لم يعد الوسط الصحفي هادئًا، ويمكن القول إن الفترة الحالية من أكثر المراحل النقابية إثارةً للسجال والاستقطاب، خصوصًا مع بروز قضايا عدة أشعلت الجدل بين أبناء صاحبة الجلالة، وانتقلت نقاشاتها من الغرف المغلقة إلى التجاذبات عبر الفضاء الإلكتروني، ثم إلى شاشات التليفزيون. ومن أبرز هذه الملفات قضية محرري المواقع الإلكترونية، ومطالبات قيدهم بنقابة الصحفيين، أو تدشين كيان خاص بهم، وهي المسألة التي تفجرت عقب لقاء ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، عددًا من رؤساء تحرير المواقع، ودعوته إلى تأسيس "اتحاد ملاك" لها، وهي الدعوة التي فسّرها البعض باعتبارها خطوة أولى نحو إنشاء كيان موازٍ لنقابة الصحفيين.
وتتزامن هذه السجالات المتواصلة في بلاط صاحبة الجلالة مع ملفات أخرى، من بينها المطالبات بتعديل قانون النقابة بما يتواكب مع التطورات الرقمية في صناعة الصحافة، إلى جانب تعديل "لائحة القيد"، والجدل المتصاعد حول انتخابات التجديد النصفي المقبلة، مع إعادة طرح اسم ضياء رشوان في السباق، فضلًا عن النقاش المتعلق بتقييم فترة خالد البلشي في منصب النقيب منذ مارس 2023 وحتى الآن.
في هذا السياق، يتحدث لـ"فكّر تاني" الكاتب الصحفي كارم محمود، مستعرضًا رؤاه ووجهات نظره بشأن هذه الملفات، استنادًا إلى مسيرة نقابية طويلة. فقد انتُخب عضوًا بمجلس نقابة الصحفيين بين عامي 1999 و2003، ثم عاد إلى المجلس خلال الفترة من 2011 إلى 2017. وخلال هذه الدورات، شغل عددًا من المناصب البارزة، بينها السكرتير العام للنقابة لدورتين، كما تولى مسؤولية لجان عدة، منها التشريعات والنشاط والخدمات، إلى جانب اللجنتين الثقافية والحريات. كما شغل سابقًا منصب الأمين العام المساعد للشؤون المالية في "اتحاد الصحفيين العرب" بين عامي 2013 و2017.
وإلى نص الحوار
من المؤكد أنك تابعت الجدل الذي تلا اجتماع ضياء رشوان بمجموعة من رؤساء تحرير المواقع الإلكترونية، والطرح الخاص بإنشاء كيان لهذه المواقع. ما تعليقك على القضية؟
من حيث المبدأ، من حق ملاك المواقع الإلكترونية المختلفة تكوين "اتحاد" أو "رابطة" أو أي صيغة تجمعية للدفاع عن مصالحهم لدى الأطراف المختلفة، ومنها الدولة. ومع ذلك، فمن الطبيعي أن يأتي الدفاع عن حقوق الملاك في مقدمة أولويات هذا التجمع، وسيكون من قبيل المثالية غير الواقعية الاعتقاد بأن الدفاع عن مصالح العاملين في هذه المنصات سيكون ضمن أولوياته الأساسية.
ومع طرح هذا التصور، فإذا كان الاتحاد المزمع تأسيسه سيضع مصالح العاملين في تلك المواقع ضمن أهدافه الرئيسية، فعلى ملاكها المبادرة بمنح الصحفيين العاملين لديهم حقوقهم كاملة، بدءًا من أجور تضمن لهم حياة كريمة، مرورًا بالتأمينات الاجتماعية والرعاية الصحية، وصولًا إلى توفير بيئة عمل محترمة. وعندما يضمن الملاك هذه الحقوق والمزايا للعاملين، تأتي خطوة إلحاق الصحفيين بالنقابة. فالأصل أن تسير الأمور بالترتيب والتدرج نفسه المتبع في المؤسسات الصحفية الحقيقية، وأن تكون حقوق العاملين نقطة البداية في هذا المسار.
