بعد صمت طويل وابتعاد عن العمل السياسي، ومع تجدد الحديث عن مستقبل المعارضة في مصر، يتحدث ابن ثورة يناير وأحد وجوه تيار الأمل، حسام مؤنس، عن رؤيته للمعارضة وسبل خروجها من أزمتها. ويوضح في حوار خاص مع "فكر تاني" أن جماعة الإخوان المسلمين ليست جزءًا من مستقبل هذا البلد، ويرفض وجود أي تيارات ذات مرجعية دينية.
ويتوقف السياسي والكاتب الصحفي أمام العقبات التي تواجه المعارضة المصرية، بدءًا من الحصار الذي تفرضه السلطة، مرورًا بأزماتها الداخلية، وصولًا إلى هشاشة بنيتها التنظيمية، وضعف التنظيمات، وتراجع البرامج والأفكار. ولا يتمنى مؤنس، الذي كان جزءًا من الحملة المناهضة لتعديل الدستور عام 2019، تكرار التجربة نفسها قبل الانتخابات الرئاسية في 2030، معتبرًا أن الاستقرار يتحقق عبر تداول السلطة، ومشددًا على قدرة مصر على تقديم بدائل، ومشيرًا إلى إمكانية توافق المعارضة على مرشح واحد إذا تغير المناخ السياسي.
إلى نص الحوار:
لماذا اختفيت فترة بعد الحوار الوطني؟ ماذا كنت تفعل؟
أمارس حياتي بشكل طبيعي، ولا أفعل شيئًا مميزًا. كنا منخرطين في تفاعلات الحوار الوطني، وكانت لدينا وقتها بعض الأفكار التي خابت للأسف، كما خابت كثير من الطموحات والآمال. ومنذ ذلك الحين، نتابع المشهد العام مثل أغلب المواطنين.
هل أصبت بخيبة أمل من الحوار؟ وهل ندمت على المشاركة فيه؟
لا، لم أندم على الإطلاق. لا أعلم إن كانت هذه ميزة أم عيبًا، لكني من الأشخاص الذين لا يندمون على أشياء قاموا بها. ولو تكررت الظروف نفسها في سياقها، أظن أنني سأختار الاختيارات ذاتها، بما في ذلك المشاركة في الحوار الوطني. في تلك الظروف والسياق، كنت سأميل إلى الخيار نفسه، لكن نتائجه بالتأكيد مخيبة لآمال أي شخص كان لديه ولو ذرة رهان على أن الحوار قد يدفع بنا إلى الأمام، ولو مربعًا واحدًا، وليس نقلة عظيمة.
ألم نتقدم خطوة؟
في رأيي لا. نحن في المربع صفر كما كنا، وكل ما جرى كان مجرد تحسين في الشكل لم يستمر. حتى الأمور التي بدت أفضل قليلًا من حيث المظهر لم تدم.
مثل ماذا؟
مثل ملف سجناء الرأي، وهو أحد أهم الملفات والدوافع التي جعلت كثيرين يراهنون على أن الحوار الوطني قد يحدث انفراجة حقيقية فيه. وقد أحدث بالفعل قدرًا من الانفراجة بالنسبة إلى أسماء كثيرة، من بينهم أنا شخصيًا، واستمر هذا النهج لفترة ثم توقف، ولا أحد يعلم السبب. لماذا يُقبض على أشخاص جدد؟ وبأي معايير يخرج آخرون أحيانًا؟ أين ذهبت لجنة العفو التي كانت موجودة؟ لا أحد يعلم.
هل انزويت؟ هل قررت الانسحاب من المشهد السياسي؟
لا، ليس قرارًا بالانزواء أو الانسحاب. لكن يمكنك القول إن ممارسة الشخص ما يقتنع به بصدق مع نفسه لم تعد متاحة في الأجواء الحالية. عندها سيضطر إلى أحد أمرين، إما أن يعبر عن آرائه بشكل فج، وربما لا يكون ذلك مناسبًا، ليس لأمانه الشخصي فقط، وإنما لأوضاع البلد عمومًا، لأن هذا الإغلاق الشديد لا يمكن مواجهته إلا بالصدام، وأنا أرى أن الصدام ليس في مصلحة البلد.
وما شكل هذا الصدام في تعريفك؟
بمختلف أشكاله. ولهذا كنت أقول لك إن الأمر قد يصل إلى درجة يصبح معها التعبير فجًا، أو يضطر الشخص إلى طرق وأساليب أخرى لا تليق بصدقه ومصداقيته مع نفسه، لمجرد أن يكون موجودًا في موقع أو مكان ما.
