.
فضلا عن أن إصلاح وتطوير الإعلام المصري عبر المشروع المقدم يعتمد على بناء الوعي، أو بالأحرى ملء "الفجوات الكبرى" التي أدت إلى تزييف أو تغييب الوعي.
"5” أزمات في السياسة الإعلامية المصرية.. ما سبل النجاة؟
كان واضحاً أنَّ اللجنة قدمت تشخيصاً مهماً وتفصيلياً لواقع وأزمات وتحديات السياسة الإعلامية المصرية، وحددت "5" أزمات في تلك السياسة، مؤكدة في تقريرها النهائي أنَّ تلك الأزمات "استنزفت" ما يملكه الإعلام والصحافة من رصيد تاريخي في مجال بناء القوة الناعمة للدولة المصرية في المنطقة.
وفقاً للتقرير، فإنَّ أولى الأزمات التي حددتها اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري، تتعلق بـ"عدم الثقة العامة" المتبادلة بين أصحاب المصلحة في المجال الإعلامي والصحفي، وهم السلطة التنفيذية ووسائل الإعلام والجمهور، مرجعةً هذا الأمر إلى عدة أسباب مثل: ضعف كفاءة المحتوى الإعلامي، وتراجع القيم المهنية، فضلاً عن سياسات السيطرة والاحتكار وهيمنة الصوت الواحد.
أزمة ثانية تتعلق بـ"تقييد الحريات"، وفي تلك الجزئية أكدت اللجنة أن الإعلام المصري يعاني انخفاضاً حاداً في سقف الحريات، مشيرة إلى أن هذا التقييد أضر بمستوى المهنية والمصداقية، وبالدولة نفسها خاصة أن وسائل الإعلام لم تستطع نقل سردية الدولة في الإنجاز التنموي إلى الجمهور.
أما بقية الأزمات فتتركز في “النموذج الاقتصادي الخاسر” الذي يطارد المؤسسات الصحفية والإعلامية، ثم أزمة “بطء وتشتت المواكبة التكنولوجية” على المستوى التحريري أو التقني أو الأمن السيبراني، فضلاً عن الأزمة الخاصة بـ"تراجع رأس المال المؤسسي والبشري في المؤسسات الإعلامية والصحفية"، لا سيما مع تقادم البنية التحتية سواء لطريقة الإدارة أو الأجهزة الإعلامية أو ماكينات الطباعة.
وخلصت نقاشات وأوراق لجان تطوير سياسات الإعلام إلى عددٍ من الأهداف والمبادئ الأساسية الحاكمة التي تنهض عليها عملية الإصلاح الإعلامي المصري؛ أبرزها: التحول المستقبلي نحو نموذج إعلام الخدمة العامة، واستعادة الثقة بين الدولة والإعلام والمجتمع، وحماية الحريات العامة، والحفاظ على الهوية المصرية وتعزيز التماسك والوحدة المجتمعية، والاستدامة الاقتصادية وتحويل المؤسسات إلى كيانات متوازنة مالياً من خلال استثمار أفضل للأصول وابتكار مصادر جديدة للإيرادات.
ومن المبادئ الأخرى التي قدمتها اللجنة في تقريرها: تحقيق التحول الرقمي الشامل، والاستقلالية التنظيمية للمؤسسات الإعلامية، وتوخي مبدأ العدالة في الرسالة الإعلامية، وتجنب التمييز في التغطيات الصحفية، والتزام المؤسسات بمبدأ الإدارة الرشيدة والكفاءة في استخدام الأموال العامة، ورفع كفاءة العاملين في المجالين الصحفي والإعلامي، واعتماد مبدأ الجدارة المهنية في اختيار الكفاءات، وإعمال مبدأ المساءلة عبر الالتزام بالمادة “18” من قانون تنظيم الصحافة والإعلام التي تنص على أن النقابات المهنية هي المنوطة بمساءلة الصحفي أو الإعلامي “تأديبياً” إذا أخل بواجباته المنصوص عليها في القانون أو ميثاق الشرف المهني، ثم مواكبة الإعلام للتغيرات التكنولوجية دون الخضوع لانحياز الخوارزميات.