في ظل التطورات التي تشهدها صناعة الصحافة، ما رؤيتك لتطوير "لائحة القيد" بنقابة الصحفيين؟
في رأيي، يجب أن تتمحور الأولوية حول حل مشكلة صحفيي المواقع الإلكترونية. وإذا لم تُحل هذه المشكلة، فإن النقابة ستكون مهددة بالابتعاد عن الواقع المهني المتغير، خصوصًا أن الصحافة الورقية تتراجع، فيما يدخل سوق العمل جيل جديد لم يتعامل بعض أفراده مع صحيفة مطبوعة طوال حياته.
كما أن استمرار هذا الوضع قد يفتح بابًا خلفيًا جديدًا أمام السمسرة وبيع عقود التعيين بغرض القيد في النقابة، إذ قد يلجأ بعض المواقع الإلكترونية إلى إصدار صحيفة غير منتظمة، وطباعة أعداد محدودة منها، بهدف إلحاق محرريها بالنقابة، من دون أن يكون لدى مالك الموقع اقتناع حقيقي بأهمية الإصدار الورقي.
لذلك، يجب على النقابة تنظيم سوق العمل من خلال قيد محرري المواقع الإلكترونية، والقانون الحالي يسمح بذلك، وفق ضوابط وشروط صارمة تضمن أن تكون هذه المواقع مؤسسات صحفية حقيقية.
كما أرى أن الوقت حان لإعادة النظر في قصر الالتحاق بنقابة الصحفيين على خريجي كليات وأقسام الإعلام المؤهلين للعمل في المهنة. فمن غير المنطقي تجاهل طالب درس الإعلام وتأهل له نظريًا وعمليًا، ومنح الفرصة في المقابل لشخص لم يدرس شيئًا عن علوم الإعلام الحديثة، خصوصًا أن الموهبة وحدها لم تعد كافية للعمل الصحفي والإعلامي كما كان الحال في السابق. وهذه مسألة تحتاج إلى بحث معمق ونقاش جاد.
هل تطور الصحافة الإلكترونية والأزمات التي يواجهها محرروها يقتضيان تعديل قانون النقابة؟
يمكنك إعداد قانون شامل وحديث لنقابة الصحفيين والمهنة، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في ضمان الشكل الذي سيخرج به هذا القانون من البرلمان. ولدى الأجيال الصحفية المتعاقبة، منذ عهد نقيب النقباء كامل زهيري، هاجس دائم وتحفظ تجاه هذه الخطوة.
وقد أُعد بالفعل عدد من مشروعات قانون النقابة، إلا أنها ظلت بعد الانتهاء منها حبيسة الأدراج، ولم تُدفع إلى الدولة، بسبب التخوف من عدم ضمان الصيغة النهائية التي قد تصل إليها بعد مناقشتها داخل البرلمان.
ومن أشهر هذه المشروعات ما أعده المستشار الدكتور محمد الجمل، رئيس مجلس الدولة الأسبق، إضافة إلى مشروع آخر أُعد عندما كنت عضوًا بمجلس النقابة في عهد النقيب إبراهيم نافع، وكان يشرف عليه وكيل أول النقابة في ذلك الوقت، المرحوم رجائي الميرغني.
كيف ترى الجدل حول طرح اسم ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، مرشحًا لمنصب النقيب؟
أحترم الزميل العزيز ضياء رشوان، وكنت سكرتيرًا عامًا للنقابة عندما كان هو نقيبًا بين عامي 2013 و2015. وكانت تلك من أصعب الفترات التي مرت بها مصر، وليس المهنة وحدها، فقد عاصرنا ثلاثة أنظمة حكم مختلفة، بدأت بالأشهر الأربعة الأخيرة من فترة حكم "الإخوان"، ثم عامًا كاملًا في المرحلة الانتقالية التي قادها المستشار عدلي منصور، وبعدها الشهور الأولى من عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وشهدت هذه المراحل أحداثًا مهمة، منها "30 يونيو"، وما أعقبها من اعتصامات وفضها، إلى جانب حظر التجوال. ورغم هذه التجربة النقابية الثرية، وما صاحبها من عطاء وعلاقة شخصية ومهنية بيننا، فإنني أطالب الصديق العزيز ضياء رشوان بعدم الترشح لمنصب النقيب وهو في موقعه الوزاري، التزامًا بقانون النقابة، واحترامًا للجمعية العمومية، ومراعاةً للسوابق النقابية في هذا الشأن.