تقصد تقديم تنازلات؟
ليس لدي مشكلة مع التنازلات في السياسة، لكن مشكلتي تتعلق باتساق الإنسان مع نفسه وقناعاته وما يقوله. للأسف، كثيرون لا يحافظون على ذلك في السنوات الأخيرة، ولهم عذرهم بطبيعة الحال. فأنا لست ممن يهاجمون من يوجدون في هذه المساحة، لكني لا أستطيع فعل ذلك.
وبالعودة إلى سؤالك، الأمر ليس انزواءً أو انسحابًا، وإنما بحث عن مساحة يمكن فيها ممارسة ما يُسمى بالسياسة من حيث المضمون لا الشكل. السياسة تعني أن تكون حرًا في التعبير عن رأيك، وحرًا في التواصل مع الناس، وبناء تنظيم، والتحرك. وأرى أن كل ذلك يواجه قيودًا في الأوضاع الحالية.
ما الفرق بين تقديم التنازلات وبين التحرك بشكل قد لا يكون متسقًا مع أفكارك؟
الفرق هو أن التنازلات بمعنى المواءمة أمر متاح، ولا مشكلة فيه طوال الوقت في السياسة. أما التنازلات بمعنى أن تخسر ما تعبر عنه أو تتخلى عن أفكارك وما تتسق معه مقابل مصالح، ولا أقول مصالح شخصية فقط، وإنما مصالح تخصك أو تخص جماعتك أو التكوين الذي أنت جزء منه، فهذا ما أختلف معه.
في هذه الأجواء، هل ما زال لديك أمل وحلم؟
بالتأكيد.
أين تجد هذا الأمل؟
أحيانًا لا تكونين قادرة على الإمساك بالأمل بشكل مادي، لكنك قادرة على التمسك بروحه. لنتذكر كيف كانت مساحة الأمل محدودة قبل 25 يناير، ولم يكن أحد يتوقع ما حدث. وعندما حكم الإخوان المسلمون لمدة عام تقريبًا بعد 25 يناير، ورغم كل التفاعلات السياسية، كانت هناك لحظات كثيرة لم يكن أحد يتوقع فيها القدرة على التخلص من حكمهم بهذه الطريقة.
الظروف صعبة حاليًا، ولكي أكون واضحًا جدًا، رغم حديثي عن الصدام، فأنا لست مع الذهاب في هذا الطريق، ولا مع تكرار تجربة 25 يناير في ظل وضع البلد والإقليم الحالي. ومع ذلك، أرى أن الأمل موجود حتمًا. أين يوجد؟ عند الناس، والأجيال الجديدة، وفي قطاعات غير ظاهرة على السطح بسبب الإغلاق الشديد.
أنا متمسك بأن هذا البلد يستحق أكثر من ذلك، وفيه كفاءات وناس قادرون على تقديم إبداعات جديدة أفضل بكثير مما رأيناه من قبل.
بعد فترة ترقب ومحاولة لقراءة المشهد، بدأت بالعودة، وشاركت في فعالية حزبية وكتبت مقالًا مهمًا عن المعارضة وضرورة ألا تظل أسيرة لمعارضة عصر مبارك. عن أي معارضة كنت تتحدث؟ هل تقصد جبهة أو تكوينات معينة، أم من هي المعارضة في رأيك؟
هل لدينا معارضة؟ بالطبع لدينا معارضة. هذا البلد، كما لا يخلو من الكفاءات، لا يخلو من المعارضة بالتأكيد. لكن النقطة هي أن المعارضة المجتمعية لدينا أوسع من المعارضة المنظمة، وهذا يكشف مشكلة تتعلق بمدى قدرة المعارضة المنظمة وإمكاناتها على استيعاب طاقات جديدة، ومشكلة أخرى ترتبط بالقيود المفروضة عليها، والتي تمنعها من التفاعل مع المعارضة المجتمعية.
ماذا تقصد بالمعارضة المجتمعية؟
أقصد قطاعات المجتمع المتنوعة والمتعددة التي تفرز مشكلات مرتبطة بسياسات البلد كل يوم. على سبيل المثال، أهالي جزيرة الوراق يمثلون قطاعًا مجتمعيًا، فهل هناك شيء يعبر عنهم في التنظيمات السياسية المحسوبة على المعارضة؟ الحقيقة لا. لدينا أيضًا أزمة العدادات الكودية للكهرباء مؤخرًا، فهل هناك ممثلون عن المتضررين داخل التنظيمات السياسية؟
ليست ممثلة، أم أن المعارضة لا تتفاعل مع مطالب هؤلاء الناس؟
الأمران معًا. من أهم أركان السياسة أن أصحاب المصلحة هم من يعبرون عن القضايا التي تخصهم. صحيح أن الأحزاب السياسية تختار قضايا وقطاعات بعينها لتعبر عنها، لكن إذا لم يكن في قلبها أشخاص ينتمون إلى تلك المشكلات، فلن تتمكن من التعبير عنها بالدرجة الكافية.