وتوزعت مقترحات اللجنة لتطوير السياسات الإعلامية على عدة نقاط مثل “المجال التشريعي”؛ ويتحقق ذلك عبر بناء المدونات والأدلة العامة الإعلامية والصحفية، وإطلاق ميثاق الشرف الصحفي والإعلامي، توسيع حماية الصحفيين والإعلاميين، تخفيف القيود عن العمل الصحفي، منع الممارسات الاحتكارية في مجال الإعلام، تعديل قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 180 لسنة 2018، تقديم مقترح بمشروع قانون لمنع الحبس في قضايا النشر والعلانية، وإجراء تعديلاتٍ على قانون الهيئة الوطنية للصحافة.
وفي الجزئية الخاصة بـ"مجال التمويل والاستثمار" وضعت اللجنة عدة مقترحات مثل: تأسيس آليات مركزية لحماية حقوق الملكية الفكرية، تخفيف الأعباء المالية عن المؤسسات الصحفية والإعلامية، توسيع سياسة استثمار الأصول في المؤسسات الصحفية القومية، تأسيس عدة صناديق لدعم وتمويل الإعلام، تطوير سياسات الإعلان في السوق المصرية، تطوير سياسة الإنتاج الدرامي وبرامج القنوات.
ومن مقترحات اللجنة في “المجال الرقمي”: إدخال إطار قانوني يسمح بتحويل البنية التقليدية إلى رقمية، تأسيس بنية تحتية رقمية وطنية للمجال الإعلامي والصحفي، تبني سياسة موحدة لرقمنة الأرشيف الوطني، بناء استراتيجية وطنية للهوية الرقمية والبصرية، بناء ضوابط عامة لإدماج التكنولوجيا في إدارة التحرير للمؤسسات الإعلامية والصحفية، وضع ضوابط عامة لتنظيم العلاقة بين المؤسسات الصحفية ووسائل التواصل الاجتماعي، مكافحة التضليل والتزييف ونشر الشائعات، وتطوير سياسة التفاعل الرقمي مع الجمهور.
وفي مجال المحتوى الإعلامي، وضعت اللجنة عدة مقترحات منها: تفعيل سياسات إعادة الهيكلة سواء للإصدارات أو القنوات، صياغة سياسة إعلامية عامة للتعامل مع الشئون الخارجية، تبني سياسة إعلامية عامة لقياس فاعلية المحتوى الإعلامي والصحفي.
وفي مجال “سياسات الموارد البشرية”، اقترحت اللجنة إطلاق خطة وطنية لتأهيل الكوادر الصحفية والإعلامية، إلزام المؤسسات الإعلامية بالحد الأدنى للأجور، تبني مدونة وطنية لاختيار القيادات الصحفية والإعلامية، ودراسة أوضاع الصحفيين والإعلاميين المحبوسين احتياطياً.
مقترحات تطوير المؤسسات الصحفية القومية
قدَّمت اللجنة في محاورها الكثيرة الموزعة والممتدة بالتقرير النهائي لتطوير الإعلام المصري، مقترحاتٍ كثيرةً للنهوض بأوضاع المؤسسات الصحفية القومية باعتبارها إحدى أذرع القوة الناعمة للدولة المصرية، ومن تلك المقترحات المهمة: تطوير مضامين وتوجهات السياسات التحريرية عبر الانتقال من الخطاب الرسمي إلى القومي العام المستوعب لمختلف الاتجاهات في الدولة والمجتمع، مقترحةً تطوير المحتوى خاصة الصفحة الأولى وتعميق صفحة الرأي، وإظهار الميزة النسبية لكل صحيفة، وإعادة الاعتبار للصحافة المتخصصة، مع دراسة تأسيس وحدة لـ"تقييم المحتوى والأداء الدوري" داخل كل مؤسسة صحفية قومية بالتعاون مع لجنة التطوير المهني بالهيئة الوطنية للصحافة، فضلاً عن بدء دراسة إنشاء غرف الأخبار المدمجة، وتأسيس وحدات إنتاج فيديو وصحافة البيانات ورفع كفاء تناول المحتوى الخدمي الجماهيري الذي يناقش مشكلات الحياة اليومية.