وهناك ثلاث حالات سابقة ارتبطت بوزيري الإعلام الأسبقين صلاح عبد المقصود وأسامة هيكل، ثم وزير الثقافة الأسبق حلمي النمنم، إذ بادر الزملاء في كل حالة بتقديم طلب إلى النقابة لنقلهم إلى جدول "غير المشتغلين" لحين انتهاء فترة التكليف الحكومي.
وبناءً على ذلك، أخاطب ضياء رشوان، بصفته عضوًا في الجمعية العمومية للصحفيين، بتوجيه خطاب إلى مجلس النقابة يطلب فيه نقله مؤقتًا إلى جدول "غير المشتغلين" حتى انتهاء فترة تكليفه الحكومي. وأظن أن هذه الخطوة تأخرت، وكان ينبغي اتخاذها منذ اليوم الأول لتوليه المنصب الوزاري.
بخبرتك النقابية ومتابعتك للجدل الحالي، كيف ترى السباق المقبل على منصب النقيب؟
في كل الأحوال، ستشهد الانتخابات مرشحين بارزين من مختلف التيارات، سواء ترشح ضياء رشوان أم غاب عن السباق. وما تردد عن أن "تيار الاستقلال" النقابي لن يدفع بمرشح على منصب نقيب الصحفيين في الانتخابات المقبلة غير صحيح حتى الآن.
ولا تزال هناك مساحة زمنية تسمح بتغير كثير من المعطيات، فالانتخابات لم تقترب بعد إلى الدرجة التي يمكن معها حسم الأسماء أو التوجهات. كما أن تيار الاستقلال النقابي، في العادة، لا يعلن مرشحه مبكرًا، وإنما يفعل ذلك قبل فتح باب الترشح بفترة محدودة، عندما تتضح الصورة وتتبلور التوجهات الأخرى وتظهر الأسماء المحتملة لمنصب "النقيب".
بعيدًا عن ضياء رشوان، هل الدولة أحرقت "مرشحيها" على منصب النقيب في السباقين الأخيرين 2023 و2025؟
جزئيًا، هذا صحيح. ويمكن تفسير الأمر بأن الحكومة تواجه أزمة مزدوجة في اختيار شخصية تخوض المنافسة على منصب النقيب في الانتخابات المقبلة.
السبب الأول أن القائمين حاليًا على رئاسة مجالس إدارات وتحرير المؤسسات الصحفية القومية ليست لهم صلة مباشرة بالعمل النقابي، وبالتالي فإن طرح أحدهم مرشحًا لمنصب نقابي قد يبدو كأنه دخول مفاجئ إلى هذا المجال من دون قاعدة نقابية سابقة.
أما السبب الثاني، فيتعلق بأن الأسماء التقليدية والمتداولة والمطروحة للترشح على منصب "النقيب" أصبحت بعيدة عن المناصب القيادية في المؤسسات الصحفية القومية، وهو ما يجعل امتلاكها كتلة تصويتية صلبة أمرًا أكثر صعوبة.
ويرتبط السبب الثالث بتغير مزاج الجمعية العمومية وتركيبتها، بمعنى أن المؤسسات الصحفية القومية لم تعد صاحبة التأثير الحاسم في نتائج الانتخابات كما كان الحال سابقًا.
ولهذه الأسباب مجتمعة، قد تبحث الدولة عن "المرشح النجم" الذي يمثلها في الانتخابات المقبلة، ويُعد هذا أحد دوافع طرح اسم ضياء رشوان مجددًا.
مع وجود الهيئات الصحفية والإعلامية، هل وزارة الدولة للإعلام، في رأيك، تحتاج إلى كل هذا العدد من المستشارين والمعاونين؟
على خلاف الحديث السائد في الأوساط الإعلامية والصحفية، أرى أن العدد الحالي من المستشارين والمعاونين والمساعدين الذين أُعلن تعيينهم في الوزارة قد يكون أقل من العدد المطلوب، لعدة أسباب.