لا يكفي مثلًا أن تنظم بعض الأحزاب ندوات عن قانون الإيجار القديم، وإذا لم تنجح في تحويل القضية إلى كتلة منظمة تعبر عنها، حتى وإن لم تكن جزءًا من التنظيم الحزبي نفسه، فلن تصل إلى شيء.
إن كان هناك حزبان أو 3 أحزاب لها ممثلون في البرلمان وطرحوا هذه القضايا عبر أدوات رقابية، ألا تعتبرهم معبرين عن الناس؟
المشكلة تتعلق بمدى جدية البرلمان وفاعليته في ممارسة دوره، وليس بمجرد قول الكلام. مع كامل تقديري واحترامي للنواب المعارضين، الذين لا أشكك في إخلاصهم ولا وطنيتهم ولا انتمائهم إلى الخط الذي يعبرون عنه، فإن رأيي، للأسف الشديد، أن الطريقة التي هُيكل بها البرلمان تجعل النائب المعارض كأنه يكتب منشورًا على فيسبوك من دون أثر، شأنه شأن أي طالب جامعي أو باحث أو صحفي يكتب كلمتين على مواقع التواصل.
أليس هذا لأن الجزء الآخر من المعارضة ترك هذه المجموعة تدخل البرلمان بسياقه السياسي والقانوني والنظام الانتخابي بمفردها من دون تنسيق، ومن دون تقديم تنازلات، ليكون الصوت حاضرًا في البرلمان بحيث يتضاعف عددهم مثلًا بدلًا من أن يكونوا نحو 20 نائبًا؟
أختلف تمامًا مع هذا الطرح. لا أريد الغوص كثيرًا في مساحة الخلافات بين أطراف المعارضة، لأنها ليست الأولوية، لكن ما تقولينه يشبه شعار "يا نعيش عيشة فل يا نموت إحنا الكل"، وأنا لا أنوي الموت مع من اختار الموت بطريقة غير صحيحة.
من الذي يموت؟ من دخل البرلمان؟
طبعًا.
كيف؟
ما الغرض من الوجود في البرلمان؟ أن يكون لك صوت مسموع وأثر ملموس، أليس كذلك؟ أنت ليس لديك صوت مسموع ولا أثر. وفي مقابل ذلك، ماذا فعلت؟ فرغت فكرة المعارضة من مضمونها، أي أنك قبلت، وليست المرة الأولى، بالتحالف مع قوى محسوبة على السلطة بشكل مباشر وواضح.
هذه القوائم صُنعت وفق ترتيبات لا تقوم على توافق سياسي، وإنما على أيدي أجهزة معبرة عن السلطة وإرادتها. ومن يتخيل أنه لو قبلت كل المعارضة بذلك لكان الـ20 نائبًا أصبحوا 30 مثلًا، فالحقيقة لا. هذه الكوتة مخصص لها 20 مقعدًا فقط، ومن النوع الذي تستطيع السلطة وأجهزتها التعامل معه، مع اعتذاري عن استخدام هذا التعبير.
السلطة تتعامل معهم؟
هيثم الحريري مثلًا، ألم يكن نائبًا سابقًا؟ ومع ذلك مُنع من المنبع من خوض الانتخابات، وهناك آخرون مثله. الاختيار "بالشوكة والسكينة" وعلى المقاس الذي قبلت به المعارضة للأسف، مقابل حصص معينة، هو طريقة لا تليق بالمعارضة وتفرغ السياسة من معناها.
كما أنها تحول الانتخابات إلى مجرد شكل بلا جمهور وبلا ناس. النائب هنا لم يأتِ بإرادة الناس الذين اختاروه، وهذه مشكلة ستؤثر على أداء الحزب والنائب. لماذا أختار الموت بهذه الطريقة؟ ولماذا آخذ مكانًا لن يحقق الغرض منه، ولن يجعلني نائبًا بحق، أو قادرًا على الدفاع عن القضايا الحقيقية، أو يجعل صوتي مؤثرًا داخل القاعة؟
لماذا لا يدافعون عن القضايا الحقيقية؟ لدينا تجارب ونواب موجودون، وحتى وإن لم يكن هناك أثر مباشر للأدوات الرقابية أو مشروعات القوانين.
