ما بين محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي وأخرى لمعالجة مياه الشرب، تمتد رحلة واحدة تكشف كيف يمكن أن تنتقل آثار المياه من مكان إلى آخر، إذ تصل مياه الصرف الملوثة إلى البحيرات ومصبات الأنهار والبحار، فيما يمكن أن تتأثر المياه الجوفية التي تختلط بمياه الشرب والآبار.
وعلى هذا السؤال بدأنا تتبع مسار المياه في رحلة امتدت بين كفر الشيخ والبحيرة، رصدنا خلالها المياه من محطة لمعالجة الصرف الصحي في كفر الشيخ إلى محطة لمعالجة مياه الشرب في البحيرة.
وسط الأراضي الزراعية وأحواض الاستزراع السمكي، كانت محطة صرف صحي جديدة تقترب من الاكتمال. ومن موقعها قادنا مسار المياه إلى فرع رشيد وشبكة الترع والمصارف التي تتقاطع فيها مياه الري والصرف والزراعة والاستزراع السمكي ومياه الشرب. لم تكن المسألة بالنسبة إلينا مجرد محطات يجري إنشاؤها أو توسعتها، وإنما منظومة كاملة أردنا تتبعها من سؤال إلى آخر، أين تذهب مياه الصرف، وما الذي يصل إلى المصدر المائي، وهل تكفي المعالجة لحماية المياه قبل أن تصل إلى محطات الشرب؟
الجولة الأولى.. كفر الشيخ
في قرية برج مغيزل التابعة لمركز مطوبس في كفر الشيخ، يعيش إبراهيم عامر الذي ارتبطت حياته بالبحر والصيد، وهي المهنة التي يعتمد عليها في توفير احتياجات أسرته. ومع تدهور حالة المياه، تحولت البيئة التي يعمل فيها إلى جزء من المشكلة التي تهدد مصدر رزقه وحياة الصيادين في المنطقة.
يعمل عامر صيادًا ويمتلك مركبًا صغيرًا، ويختصر سنوات التغيرات التي شهدها البحر في قوله "أنا بشتغل في الصيد من أول ما وعيت على الدنيا، الماية ما بقتش زي زمان، والسمك كمان، وده بسبب الصرف الصحي. كل العزب والقرى في المنطقة كانت بتصب صرفها في البحر، عشان كده الماية اتغيرت وفي أنواع سمك كتير بقت مش موجودة كمان".
وعند عامر، لا يقف أثر التلوث عند البيئة المائية، إذ امتد إلى تفاصيل معيشته اليومية وأعباء أسرته، وصولًا إلى تكلفة التخلص من الصرف المنزلي. ويشرح ذلك بقوله "ده غير مشكلة الصرف اللي عايشنها في القرية، كل بيت عنده مصرف خاص "طرنش" بنجمع فيه ولما يتملى بتيجي عربية الكسح تسحبه بـ250 جنيه في النقلة الواحدة، وده بيتكرر مرتين في الشهر. الصرف مشكلة حياتنا في البيت والشغل، وأي محطة صرف بتشتغل أكيد هتحل أغلب المشاكل اللي بتواجهنا".
ومن تفاصيل حياته اليومية تتضح طبيعة المشكلة على نحو أوسع، فبالنسبة إلى أسرة تعتمد على الصيد، يمكن أن تتحول المياه الملوثة إلى تهديد مباشر لمصدر الدخل، فيما ترتبط قدرة الصياد على الإبحار والعثور على صيد كافٍ بجودة البيئة التي يعمل فيها.
ومع تنفيذ تطوير شبكة الصرف الصحي في قرى مركز مطوبس، بينها منظومة محطة زغلول، يبرز سؤال آخر لدى أسر مثل أسرة عامر، يتعلق بموعد ظهور أثر هذه المشروعات في حياتهم اليومية، بعد سنوات من التعامل مع تبعات تلوث المياه.
تقع محطة معالجة مياه الصرف الصحي بزغلول البحري في مركز مطوبس ضمن مشروع تطوير خدمات الصرف الصحي بكفر الشيخ. وهي محطة معالجة ثلاثية تبلغ طاقتها التصميمية 15 ألف متر مكعب يوميًا في المرحلة الأولى، مع التوسع مستقبلًا لتصل إلى 25 ألف متر مكعب يوميًا في المرحلة الثانية، بما يسهم في تطوير منظومة الصرف الصحي وتحسين مستوى الخدمات في المناطق المستفيدة.