وفي المحور الخاص بـ"توسيع سياسة استثمار الأصول"، اقترحت اللجنة تحويل بعض المقار إلى مراكز تدريب أو منصات للإنتاج الرقمي، أو استثمار الأرشيف الصحفي، مع دفع الأنشطة الاستثمارية التي تدر أرباحاً بما يحقق التوازن الاقتصادي، على غرار المشاريع التعليمية والرياضية في مؤسستي “الأهرام” و"أخبار اليوم"، مع دراسة استثمار الأراضي التابعة لمؤسسات روز اليوسف ودار المعارف ووكالة أنباء الشرق الأوسط لاستغلالها في مشاريع تدر عوائد تدعم المواقف المالية لتلك المؤسسات على المدى الزمني الطويل.
وكان لافتاً أنَّ تقرير اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام، قدَّم في الجزء الخاص باستغلال الأصول التابعة للمؤسسات القومية، قدَّم جزءاً مهماً يتعلق بقطع الأراضي المملوكة لمؤسسات الأهرام وأخبار اليوم ومؤسسة دار التحرير ودار المعارف ووكالة أنباء الشرق الأوسط وروزاليوسف وبعض المشروعات التي تنفذ على بعضها.
كما اقترحت اللجنة في تقريرها، الانتقال إلى نموذج الشركات الإعلامية وإعلام الخدمة العامة، بدراسة تحويل الصحف القومية إلى “شركات إعلامية” قادرة على المنافسة والتسويق الإعلامي (مشروع مؤسسة الأهرام)، من خلال إعادة هيكلة شاملة للمؤسسات الصحفية القومية عبر الاستقلال التنظيمي والتوازن المالي، والتطوير التحريري والإداري وتأسيس غرف أخبار مركزية للمواد الصحفية والرقمية والمسموعة والمرئية، وإخضاع الصحفيين لتدريب احترافي وتأسيس استديو في المؤسسات الصحفية للإنتاج التليفزيوني، وإعادة هيكلة قطاعات الموارد البشرية، فضلاً عن تخفيف الأعباء المالية عن تلك المؤسسات عبر اقتراح تشريع بإسقاط “الضرائب” عن المؤسسات الصحفية القومية مع دفع "أصول التأمينات" دون فوائد، ما يخفف من الديون المتراكمة ويسمح لتلك المؤسسات بالتطوير في الاداء والمحتوى.
وشمل التقرير ضمن مقترحات تطوير المؤسسات الصحفية القومية، مقترحاً خاصاً بتشكيل “فريق تطوير” في كل مؤسسة، على أن يتألف هذا الفريق من مجموعة منتقادة من الصحفيين في الأقسام المختلفة، على أن تكون مهمتهم اليومية طرح الأفكار الخلاقة وزوايا جذابة للأخبار تراعي طبيعة كل وسيلة والاستخدامات البصرية في عرض المحتوى.
ولتحقيق "العُمق" في الصحافة المطبوعة، اقترحت اللجنة تأسيس فريق لـ"الصحافة الاستقصائية"، يقدم خدمة صحفية رصينة للقراء تعالج قضايا المجتمع، وتَنفذ للمشكلات من خلال منهجية الاستقصاء التي تلتزم بآليات محكمة من الاستكشاف والبحث، وتنطلق من فرضيات تتعلق بأزمات الشارع التي تمس المواطنين.
ولتطوير المحتوى الرقمي، أكدت اللجنة ضرورة دمج المنصة الرقمية مع الإصدار الورقي الرئيسي داخل المؤسسات الصحفية القومية والتخلي عن الوضع المعطَل الحالي، لضمان رؤية تحريرية واحدة، وتعظيم الاستفادة من الموارد وتعزيز المنافسة على أن تدار بعقلية متطورة تضع “الرقمي” في المقدمة، وتتصالح مع تغيرات البيئة الإعلامية، وتراجع “القرائية” للصحف وأنماط استهلاك المحتوى على المنصات الرقمية الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي.