أولها أن الوزارة عادت بعد غياب، وبالتالي لا تمتلك هيكلًا إداريًا أو وظيفيًا سابقًا، فهي عمليًا "وزارة تُبنى من الصفر".
والسبب الثاني أن الوزارة ستكون مرتبطة بملفات صحفية وإعلامية متعددة، ومن ثم تحتاج إلى هيكل إداري متوازن وقادر على التعامل مع هذه الملفات.
أما السبب الثالث، فيتعلق بأن أي وزارة أخرى قائمة تضم مئات المستشارين والمعاونين ووكلاء الوزارات والمديرين ضمن هياكلها المستقرة، ولذلك فإنني أختلف مع الذين أبدوا انزعاجهم من التعيينات الجديدة في وزارة الدولة للإعلام.
يقترب خالد البلشي من إنهاء فترته الثانية في منصب نقيب الصحفيين. ما تقييمك لوجود شخصية "يسارية" في المنصب طوال هذه المدة؟
لا أنظر إلى خالد البلشي بصفته شخصية يسارية أو يمينية، ولا أتعامل مع الأمر من زاوية توجهه السياسي، وإنما أقيّم أداءه النقابي.
ومن هذه الزاوية، يجب التوقف عند بداية دورته الأولى في المنصب، إذ تسلم البلشي مهامه والنقابة تمر بحالة "موت سريري" وتوقف شبه تام للأنشطة، فضلًا عن الانقسامات الحادة التي عانى منها مجلس النقابة في الدورات السابقة.
وانعكست هذه الظروف سلبًا على الخدمات اليومية المقدمة إلى الزملاء، وعلى مشروع العلاج والمعاشات وأداء مختلف لجان الخدمات. وكان هناك تراجع كبير في العمل النقابي، وقد اصطلح على تسمية تلك الفترة، الممتدة بين عامي 2017 و2023، بمرحلة "تكفين النقابة" طوال ستة أعوام.
والسؤال هنا هو ما إذا كان البلشي ومجلسه قد نجحا في إخراج النقابة من هذه الحالة. وأستطيع القول إنهما تمكنا، بنسبة كبيرة، من ذلك، خصوصًا خلال ولايته الأولى بين عامي 2023 و2025.
فمنذ اليوم الأول له في المنصب، انتهى المفهوم المعنوي لـ"التكفين"، وأزيلت "السقالات والخيش" من واجهة النقابة، وحدثت قفزة كبيرة في الخدمات اليومية المقدمة إلى الزملاء، بما في ذلك أصحاب المعاشات. كما بدأت اللجان تعمل بصورة ملحوظة، وعادت الأنشطة والحفلات الغنائية والفنية إلى مسرح النقابة، بعد أن كان شبه مهجور، إلى جانب الفعاليات الثقافية الأخرى، مثل حفلات توقيع ومناقشة الكتب والروايات أسبوعيًا.
وهذه هي المرحلة التي جرت تسميتها بـ"عودة الروح إلى الجسد النقابي".
بعيدًا عن الخدمات اليومية التي تقدمها النقابة إلى الزملاء، ما تقييمك لجهودها في ملف "الحريات الصحفية والزملاء المحبوسين"، وهل أحرزت تقدمًا في هذا الملف خلال عهد البلشي؟
هذا ملف لا يمكن تحميل النقابة وحدها مسؤوليته، فقد طالبت مرات عديدة بالإفراج عن الزملاء المحبوسين، بعد ستة أعوام من الصمت الكامل تجاه القضية، وكأن الصحفيين المسجونين لم يكونوا موجودين.
حتى لجنة الحريات في النقابة كانت صامتة خلال مجلسين سابقين على مرحلة البلشي، ولم تصدر بيانًا بشأن هؤلاء الزملاء المحبوسين، ولم تهتم بأوضاعهم أو بمواقفهم القانونية.