وتأتي توسعات الصرف الصحي في كفر الشيخ، التي تندرج محطة زغلول البحري ضمنها، في إطار التعاون مع بنك الاستثمار الأوروبي والاتحاد الأوروبي والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، بهدف تقليل التلوث في بحيرة البرلس والمصارف الزراعية التي تصب فيها، والحد من التلوث في البحر المتوسط، عبر توفير شبكات ونظم لمعالجة الصرف الصحي للمجتمعات الريفية غير المخدومة.
ويستهدف البرنامج خدمة 59 قرية على مرحلتين بإجمالي نحو 549 ألف نسمة، ويشمل إنشاء 4 محطات معالجة جديدة و38 محطة رفع، إلى جانب نحو 400 كيلومتر من شبكات الانحدار و106 كيلومترات من خطوط الطرد، بما يسهم في تحسين البيئة والمرافق الصحية ورفع جودة الحياة للمواطنين.
وفي موقع محطة زغلول للصرف الصحي، حيث تتوسط المنشآت الخرسانية غير المكتملة كرفانًا مؤقتًا، التقت "فكر تاني" مسؤولي تنفيذ المشروع. وأوضح الدكتور محمد رأفت، معاون محافظ كفر الشيخ للمشروعات القومية، أن شبكة الصرف الصحي في المحافظة تشهد أعمال تطوير لمواجهة مشكلات تعاني منها مناطق سكانية عدة، وتؤثر مباشرة في جودة حياة الصيادين وعملهم.
ويربط رأفت هذا التطوير بهدف رئيسي يتمثل في خفض كميات الملوثات الواردة إلى مصرف المياه، خصوصًا أنها تصب في البحر المتوسط في النهاية. ويجري اختيار المناطق وتحديد أولويات التدخل وفقًا لاحتياجات كل منطقة، مع وجود حالات تتطلب تدخلًا عاجلًا وسريعًا، خاصة البؤر التي تمثل مصادر للتلوث أو المناطق الحساسة بيئيًا، بينما تستمر مشروعات أخرى وفق مراحل تنفيذية متتابعة.
وتشمل مشروعات الصرف الصحي الجاري تنفيذها عددًا من مراكز المحافظة، بينها الرياض وسيدي سالم، إلى جانب مناطق أخرى، مع الانتهاء من أجزاء واستكمال أجزاء أخرى، ومنها أجزاء في سيدي سالم ومحمد آب وبلطيم.
ويشير رأفت أيضًا إلى أن محطات معالجة الصرف الصحي تُصمم لاستيعاب التصرفات المستهدفة وفق عدد السكان المستهدفين بالخدمة، وليس وفق عدد السكان الذين نُفذت لهم شبكات صرف صحي بالفعل في الوقت الحالي. وتكون المحطة قادرة على استقبال التصرفات الخاصة بإجمالي السكان المستهدفين، سواء نُفذت لهم الشبكات أو لم تُنفذ بعد.
وتصبح تفاصيل المنظومة أوضح لدى المهندس محمد هشام الدسوقي، مدير وحدة إدارة المشروعات بشركة مياه الشرب والصرف الصحي بكفر الشيخ، الذي يوضح أن البرنامج يتضمن توسعة محطة عزبة الشاعر في مطوبس، إلى جانب إنشاء 3 محطات معالجة جديدة، هي محطة زغلول البحري بمطوبس، ومحطة دمرو بسيدي سالم، ومحطة الربع ببلطيم.
ويعمل زغلول البحري بنظام المعالجة الثلاثية، بينما تعتمد محطتا دمرو والربع على نظام المعالجة الثنائية. ويضم البرنامج كذلك تنفيذ 38 محطة رفع ونحو 400 كيلومتر من شبكات الانحدار و106 كيلومترات من خطوط الطرد.
وبحسب الدسوقي، تبلغ القيمة الإجمالية لتمويل البرنامج 164 مليون يورو، منها 32 مليون يورو في صورة منحة مقدمة من الاتحاد الأوروبي، بينما يأتي باقي التمويل عبر قروض طويلة الأجل من بنوك أوروبية. ويرتبط تنفيذ هذه المشروعات ببحيرة البرلس من خلال هدف أساسي هو خفض نسب التلوث، مع توجيه الاستثمارات إلى المناطق الأكثر تلوثًا.
وبينما تنتظر المحطة اكتمال تشغيلها، يترقب عامر وأسرته تحسن أوضاعهم وتخفيف الأعباء المالية التي يتحملها شهريًا للتخلص من مياه الصرف، إلى جانب عودة الحياة المائية إلى طبيعتها في المحافظة بما يرفع مصدر دخله اليومي من الأسماك.