كما اقترحت اللجنة “رقمنة الأرشيق الورقي للصحف القومية باستخدام تقنية ocr”، عن طريق تحويل الأرشيف الورقي لقاعدة بيانات رقمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي قابلة للبحث والتحليل التاريخي، وإتاحتها عبر رسوم للباحثين والمؤسسات، وإعادة هيكلة الإصدارات المتشابهة، واستكمال تأسيس "الذراع البحثية" في المؤسسات، بحيث يتم تطوير مركز الجمهورية للدراسات الاستراتيجية في دار التحرير، وبلورة دور جوهري لمركز الدراسات في مؤسسة أخبار اليوم، ليشكلا مع مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية “ثلاثياً بحثياً”، خاصة أنَّ هناك حاجة ماسة للتكامل بين العمل البحثي والعمل الصحفي.
ومن المقترحات في التقرير: إنهاء ملف العمالة المؤقتة وضخ دماء جديدة خاصةً في ضوء محدودية الكوادر الصحفية والتكنولوجية المؤهلة في ظل ارتفاع متوسط الشرائح العمرية بالمؤسسات الصحفية القومية، مقترحاً ضم عناصر من طلاب أقسام الإعلام بالجامعات المتميزة الذين يجيدون اللغات ويمتلكون مهارات التعامل مع التكنولوجيات الجديدة، ومَنْ لديهم دراية بالفنون الصحفية الحديثة، وفي هذا السياق يمكن تشكيل وحدة للإشراف على اختيار هذه العناصر وتوزيعها على المواقع المطلوبة على أن يتم التعامل معهم بنظام محدد للمكافآت والإنتاج.
وفي الجانب الخاص بمشروعات الإعلام الرقمي، اقترحت اللجنة “إطلاق نظام اشتراكات موحد Premium للصحف القومية”، ما يعني توحيد الاشتراكات الرقمية للصحف القومية في منصة واحدة تتضمن محتوى حصرياً و"داتا" معمقة وتقارير بحثية للمؤسسات والشركات ورجال الاقتصاد والمستثمرين والغرف الصناعية التجارية والمعاهد العلمية والسفارات العربية والأجنبية، ما يزيد العائد ويسهل على القارئ الوصول للمحتوى.
كما اقترحت الارتقاء بالبنية التحتية الرقمية داخل المؤسسات الصحفية القومية، وإنشاء قاعدة بيانات مركزية للصور الوطنية في الصحف القومية وترخيص استخدامها.
محاور النهوض بأوضاع “ماسبيرو”
وشمل التقرير النهائي للجنة تطوير الإعلام المصري، مقترحاتٍ كثيرةً لإصلاح أوضاع “ماسبيرو”، على رأسها إطلاق مشاريع متطورة للتحول الرقمي، وتأسيس قناة متخصصة لـ"ماسبيرو" على يوتيوب، من خلال شركة لإدارة القناة بنظام تقسيم العوائد، تحت مسئولية “الأعلى للإعلام” والهيئة الوطنية للإعلام مع استثمار مقتنيات ماسبيرو مثل الحفلات والخطب السياسية التاريخية البارزة باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وتزامناً مع التطورات الرقمية والتكنولوجية الحالية، شملت مقترحات اللجنة إنشاء وحدة مركزية لـ"السوشيال ميديا" لقنوات ماسبيرو، وإطلاق منصات “بودكاست” تابعة للإذاعة المصرية، والتوسع في بث الإذاعات عبر التطبيقات والمنصات الرقمية من خلال إشراف “الوطنية للإعلام”، على أن يتم تمويل تلك المشاريع عبر شراكات وأنظمة رعاية مع شركات التكنولوجيا مقابل حصولها على نسبة من الإعلانات.
ومن المقترحات الأخرى: إنشاء غرفة موحدة للأخبار في "ماسبيرو" تدمج بين البث التليفزيوني والإنتاج الرقمي، وتحديث “ماسبيرو” بالاستديوهات والكاميرات الذكية وأنظمة إضاءة حديثة مع ربطها بالتحول الرقمي، وتطوير منصة موحدة لمشاركة المحتوى بين المؤسسات الإعلامية على أن تسمح بتبادل الصور والفيديوهات والانفوجراف بين تلك المؤسسات بما يوفر تكاليف الإنتاج المتكرر.