أما على مستوى ملف الحريات الصحفية بصورة عامة، فقد تحركت النقابة وعقدت المؤتمر السادس الذي خرج بتوصيات مهمة، وكان مؤتمرًا ناجحًا جدًا. كذلك خاضت النقابة مواجهات متواصلة مع كل ما يتصل بحرية النشر والتعبير، واعترضت على بعض مواد قانون الإجراءات الجنائية، التي تضمنت، بحسب رؤيتها، التفافًا على عدم جواز حبس الصحفيين احتياطيًا في القضايا المرتبطة بالنشر.
كما تصدت النقابة لمسألة منع التصوير في الشارع إلا بعد الحصول على إذن مسبق. وبذلك، قامت بدورها، لكن أجهزة الدولة في الأغلب لم تستجب بالشكل المطلوب. ودور النقابة ليس حمل السلاح أو الدخول في معركة مع الدولة، وإنما المطالبة وطرح ما يلزم لرفع القيود عن حريات الرأي والتعبير والنشر.
الأوضاع الاقتصادية السيئة للصحفيين من أكثر القضايا التي يدور حولها الحديث. ما تقييمك لجهود النقابة في هذه القضية طوال دورتي البلشي؟
هذه قضية لا تستطيع النقابة التحرك فيها منفردة، لكنها خاضت مفاوضات جادة أسفرت عن زيادة معتبرة في قيمة بدل التدريب والتكنولوجيا خلال الدورة الأولى.
وأنا ضد أن ننسب هذه الزيادة إلى المرشح الحكومي لمنصب النقيب الذي لوّح بها، لكنه لم يحالفه التوفيق في الانتخابات. وعندما يأتي نقيب لم يكن مدعومًا من الدولة ولا مرشحًا عنها، ثم ينجح في تثبيت الزيادة التي أُعلن عنها، فهذا نجاح يُحسب له.
كذلك نجح الصحفيون في استثمار حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي عن زيادة "البدل" ضمن توجه لتحسين الأوضاع الاقتصادية لمختلف الفئات في الدولة. ورغم أن الزيادة لم تكن مرضية للجميع، فإن النقابة بذلت جهدًا كبيرًا في الضغط لمتابعة تطبيق الحد الأدنى للأجور، وخاطبت الصحف الخاصة لتطبيقه.
ومع ذلك، لا أستطيع القول إنها نجحت بصورة كاملة في هذا الملف، لأن الصحف الخاصة تعاني أوضاعًا اقتصادية قاسية، خصوصًا أن صناعة الصحافة أصبحت غير مربحة منذ سنوات، ولا تستطيع النقابة أو إدارات الصحف معالجة هذه الأوضاع الاقتصادية بمفردها.
وماذا عن أزمة "علاقات العمل" وتحركات نقابة الصحفيين في هذا الشأن؟
قضية "علاقات العمل" من الأدوار الأساسية للنقابة، ومن سوء حظ مجلس البلشي، أو أي مجلس نقابي سبقه، أن الأوضاع الاقتصادية العامة في مصر أثرت في المؤسسات الصحفية كلها، كما انعكست الأزمة الاقتصادية على المصريين عمومًا.
وكان الصحفيون من أكثر الفئات تأثرًا، وهذه مسألة تعود إلى عقود طويلة. فبعدما كان الصحفيون يحتلون موقعًا ضمن المراكز الثلاثة الأولى من حيث الدخل المالي، شهدت دخول الزملاء منذ بداية التسعينيات هبوطًا شديدًا، حتى أصبحنا الآن في أدنى درجات السلم المالي.
وهذا لم يكن ذنب البلشي ومجلسه أو المجالس النقابية السابقة، لأن النقابة لا تستطيع معالجة هذه الأزمة الاقتصادية بمفردها، إلا إذا توافرت إرادة واضحة من الدولة فيما يخص المؤسسات القومية، ومن أصحاب المؤسسات الخاصة لإنقاذ هذه الكيانات، بدلًا من تركها في مهب الريح مع تراجع سوق الإعلانات وتوزيع الصحف الورقية وارتفاع أسعار مستلزمات الطباعة، خصوصًا الورق والأحبار.