لماذا لم نسأل أنفسنا لماذا لا يوجد أثر؟
لأنهم أقلية.
فقط؟ ألم يكن هناك في السابق نواب أقلية يستطيعون استخدام الأدوات الرقابية ويكون لها أثر؟
هم يستخدمونها حاليًا.
معنى استخدامها سابقًا أن استجوابًا كان يُقدم، فيقف الوزير أمام المجلس بناءً على طلب نائب معارض، وكان معارضون ينجحون في تقديم مشروعات قوانين. هذا كان يحدث سابقًا ولم يعد يحدث الآن.
يقدمون حاليًا أدوات ورسائل رقابية ومشروعات قوانين. أما مسألة تنفيذ الحكومة للتوصيات، فتلك قصة أخرى. النواب يقدمون الأدوات، فهل المطلوب من النائب أن يكون ضامنًا للنتائج؟
لا طبعًا. كما قلت لك، لا أريد التركيز على الخلاف بين المعارضين وبعضهم. النواب محمد فؤاد، ومها عبد الناصر، وضياء الدين داود، وأحمد فرغلي وغيرهم نماذج محترمة داخل البرلمان، لكن تعليقي يتجه إلى الاختيار السياسي للأطراف، والطريقة التي شُكل بها هذا البرلمان، والقوانين والمناخ العام الذي تُجرى فيه هذه الانتخابات، وكأنها انتخابات حقيقية. هذا هو موضع الخلاف، وليس أداء النواب في حد ذاته، رغم انعكاس الظروف عليهم.
إذن هناك قطاع من المعارضة قبل بهذا السياق وتعامَل معه، وقطاع آخر رافض له. ماذا يفعل القطاع الرافض؟
المعارضة بأكملها لا تفعل شيئًا، سواء من هم داخل البرلمان أو خارجه، ومن لديهم أفكار ومن ليس لديهم. للأسف، الجميع عاجز منذ سنوات لأسباب يتعلق كثير منها بسياسات السلطة والحصار المفروض، لكن بعضها، ولا أقول أغلبها، يرتبط ببنية هذه الأحزاب وقدرتها على التجدد، وقياداتها التنظيمية، وإمكاناتها في تطوير أدواتها، بدلًا من الاكتفاء بإصدار بيان أو التفكير في مظاهرة، رغم أن مسألة المظاهرات أيضًا فيها عجز شديد.
يضاف إلى ذلك فقدان الأحزاب لدمائها الحيوية من قطاعات وأجيال مختلفة على مدار السنوات الماضية. فمنهم من سافر، ومنهم من حُبس، ومنهم من فقد الشغف والأمل. هناك أسباب موضوعية وأخرى ذاتية تخص القوى المعارضة وقدرتها على تطوير نفسها والانتقال من مربع إلى آخر.
ذكرت في المقال أن المعارضة تتحمل قطعًا مسؤولية عما آلت إليه الأوضاع السياسية. لو اقتدينا بالأستاذ حمدين صباحي حين كتب "نصيبي من الخطأ"، فما هو نصيب المعارضة من الخطأ الذي أوصلنا إلى هذا المشهد الشديد الانغلاق؟ والمجلس الذي تراه بلا أثر؟ ما مسؤوليتها؟
مسؤوليتها تكمن في أشياء كثيرة. أولًا، يتعلق ذلك بمدى قدرة المعارضة، وهذا يعود بنا إلى ما بعد 25 يناير، على ألا تكتفي فقط بمعرفة ما هي ضده، وإنما تتفق مكوناتها الرئيسية على ما هي معه. والحقيقة أن هذا لم يحدث.
"ما هي معه"؟
نعم. المعارضة تردد دائمًا شعارات عامة في القضايا الكبرى، ورغم وجود قدر من التفصيل في برامج الأحزاب، فإن تطوير هذه البرامج لتصبح بدائل عملية وسياسات قابلة للتطبيق ظل محدودًا جدًا، ولم يعد يناسب الظرف والتغيرات الكثيرة التي حدثت. لا أتصور أن برامج كُتبت في 2011 أو قبل ذلك ما زالت صالحة للحظة الراهنة.