وعلى المدى الطويل (3 أعوام)، اقترحت اللجنة إعادة هيكلة القنوات المحلية والدولية، عبر تطبيق رؤية الهيئة الوطنية للإعلام، ودراسة الخيارات المختلفة للتعامل مع القنوات التليفزيونية الموجهة خاصة للمحافظات لتحقيق الرشادة الاقتصادية، وبناء تواصل فعال مع المجتمعات المحلية من خلال تطوير محتوى وبرامج وخدمات تلك القناة في أقاليم مصر بما يلائم الجمهور.
وفي المحور الخاص بالمشروعات المستمرة، اقترحت اللجنة الرقمنة الشاملة لـ"أرشيف ماسبيرو" وإدارة الحقوق الرقمية “drm”، من خلال بلورة منظومة موحدة لرقمنة المكتبات التليفزيونية والإذاعية وحماية المحتوى وإتاحته تجارياً لتعظيم العوائد.
خطة طموحة في "التحول الرقمي”
وشمل تقرير اللجنة عدداً كبيراً من المقترحات المهمة في مجال التحول الرقمي، باعتباره يمثل لوسائل الإعلام المختلفة في مصر الطريق الوحيد للاستجابة لتحديات العصر، مع الأخذ في الاعتباره “تباين” واقع تلك الوسائل فيما يخص علاقتها بتكنولوجيا الاتصالات والذكاء الاصطناعي.
وكشف تقرير اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام، عن أنَّ الخريطة المقترحة في مجال “التحول الرقمي” تسعى إلى نقل الإعلام المصري من إدارة الأزمة إلى إدارة القيمة، وصولاً إلى الريادة والاستدامة، دون تحميل الموازنة العامة للدولة أعباء إضافيةً، مع تعظيم العائد الاقتصادي والقوة الناعمة المصرية عبر مراحل زمنية متتابعة.
وقبل تقديمها لتلك المقترحات المهمة، أكدت اللجنة أن تحليل واقع البيئة الإعلامية المصرية يكشف عن “3” أنماط تشكل ملامح درجات التحول في صناعة الإعلام بفعل التكنولوجيا؛ أما النمط الأول فيتعلق بمؤسسات لم تتحول رقمياً “ماسبيرو وبعض الصحف القومية نموذجا”، النمط الثاني يتعلق بمؤسسات لديها مشروع لكنها تواجه تعثراً في الوصول إلى التحول الرقمي نتيجة ضعف البنية التحتية، لافتةً إلى أنَّ ما حققته في ذلك المجال ليس تحولاً رقمياً كما يظهر في بعض منصات الصحف القومية الرقمية، أما النمط الثالث فهو مؤسسات تحولت رقمياً، وتتجدد حسب الإمكانيات المتاحة والمبادرات؛ وتمثلها شركات الإعلام الخاص، لكنها تحاول اللحاق بثورة التغيير الأخيرة المرتبطة بدمج الذكاء الاصطناعي عبر معايير رشيدة.
ومن مقترحات اللجنة لـ"تطوير التحول الرقمي": تشكيل مجموعة عمل وطنية لحماية محتوى وسائل الإعلام لتعزيز العوائد الاقتصادية، تدريب الصحفيين والإعلاميين على الاستخدام الرشيد لأدوات الذكاء الاصطناعي، التعاقد مع شركات الاتصالات لتنظيم بث القنوات التليفزيونية في “الكومباوندات” للحفاظ على حقوقها، إطلاق وحدة وطنية مشتركة لتدقيق المعلومات (fact checking" على أن تجمع تلك الوحدة صحفيين متمرسين وخبراء استخدام أدوات متقدمة للتحقق من الأخبار المتداولة وتبيان الحقائق للجمهور وحمايته من الأخبار الزائفة.