كيف تعاملت الدولة مع البلشي وإدارته للنقابة، خصوصًا خلال الدورة الأولى له في المنصب؟
بعد انتخاب البلشي نقيبًا للصحفيين في دورته الأولى، كان هناك انزعاج شديد جدًا في بعض أوساط الدولة، وكذلك في أوساط صحفية معينة. فقد كان الاعتقاد لدى بعضهم أن هذا الرجل، المعروف بتوجهه اليساري، والأعلى صوتًا في المطالبة بالإفراج عن الزملاء المحبوسين والدفاع عن حرية الرأي والتعبير، سيدخل في صدام قوي مع الدولة وأجهزتها.
لكن ما حدث جاء في اتجاه مختلف، فقد قاد البلشي النقابة خلال ولايته الأولى بطريقة هادئة حظيت بإشادة في أوساط صحفية وسياسية، وأدار العلاقات بين النقابة وأجهزة الدولة بحكمة شديدة.
وحافظ على مساحة معقولة من التواصل مع السلطة، وفي الوقت نفسه لم يغامر باستقلال النقابة أو يفرّط فيه، ولم يضعها في حضن الدولة. ومن خلال هذه السياسة الهادئة، تمكن من الحصول على عدد من المزايا والمكاسب للزملاء من سلطات مختلفة، وهو أمر كان ملموسًا وواضحًا في الأوساط الصحفية، ويُحسب له كنقطة نجاح.
لكن رغم النجاح في الدورة الأولى، دعنا نعترف بأن هناك غضبًا شديدًا من البلشي ومجلسه في الولاية الثانية. ما أسباب هذا التراجع في الأداء؟
لا أسمي ما جرى تراجعًا في أداء البلشي ومجلسه خلال الولاية الثانية، وإنما كانت هناك توقعات وآمال كبيرة عُلقت على مجلسه في المرحلة الجديدة، ويبدو أن هذه التوقعات كانت أكبر من الظروف التي أحاطت بها.
فبعدما فتحت الدولة ذراعيها للبلشي، وغمرت النقابة بعدد من الامتيازات والمكاسب، وامتدت جسور تواصل قوية بين النقيب ومختلف سلطات الدولة، وكان واضحًا وجود توجيهات بالتعاون مع النقيب خالد البلشي والنقابة، شهدنا خلال الفترة الثانية ما اعتبرته نوعًا من العقاب للجمعية العمومية للصحفيين على إعادة اختيار النقيب المستقل خالد البلشي.
ورغم أن سياساته لم تتغير عن فترته الأولى، ولم يدخل في صدام مع الدولة، فإن إعادة انتخابه قوبلت، من دون فعل مباشر منه، بردود فعل سلبية من بعض أجهزة الدولة، خاصة مع إسقاط الجمعية العمومية للمرشح الذي كان مدعومًا بوضوح من الدولة.
ولذلك يمكن القول إن الدولة دعمت البلشي أو تعاونت معه خلال ولايته الأولى، لأن هناك من كان يعتقد أنه شخصية صعبة ينبغي احتواؤها، ثم بدأت خلال ولايته الثانية حالة من "الحصار الخفي" من جانب بعض أجهزة الدولة، تمثلت في تراجع التواصل والتعاون وتقديم بعض الخدمات.
إلى جانب ذلك، هناك سبب آخر يتعلق بتغير من يديرون ملف الصحافة والإعلام داخل أجهزة الدولة بالتزامن مع الولاية الثانية للبلشي.
ما أبرز الأمثلة التي يمكن من خلالها الاستدلال على فكرة توقف تعاون الدولة مع البلشي في ما يخص الخدمات والملفات الأخرى؟
من أبرز هذه الملفات، على سبيل المثال لا الحصر، ملف تعيين "الصحفيين المؤقتين" في المؤسسات الصحفية القومية. وقبل نهاية الولاية الأولى للبلشي، كان الملف شبه منتهٍ نتيجة تواصله وعمله المستمر مع الجهات المعنية، لكن تنفيذ التعيين توقف بفعل فاعل.