ثانيًا، كل التكوينات والجبهات التي أُنشئت في مواقف كبرى، مثل جبهة الإنقاذ والحركة المدنية، كانت تتأسس على اتفاق المعارضة حول ما هي ضده، لكنها لم تبلور ما هي معه إلا في حدود مواقف محددة، كالانتخابات، أو موقف من قانون معين، أو الاستفتاء على الدستور. لكنها لم تبنِ أسسًا وقواعد لشكل البلد الذي نريد العيش فيه، ولا القواعد التي تحكم علاقتنا ببعضنا البعض. وأنا هنا لا أتحدث عن التفاصيل التي قد نختلف عليها. هذا أمر لم نتقدم فيه بالدرجة الكافية، ولا حتى خطوة، على مدار الـ10 أو 15 سنة الماضية.
كما أن هذه الأحزاب، مثلما تعرضت لعسف وتضييق أبعد كثيرًا من الراغبين في ممارسة العمل العام، فإنها طردت أيضًا عددًا كبيرًا من أعضائها، سواء بسبب خلافات تنظيمية داخلية، أو احتكار القيادة، أو طريقة اتخاذ القرار، أو التعبير عن مواقف لا تمثل عضويتها. وهذا حدث في مواقف وأحزاب كثيرة.
هذه الممارسات جعلت البعض ينظر إلى المعارضة باعتبارها تفعل عكس ما تنادي به. فإذا كانت تنادي بالديمقراطية، فهي لا تطبقها داخلها، وإذا كانت تدعو السلطة إلى الاعتداد برأي القطاعات المختلفة، فهي لا تمارس ذلك.
وأنا بالمناسبة لا أعتبر هذا هجومًا على المعارضة. أنا جزء منها، وربما شاركت أو ساهمت في بعض هذه الأخطاء، لكنني أقول ذلك لنعرف ما الذي أوصلنا إلى هذه النقطة، خاصة في ظل غياب مشروع جاد مطروح حاليًا. وهناك سبب آخر يضاف إلى ذلك، وهو قدرتنا على تجديد أدواتنا.
تأسس التيار الشعبي بعد حصول حمدين صباحي على نحو 5 ملايين صوت ليكون "الطريق الثالث" ضد الإخوان وضد الفلول. هل كان التيار الشعبي فرصة ضائعة لأنه لم يقدم تصورًا وبناء حقيقيًا؟
دعيني أفرق بين مرحلتين، التيار الشعبي وقت تأسيسه بعد انتخابات الرئاسة 2012، والتيار الشعبي بعد انتخابات الرئاسة 2014.
المرحلة الأولى كانت حركة شعبية أوسع من كونها تنظيمًا سياسيًا، حيث انخرط فيها أعضاء من تنظيمات وأحزاب مختلفة، وكانت في تلك الفترة أشبه بحركة احتجاجية ذات قدر من التنظيم. واستمر هذا الوضع خلال فترة حكم الإخوان، ثم الانخراط في الحملة الرئاسية لعام 2014.
بعدها طرحنا السؤال، هل هذه الأداة السياسية التي لعبت دورًا كبيرًا قادرة على التحول إلى إطار سياسي منظم؟ وهنا بدأنا اختيار شكلها التنظيمي كمشروع حزب تحت التأسيس، وقدمنا ملامح برنامج، ولا أستطيع القول إنه كان برنامجًا تفصيليًا كاملًا.
ومع ذلك، أشير إلى أنه حتى حين كان التيار يقدم أداءً احتجاجيًا ضد سياسات بعينها، طرحنا في مؤتمر اقتصادي عقد في منتصف 2013، بحضور نخبة من الاقتصاديين من توجهات مختلفة، وثيقة مفصلة تتناول أهم القضايا الاقتصادية ببدائل وسياسات قابلة للتطبيق، لترسيخ فكرة أن المعارضة تمتلك بدائل وليست مجرد حركة احتجاجية.
أما المرحلة الثانية بعد انتخابات 2014، فقد أصيبت سريعًا بالإحباط، لأن نتائج الانتخابات وملامح الانغلاق التي بدأت تتشكل وقتها لم تكن مشجعة لكثيرين على مواصلة المسعى، رغم حماسهم البالغ.
هل الإحباط لأن حمدين صباحي جاء في المرتبة الثالثة بعد الأصوات الباطلة؟ أم ما سبب الإحباط؟
بغض النظر عن النتيجة، فالحديث عن نتيجة تلك الانتخابات باعتبارها نتيجة حقيقية هو نوع من العبث.
لماذا هو عبث؟
لأنه ليس منطقيًا، ولا أريد الخوض في التفاصيل القديمة، أن يكون لدي مندوب في لجنة أدلى بصوته، وعند مراجعة المحاضر لا أجد صوته موجودًا أصلًا. وهذا تكرر في العديد من اللجان.