ومن عند محطة الصرف ينفتح مسار الرحلة على طرف آخر من منظومة المياه. فبينما تنتهي إحدى حلقاتها عند معالجة الصرف، تبدأ الأخرى من مصدر للمياه العذبة، وبين النقطتين تتسع القضية إلى ما هو أبعد من حدود كل محطة، إذ تعتمد حماية المياه على سلامة المنظومة التي تربط بينهما.
الجولة الثانية.. البحيرة
وكما ارتبطت مشكلة عامر بمصدر رزقه وبالبيئة التي يعمل فيها، يواجه سكان قرى أخرى في البحيرة مشكلة تتصل بالطرف الآخر من الرحلة، وهي صعوبة الحصول على مياه شرب منتظمة. ففي أبو حمص، يتحول ضعف الضغوط والانقطاع المتكرر إلى عبء يومي على الأسر، التي تضطر أحيانًا إلى الانتظار أو استخدام مواتير لرفع المياه إلى منازلها. وفي الحالتين، ترتبط جودة الخدمات الأساسية وانتظامها بتفاصيل حياة السكان وقدرتهم على تلبية احتياجاتهم اليومية.
وفي قرية بركة غطاس التابعة لمركز أبو حمص بمحافظة البحيرة، يصف سيد حجاج معاناته مع انقطاع وضعف مياه الشرب بقوله "المياه بتقطع كل يوم، ومبتوصلش غير بالليل.. وحتى لما بتيجي، مبتطلعش للبيوت غير بالموتور".
وبالنسبة إلى حجاج وأسرته، لا تتمثل المشكلة في غياب المياه عن الشبكة فقط، وإنما في صعوبة وصولها إلى المنزل بعد عودتها، وهو ما اضطرهم إلى تشغيل موتور وتحمل تكلفة كهرباء إضافية. ويختصر حجاج أثر ذلك في تفاصيل يومه قائلًا "ونفضل مستنينها تيجي عشان نقدر نملأ ونقضي احتياجات البيت".
ومن هذه التفاصيل اليومية تتسع الشكوى لتشمل قرى وعزب أخرى في مركز أبو حمص، حيث يواجه السكان انقطاعًا متكررًا أو ضعفًا في ضغوط المياه، خصوصًا في أطراف الشبكات ونهايات خطوط التغذية. وتشير بيانات المحافظة إلى أن بعض المناطق تتأثر بضعف الضغوط نتيجة طول مسافات التغذية ووقوعها عند نهايات الخطوط، إلى جانب الانقطاعات المؤقتة المرتبطة بأعمال الإحلال والتجديد التي تُنفذ ضمن مشروعات تطوير البنية التحتية.
ومع استمرار أعمال تطوير الشبكات، يبقى ما يشغل سكان هذه القرى مرتبطًا بمدى انتظام الخدمة وقدرتها على الوصول إليهم طوال اليوم، بدلًا من انتظار عودتها.
واستغرق الانتقال من محافظة كفر الشيخ إلى محافظة البحيرة قرابة ساعتين، بدت خلالهما الأراضي الزراعية ومصادر المياه المختلفة المشهد الأبرز على امتداد الطريق. وبعد الوصول إلى مبنى محافظة البحيرة، استقبلتنا الدكتورة جاكلين عازر، محافظ البحيرة، وأكدت أن محطة المياه بمدينة أبو حمص، التي نُفذت بشراكة بين الجانب المصري والاتحاد الأوروبي، تخدم حاليًا أكثر من 200 ألف مواطن.
وأمام بوابة محطة معالجة المياه في أبو حمص، التقت "فكر تاني" المهندس سامح نصر، مدير عام محطات مياه الشرب بشركة مياه الشرب والصرف الصحي بالبحيرة، للتعرف إلى أسباب انقطاع المياه المتكرر وآلية عمل المحطة.
يوضح نصر أن المحطة تغذي مناطق في مراكز كوم حمادة وأبو حمص ودمنهور، ويبلغ إجمالي عدد المستفيدين من خدماتها نحو 122 ألفًا و400 نسمة. وبلغت التكلفة الإنشائية للمشروع نحو 126 مليون جنيه، فيما جرى تطويرها بدءًا من محطة ترشيح سريع كانت تبلغ طاقتها الإنتاجية نحو 300 لتر في الثانية، لتصل طاقتها إلى نحو 500 لتر في الثانية.