ومن المقترحات الأخرى: تأسيس منصات رقمية إعلامية احترافية موجهة لجمهور منصات التواصل الاجتماعي؛ لتكون رافداً جديداً للإعلام المصري، وكذلك تأسيس “مؤشر مستقل” لقياس المشاهدات وبحوث الرأي العام، فضلاً عن مقترح اللجنة بإنشاء سحابة للإعلام المصري ومركز بيانات موحد، على أن تشمل تلك البنية السحابية المركزية التخزين والأرشفة والتحرير السحابي من أجل خفض التكاليف.
كما اقترحت اللجنة، إنشاء منصة CMS وطنية موحدة لإدارة وإنتاج المحتوى، أي بناء منصة مركزية لإدارة النشر والتحرير للمحتوى، على أن تدير تلك المنصة جهة مستقلة تربط المؤسسات الإعلامية ببنية تقنية موحدة تضمن سرعة النشر وتخفض التكلفة، على أن يبدأ تنفيذها ضمن مشروع “الكلاود الوطني” (24 شهرا).
لـ"البودكاست” و"التريند".. ماذا اقترحت اللجنة؟
وفي سياق الحديث عن المشروعات الإعلامية، اقترحت اللجنة "إطلاق منصة وطنية للبودكاست" تجمع إنتاج المؤسسات الإعلامية، وهي منصة مركزية تعرض كل برامج “البودكاست” المنتجة داخل المؤسسات الإعلامية، وتقدم توصيات للمستمعين وفق "الخوارزميات" ما يزيد الانتشار والعائد عبر الإعلانات الصوتية، موضحة أنه يمكن تدبير تمويلها عبر نماذج تقاسم أرباح تلك الإعلانات مع المؤسسات المشاركة، إضافةً إلى رعايات من شركات الاتصالات، ويمكن أيضاً إطلاق اشتراكات مسبقة لمحتوى حصري يمول تطوير المنصة المستمر.
واقترحت اللجنة أيضاً، تأسيس وحدة وطنية لرصد التريند “Trend Spotting” وتحليل الرأي العام لحظياً، باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم تقارير للمؤسسات الإعلامية تساعدها في فهم تغيرات الرأي العام والتفاعل السريع مع الأحداث، ويتم توفير التمويل عبر بيع التقارير التحليلية للقطاع الخاص والبنوك والمؤسسات الاقتصادية، إضافةً إلى شراكات مع الجامعات التي تستفيد من البيانات في أبحاثها.
وشددت اللجنة في نهاية تقريرها، على ضرورة أن يكون لدى الدولة "خلية أزمة إعلامية” تضم شخصياتٍ من خلفياتٍ تعليميةٍ مختلفة، ويعملون في هيئات ومؤسسات متنوعة، وتكون تلك الخلية قادرة على التعامل مع الأزمات الطارئة، من واقع معرفة وإلمام كامل بالجوانب السياسية والدبلوماسية والجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية…، ويُمكن من خلال تصوراتها وضع سيناريوهات للتعامل الإعلامي مع تلك الأزمات الطارئة بسرعة وكفاءة ومهنية ومصداقية تضمن استمرار اعتماد المواطن على وسائل الإعلام مصدراً موثوقاً فيه للمعلومات والأخبار.
وأكدت اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري، أن تقريرها النهائي أو خطة العمل التي قدمتها قادرة على وضع أساسات إعلام مصري أصيل وحديث، مرن ومستدام، حر ومسئول، كفء ومؤثر، لافتةً إلى أنها تقدم تلك الخطة وهي تدرك أن الإصلاح الحقيقي لن يتحقق بتغيير الأدوات، أو تغيير الشخصيات، بل بتغيير السياسات التي من شأنها تجديد وتحديث العقد الاجتماعي بين الدولة والإعلام، وبين الإعلام والمواطن، وكذلك بين الدولة والمواطن، وهي دعوة لولادة جديدة يتحول التشخيص فيها إلى فعل، والقلق من المستقبل إلى رؤية استشرافية محكمة.
وختمت اللجنة تقريرها بالتأكيد على أنَّ "إصلاح أو تطوير الإعلام المصري لم يعد خياراً أو ترفاً، بل ضرورة حتمية لضمان الأمن القومي، وحماية النسيج المجتمعي، وبناء رأس مال بشري وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن والإعلام واستشراف مستقبل ربما بدأ بالفعل.