كما أنه ليس منطقيًا، وأنا أفهم طبعًا الشعبية الطاغية وقتها للمرشح عبد الفتاح السيسي، ولا أختلف مع فكرة ترشحه للفوز، لكن لدي تساؤل كبير حول أسباب مد التصويت ليوم ثالث، وحول تحول الـ5 ملايين صوت في ظرف سنة وشوية إلى 700 ألف صوت، وحول العديد من اللجان التي اختفت فيها الأصوات.
والأهم من ذلك، هو التعمد في إظهار المعارضة وممثلها الوحيد وقتها بأنه أضعف بكثير من قدرته الحقيقية، للوصول إلى ما نحن فيه الآن، أي إلى وضع لا توجد فيه معارضة أصلًا.
الأشياء لا تحدث دفعة واحدة، وإنما بالتدرج. وكانت نقطة البداية انتخابات 2014، حيث كانت هناك رغبة في ألا يكون هناك صوت آخر، ولا تنظيمات سياسية، وأن تظل السياسة على الهامش.
من صاحب هذه الرغبة؟
السلطة بتركيباتها المختلفة، حتى وإن كان داخلها تنوع في الآراء.
والناس؟ هل كانت مستعدة لسماع أصوات أخرى في ذلك التوقيت؟
كان لدى الناس رغبة في الأمن أولًا، وهذا حقهم، وهو ما وجه اختياراتهم وقتها. لكن هل ترى الناس اليوم أن هذه المعالجة كانت مضبوطة؟ وهل هم سعداء أو راضون اليوم وهم يصرخون من الغلاء من دون قدرة على التعبير أو إيجاد من يستجيب لهم؟ بالتأكيد لا.
مزاج الشارع يتغير بحسب الأولوية والحال، وذلك لا يعني إعطاء "شيك على بياض" ليستمر الوضع على هذا النحو طوال الوقت. نعم، كانت هناك ضرورة للأمن كأولوية أولى وقتها، لكن هذا لا يعني إلغاء حقي في التعبير عن رأيي، ولا حرماني من توفير المأكل والمشرب والتعليم والعلاج.
ما يجري حاليًا داخل الحركة المدنية من إعادة هيكلة وتطوير. لماذا أنت بعيد عن هذا المشهد؟
لست بعيدًا، لكني غير منخرط في الهيكل التنظيمي. وكان هناك نقاش مع بعض الأصدقاء والرفاق في هياكل الحركة، وأملي أن تكون هذه الخطوة بداية حقيقية، وليست مجرد إشارة شكلية.
هل شاركت في مشاورات مع أكرم إسماعيل باعتباره صاحب مقترح إعادة الهيكلة؟
تواصلت مع أكرم بشكل غير مباشر، ومع خالد تليمة وأحمد كامل وحمدين صباحي وآخرين، لكن دون حضور مباشر في الاجتماعات أو النقاشات لعدم التمكن من ذلك. وقد أبديت بعض الملاحظات في وقتها، وليس لدي اعتراض على ما تم، لكني أتمنى ألا يتوقف الأمر عند هذه الخطوة فقط.
المسألة ليست مجرد "فلترة" للحركة أو تغيير مسميات هياكلها القيادية. الأمر يتطلب عملًا أعمق ومبادرات أوسع من ذلك، وأتمنى أن يكون الزملاء على قدر هذه المسؤولية.
لماذا لا تنتهي مشاكل المعارضة والحركة المدنية؟
جوهر الأزمة في رأيي لا يكمن في الحركة المدنية نفسها، وإنما في مكونات الحياة السياسية في مصر والظرف الخاص الذي تعيشه، حيث أصبحت هذه الحياة شبه معدومة.
لو افترضنا حل الحركة المدنية الآن والتفكير في جبهة سياسية جديدة، فسنجد أنفسنا نخاطب الأطراف والشخصيات والأجيال الوسيطة ذاتها، والسبب أن المنابع الرئيسية التي تضخ دماء جديدة في الحياة السياسية قد أُغلقت.
العمل الطلابي في الجامعات محظور بمفهومه الواسع، والمنظمات الأهلية والنقابية محاصرة وأدوارها محدودة، والتفاعل الجماهيري غائب، ووسائل الإعلام أحادية الصوت. يضاف إلى ذلك مخاطر الملاحقة والحبس لأي شخص يفكر في الانضمام إلى حزب، أو حضور ندوة، أو المشاركة في نشاط سياسي.