أما مصدر المياه، فهو نهر النيل عبر ترعة المحمودية. وتبدأ الرحلة داخل المحطة من المأخذ، حيث تمر المياه أولًا عبر مجموعة من الحواجز لحجب العوالق والمخلفات كبيرة الحجم، ثم تنتقل إلى بيارات المياه العكرة. وبعد ذلك تُسحب بواسطة 5 طلمبات، تبلغ الطاقة التصريفية للطلمبة الواحدة نحو 500 لتر في الثانية، قبل ضخها إلى أحواض الترسيب، حيث تبدأ مرحلة المعالجة الكيميائية بإضافة جرعات محسوبة من الشبة والكلور.
ويشير نصر إلى أن محافظة البحيرة تضم نحو 29 محطة مياه رئيسية، إلى جانب المحطات الأصغر، مع اختلاف أنظمة التشغيل بين المحطات. فهناك محطات تعتمد على أنظمة تنقية تقليدية، بينما تستخدم محطة كوم القناطر نظامًا مختلفًا في مراحل التنقية، بما يسمح برفع كفاءة المعالجة والإنتاج.
أما سبب الانقطاع المتكرر في بعض المناطق، فيربطه نصر بوجود العديد من التعديات على الخطوط الرئيسية في مناطق عدة، وهو ما يؤثر في حركة المياه ووصولها إلى المناطق المستهدفة، خصوصًا في نهايات الخطوط المائية، فتصل المياه بضغط ضعيف في أحيان كثيرة أو تنقطع عنها الخدمة بالكامل في أحيان أخرى.
ولا تتوقف الرحلة عند وصول المياه إلى المستهلك، إذ ترتبط سلامتها بما يحدث لها داخل المحطة أيضًا. وتوضح الدكتورة أمل منصور، رئيس قطاع المعامل بشركة مياه الشرب والصرف الصحي بالبحيرة، أن التأكد من سلامة المياه المنتجة يتم من خلال تحليلها بعد انتهاء مراحل المعالجة وقبل ضخها إلى الشبكة، مع إجراء اختبارات بكتريولوجية وفحوص بيولوجية، من بينها الكشف عن الطحالب والبكتيريا.
وتضيف أن باقي العناصر تُحلل وفقًا للمعايير الواردة في قرار وزير الصحة رقم 182 لسنة 2025، الذي يحدد الحدود القصوى لكل عنصر أو مؤشر في المياه المنتجة والمقدمة للمواطنين. ويجري التحقق من هذه العناصر داخل المعمل الكيميائي، ومن بينها الألومنيوم والكلوريدات وغيرها.
وتُجرى تحاليل المؤشرات السريعة مرتين يوميًا، صباحًا وبعد الظهر، وتشمل مختلف مراحل المعالجة، إلى جانب تحليل المياه عند مأخذ المحطة وعند خروجها منها قبل ضخها إلى الشبكة. وتوضح منصور أن خصائص المياه تتغير على مدار العام وفقًا للمواسم، وهو ما ينعكس على عملية المعالجة والجرعات المستخدمة، مع عدم وجود اختلاف كبير حاليًا بين الصيف والشتاء.
ومع تتبع العوامل التي قد تؤثر في طبيعة المياه وجودتها، تشير منصور إلى الصرف الصناعي باعتباره من أكبر مصادر التأثير على جودة المياه، موضحة أن المنشآت الصناعية أصبحت ملزمة بوجود وحدات لمعالجة مخلفاتها قبل تصريفها إلى مصادر المياه، وفقًا للقرار رقم 44 الذي يلزم المنشآت الصناعية بإنشاء وحدات معالجة قبل خروج مخلفاتها إلى مصادر المياه.
وعند جمع طرفي الرحلة، تبدو محطتا زغلول البحري وكوم القناطر نقطتين منفصلتين على خريطة الدلتا، لكن المسار الذي يجمع بينهما يتجاوز حدود المحافظتين. في الأولى، تُعالج مياه الصرف قبل أن تواصل طريقها إلى البيئة المائية، وفي الثانية تُفحص المياه الخام وتُعالج قبل أن تصل إلى حنفية المواطن.
وبين هاتين المرحلتين، تبقى المياه الحلقة التي تصل بين القصتين. فنجاح مشروعات الصرف في خفض الملوثات يخفف الأعباء الواقعة على منظومة مياه الشرب، بينما تؤدي الضغوط الجديدة على مصادر المياه إلى زيادة ما تتحمله محطات المعالجة.
وعلى امتداد هذه الرحلة، لا تقف حماية المياه عند بوابة محطة المعالجة، ولا تبدأ عند مأخذ محطة الشرب، وإنما تمتد عبر المنظومة كلها، من مصدر المياه إلى المصب، وبينهما شبكة من المشروعات والقرارات التي يفترض أن تضمن أن تصل المياه إلى المواطن آمنة، وأن تظل البيئة المائية التي تحملها قادرة على الاستمرار.