كما واجه البلشي صعوبة شديدة في التواصل مع الدولة لزيادة بدل التدريب والتكنولوجيا، حتى مع الزيادة المحدودة التي حصل عليها الزملاء في النهاية. ومع حلول العام الثاني من الولاية الثانية للبلشي، لم تزد قيمة البدل.
وهناك أمثلة أخرى ترتبط بالمبالغ الإضافية المخصصة من الدولة لدعم مشروع العلاج وتمويل الأنشطة المختلفة للنقابة.
بسبب تراجع الأداء النقابي خلال الولاية الثانية للبلشي، يتعرض تيار الاستقلال النقابي لهجوم مع توقعات بتعرضه لنكسة في الانتخابات المقبلة. كيف ترى هذه الرؤية؟
أعتقد أننا حللنا في سؤال سابق أسباب تراجع أداء مجلس النقابة الحالي، لكن هناك حالة يمكن تسميتها "الجمعية العمومية الغاضبة"، وهي حالة تظهر مع كل انتخابات، وقد ترتبط أحيانًا فعلًا بأداء المجلس كله، نقيبًا وأعضاء، بينما تكون في أوقات أخرى مجرد رغبة في التغيير.
وقد يرى البعض أن هذا الغضب سببه سيطرة تيار الاستقلال النقابي على المجلس، وهذا غير صحيح. فأنا أرى أن مجلس النقابة في فترتي البلشي اتسم بالتوازن، وانقسم بين أعضاء محسوبين على التيار وآخرين لا علاقة لهم به، لكن هناك تصورًا عامًا مفاده أن وجود النقيب ضمن تيار الاستقلال يعني أن المجلس كله ينتمي إلى التيار نفسه.
وفي هذا السياق أيضًا، أريد التأكيد أن غالبية أعضاء مجلس النقابة الحالي المحسوبين على التيار يؤدون عملهم بصورة متميزة جدًا. فهناك محمد الجارحي في لجنة الرعاية الصحية أو "مشروع العلاج"، ومحمد سعد عبد الحفيظ في ملف التدريب، ومحمود كامل في اللجنة الثقافية ولجان المتابعة، كما تقدم إيمان عوف أداءً استثنائيًا في لجانها. وكل عضو من هؤلاء يملك حصيلة معتبرة من الإنجاز النقابي.
لكن فكرة "الجمعية العمومية الغاضبة" تسبق دائمًا انتخابات التجديد النصفي، وتغذيها جهات من داخل النقابة وخارجها طوال الوقت.
ولست مع فكرة أن "تيار الاستقلال النقابي" سيتعرض لنكسة في السباق الانتخابي المقبل. فالجمعية العمومية للصحفيين ستختار من تراه أصلح، ومن يكون منحازًا إلى قضاياها وقريبًا من دوائره وقواعده الانتخابية، ومن يمتلك "مشروعًا نقابيًا" ممتدًا. وهذه الجزئية يتفق فيها مرشحو تيار الاستقلال.
لماذا لا تستفيد النقابة من الزملاء الصحفيين الموجودين في مجلسي الشيوخ والنواب؟
هذه مشكلة ترتبط بغياب التواصل والتنسيق الكافي بين النقابة وأعضاء الجمعية العمومية الموجودين في غرفتي البرلمان، النواب والشيوخ. ويجب الانتباه إلى هذه الجزئية، والعمل على توثيق الصلة بهؤلاء الزملاء وتعميقها، حتى يتبنوا قضايا المهنة والصحفيين.
لكن الحقيقة تقتضي القول أيضًا إن بعض الصحفيين الأعضاء في مجلسي النواب والشيوخ ينتمون إلى أحزاب سياسية لها أجندات مختلفة عن أجندة النقابة وأولوياتها. ومن ثم قد لا تتوافر لهم حرية كبيرة في تبني قضايا النقابة، خصوصًا أن بعض هذه الملفات يحمل طابعًا سياسيًا ويتقاطع مع بعض سياسات ورؤى الأجهزة التنفيذية في الدولة، وهو ما قد يضعهم في موقف محرج.