في ظل هذه المعطيات، كيف يمكن تجديد دماء الحياة السياسية؟ لذا فالمسألة لا تخص الحركة المدنية وحدها، وإنما تتصل بالحياة السياسية ككل، والتي تتطلب تنظيمات حزبية قوية لبناء جبهة متماسكة، بينما نعاني حاليًا من هشاشة في هذه التنظيمات.
أتفهم الطرح الذي يرى أن هناك أدوات أدت دورها وانتهت، لكن السؤال الأساسي هو، عند الحاجة إلى تشكيل أداة جديدة، هل تتوفر لدينا أطراف جديدة نخاطبها؟ الحقيقة لا، فالخيارات المتاحة محددة جدًا.
المهم الآن هو البحث في كيفية تطوير هذه الإمكانيات المتاحة واستثمارها، حتى في ظل الأوضاع الراهنة والهياكل الهشة.
ونحن نتحدث عن المعارضة، وبما أن جزءًا من أزمتها يكمن في كونها بيئة طاردة لبعض أبنائها، لماذا تضيق المعارضة بالنقد وتنزعج منه؟
مثل ماذا؟
لماذا غضبتم بشدة من الدكتور أيمن منصور ندى عندما كتب مقاله "أن تكون حمدين صباحي"؟
أنا شخصيًا ليس لدي أي استياء تجاه الدكتور أيمن على الإطلاق.
لكنك كتبت منشورًا ردًا عليه!
لست مستاءً من فكرة النقد بذاتها، وإنما من أسلوبه وطريقته. وما لا أقبله على نفسي أو أمارسه تجاه الآخرين، لا أقبله من غيري.
ما الذي أزعجك أو استفزك تحديدًا؟
هناك نقد يتضمن تجاوزًا في حق الشخص أو تسفيهًا منه، وهذا أمر لا أقبله، سواء كان موجهًا إلى الأستاذ حمدين أو إلى غيره، وحتى لو كان موجهًا إلى السلطة نفسها. لا أرى في هذا الأسلوب طريقة نقد تستحق القبول أو الاحترام.
تقصد التشبيه الذي استخدمه في مقاله عن صورة المعارض كما ظهرت في فيلم "خلي بالك من زوزو"؟
بالضبط، هو تشبيه غير لائق. معظم الخلاف مع الدكتور أيمن والموجة التي أثيرت كانا بسبب هذه النقطة تحديدًا.
ولكن ألا يمكن اعتبار ذلك نوعًا من السخرية المقبولة؟
هناك معالجات تُصنع لتُفهم في سياق كوميدي أو درامي، لكن عندما نكون أمام نقد جاد يستوجب التعاطي معه بجدية، فالأمر يختلف. مثلًا، التناول السينمائي لشخصيات اليسار في بعض الأفلام مفهوم في إطاره، لكن عندما يأتي كاتب ليشبه أحد قيادات المعارضة بهذا المنطق باعتباره يعبر عن واقع حاله، فهذا أمر غير لائق، لأنه يمس الشخص نفسه ولا ينتقد مواقفه أو سياساته أو طريقة تفاعله.
المعارضة بكل أطرافها ورموزها وشخصياتها تستحق النقد بالنظر إلى المحطات المختلفة التي مررنا بها من الماضي وحتى اللحظة. لكن السؤال الأساسي هنا هو، هل يمتلك من يمارس هذا النقد الحاد ضد المعارضة القدرة على ممارسة النقد ذاته وبالشدة نفسها ضد السلطة؟
لكن الرجل تعرض للسجن فعلًا!
مع كامل احترامي للدكتور أيمن، وهو بالفعل دفع ثمنًا ما كان ينبغي أن يدفعه، لكن سؤالي يظل قائمًا، هل يستطيع أحد أن ينتقد شخصيات السلطة بالطريقة نفسها والحدة والأسلوب؟
لو كان بمقدور الشخص فعل ذلك مع السلطة ثم ينتقد المعارضة، لكان هذا يمثل الحد الأدنى المفترض توافره لدى من يوجه سهام نقده إلى أي طرف. والأولى، عند ترتيب الأولويات والبحث عن حرية التعبير، أن نوجه القلم واللسان نحو الاتجاه الصحيح.
كنت فاعلًا رئيسيًا في الحملة السابقة المناهضة لتعديل الدستور. هل تتوقع أن تكون قريبًا جزءًا من حملة مشابهة لرفض تعديل جديد للدستور؟
أكتفي بالقول، أتمنى ألا يحدث ذلك.
ولماذا تتمنى ألا يحدث؟
لا ينبغي لأحد أن يجر هذا البلد مرة أخرى إلى تعديل الدستور.
هل تتوقع أننا نتجه إلى هذا المسار؟
لست متأكدًا، وأملي أن يكون هناك قدر من الرشادة لدى السلطة والأجهزة التي تقدم لها النصيحة، فحجم الأزمات الداخلية والخارجية المحيطة بنا واضح وكبير.
بالإضافة إلى الأزمات الداخلية، هناك تحديات خارجية شديدة تدفع البعض للقول إننا بحاجة إلى الاستقرار لا التغيير.
الاستقرار يأتي بالتغيير. صناعة الاستقرار في أي بلد تنبع من قدرته على التغيير والتجديد بطريقة سلمية تعبر عن رأي المجتمع، وهذا هو الاستقرار الحقيقي، وليس كتم الآراء والكبت.
الكبت لا يخلق استقرارًا، وإنما يشبه "قدر الضغط" الذي ينفجر عند فتحه. نحن لا نريد لهذا البلد أن ينفجر، لا في وجه السلطة ولا المعارضة ولا المجتمع، لأنه إذا انفجر هذه المرة، فسينفجر في وجه الجميع.
الإصرار على الاستمرار في المنهج نفسه، وإسكات كل الأصوات، وفرض صوت واحد وبديل واحد وطريقة واحدة، لا يؤدي إلا إلى الانفجار الذي لا يتمناه أحد.
ما البدائل المتاحة؟
لا توجد دولة بلا بدائل. هذا البلد مليء بالبدائل، وكان كذلك طوال تاريخه. الكلام نفسه قيل قبل ثورة يناير، ثم اتضح وجود بدائل متعددة.
لكن المعارضة مختلفة ومتناحرة فيما بينها.
هذا صحيح، لكن الخلاف لا يعني غياب البدائل. فقد كان هناك بديل واثنان وثلاثة وأربعة. الخلاف السياسي أمر طبيعي ومفهوم، لكن المشكلة تكمن في القواعد التي تحكم هذا الخلاف.
الأزمة الحقيقية هي غياب القواعد والتوافق على حد أدنى ودستور يلزم الجميع.
لو لم يحدث تعديل دستوري، هل تتوقع أن تقدم المعارضة مرشحًا في انتخابات 2030؟
هل تقصدين التوافق على مرشح واحد؟
نعم، مثلًا.
ليس بالضرورة. ليست لدي قناعة بأن المعارضة بمكوناتها الحالية قادرة في اللحظة الراهنة على التوافق أو تقديم مرشح واحد.
كما حدث في الانتخابات الأخيرة؟
نعم، كما رأينا في الانتخابات الأخيرة، لكن هذا يرتبط بالمسار والمناخ السياسي القائم.
وهل يمكن أن يتغير هذا الموقف لو تغير المناخ؟
أظن ذلك دون يقين كامل. إذا تغير المناخ وأصبح أكثر انفتاحًا، وكانت هناك ثقة في أن الانتخابات القادمة جادة، ولا أقول نزيهة وحرة 100%، لأن التحول لا يحدث دفعة واحدة وستظل هناك تجاوزات، لكن المهم أن تكون انتخابات جادة يضمن فيها المواطن أن صوته في صندوق الاقتراع سيعبر عنه في النتيجة الفعلية.بهذا المعنى، لن يكون همًا كبيرًا بالنسبة لي أن تتفق المعارضة المتنوعة على مرشح واحد. فلتقدم أحزاب الموالاة والدولة العميقة مرشحيها، وما يهمني هو أن تعيد العملية الانتخابية نفسها الثقة إلى المجتمع، ليتمكن من ممارسة دوره والتعبير عن رأيه. وهذا كفيل وحده بتجديد دماء الحياة السياسية.
الحديث عن المستقبل والمعارضة ينقلنا إلى السؤال، هل ترى جماعة الإخوان المسلمين جزءًا من المعارضة أو من هذا المستقبل؟
لا، لا أرى جماعة الإخوان المسلمين في مستقبل هذا البلد. وأقصد هنا الجماعة ككيان وتنظيم، وليس كأفراد. الأفراد الذين يحترمون القانون ويلتزمون به أهلًا بهم في المجتمع.
هل ما زال التنظيم يشكل خطورة في رأيك؟
بعيدًا عن تقييم مدى الخطورة، لا ينبغي وجود تنظيم ديني دستوريًا، وهذا لا يسري على الإخوان فقط، وإنما على أي تنظيم ديني.
الإخوان تعرضوا لإنهاك وضربات أمنية وتمويلية كبيرة، لكن هل يستطيعون استعادة قدرتهم أم لا؟ أنا أصلًا لا أريد خوض هذا الاختبار.