كيف ترى مبلغًا من المال قدره 15 جنيهًا؟ ماذا يشتري؟ ماذا يمنح؟ هل يصلح مكافأة لابنك على أدبه مثلًا؟ أم تستطيع وضعه في جيب شخص ما إكراميةً على معونة عابرة؟ هل تمنحه صدقةً لمحتاج، أم تذكارًا لحبيب؟ إنه مبلغ ملغز إلى حد يضنيك التفكير فيما يمكن أن تفعله به، فلا هو ورقة واحدة مثلًا، أو رقم زوجي مكتمل، وإنما مبلغ ونصف، مبلغ زهيد ونصف، لا يشتري حتى سندوتش فول ونصف، ومع ذلك ترى وزارة التضامن أنه يكفي كمكافأة لمن تطلق عليهن "رائدات اجتماعيات"، مقابل توعية أسرة كاملة بمخاطر الأمية والجهل.
والرائدات الاجتماعيات قيادات نسائية محلية متطوعة، تقمن بدور حلقة الوصل بين رسائل وبرامج وزارة التضامن الاجتماعي والأسر المستفيدة في القرى والمجتمعات المحلية، من خلال نشر الوعي الصحي والتعليمي والبيئي، ودعم الأسر العفيفة، ومساندة برامج القروض الصغيرة وتوجيه المستفيدين، فضلًا عن نقل احتياجات الأهالي ومشكلاتهم إلى الجهات المعنية في الوزارة، وذلك مقابل 15 جنيهًا عن كل أسرة توثق الرائدة زيارتها، شريطة استكمال 100 زيارة شهريًا للحصول على المبلغ كاملًا، فيما يُخصم منه مقابل كل أسرة لم تتم زيارتها، بينما تتحمل الرائدة تكاليف انتقالها من مالها الخاص.
35 عامًا على الأقدام
لكن حساب الـ15 جنيهًا لا يتوقف عند تعريف المهمة أو عدد الأسر، إذ يمكن قراءته في حياة رائدة اجتماعية أنهكها السير على قدمين بين القرى، فما زالت حنان، رغم 35 عامًا أمضتها في التوعية الميدانية، تختصر واقعها في أن «الوضع صعب قوي.. صوتنا لا يصل لأي جهة حكومية، بنتكلم كتير ومحدش سامعنا»، كأنها موظفة حديثة العهد تحاول انتزاع حق أو تحسين ظرف من ظروف العمل، لا امرأة أمضت أكثر من 3 عقود في الوظيفة نفسها، حتى أصبح جهدها في النهاية مرتبطًا بما يسجله "السيستم" من أسماء وزيارات ومستهدفات.
بدأت حنان عملها بمكافأة لا تتجاوز 40 جنيهًا، ثم ارتفعت تدريجيًا عبر السنوات حتى بلغت 900 جنيه، إلى أن ظهر نظام "الزيارات المشروطة"، عندها أصبحت مطالبة بالتسجيل الإلكتروني لـ200 أسرة في نطاقها الميداني، لتحصل على 15 جنيهًا عن كل أسرة توثق زيارتها، شريطة استكمال 100 زيارة شهريًا للحصول على المقابل كاملًا، فيما يُخصم منه بقدر الأسر التي لم تتم زيارتها.
ومع كل زيارة، هناك حساب آخر لا يظهر في الرقم المدون على "السيستم"، فالوصول إلى الأسرة يحتاج إلى انتقال قد تتجاوز كلفته المقابل المقرر لها. تقول حنان لـ"فكر تاني"، إنها "علشان أروح لأسرة واحدة في قرية أو عزبة بعيدة، بدفع مواصلات من جيبي أكتر بكثير من الـ15 جنيه اللي المفروض باخدها عنها".
لكن ما تدفعه الرائدة في الطريق ليس وحده ما يظل خارج الحساب، إذ يمتد الأمر إلى العلاقة نفسها التي تعمل في ظلها، حيث لا تملك حنان وزميلاتها حتى نسخة من العقد الذي ينظم عملهن، فيما رفض مديرها السماح لهن بتصويره، وتقول "ممنوع ناخد العقد، والمدير حتى مسمحش لنا نصوره بالموبايل".
وبين مقابل يُحسب على الزيارة وأساس تعاقدي لا تملك الرائدة تفاصيله، واصلت حنان وزميلاتها طرق الأبواب نفسها، على أمل أن يتغير شيء بعد كل هذه السنوات. تحدثن إلى المحافظين المتعاقبين، ورفعن مطالبهن إلى أعضاء مجلس النواب، لكن "العمر عدى والوضع بيمشي للأسوأ"، حسبما تقول حنان.
شرط الـ100
وإذا كانت حنان تقيس مسيرتها بعدد السنوات التي أمضتها في الميدان، فإن وزارة التضامن الاجتماعي تقيس اتساع هذه المنظومة بعدد الرائدات وحجم ما يُنتظر منهن، ففي 22 أبريل 2024، أكدت نيفين القباج، وزيرة التضامن الاجتماعي، زيادة عدد الرائدات الاجتماعيات إلى 15 ألف رائدة، معربة عن تقديرها لدورهن في التواصل مع الفئات والأسر المستهدفة من برامج الوزارة، ورفع وعيها بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية من خلال أنشطة وحملات برنامج "وعي" للتنمية المجتمعية.
وفي أكتوبر 2024، قالت جاكلين ممدوح، مدير عام الإدارة العامة لشئون المرأة بوزارة التضامن الاجتماعي، إن الرائدات يعملن على قضايا من بينها مناهضة ختان الإناث والزواج المبكر والتمكين الاقتصادي، موضحة أن كل رائدة ريفية تعمل على 200 أسرة للتعرف إلى احتياجاتها، إلى جانب قيادة الندوات وتنفيذ 100 زيارة للأسر بهدف التوعية.
هذا العدد نفسه، 100 زيارة، يظهر في تجربة نجوى بصورة مختلفة، إذ لا تراه مجرد رقم ضمن خطة عمل، وإنما شرطًا يحدد ما ستحصل عليه في نهاية الشهر. تعمل نجوى، 48 عامًا، رائدة اجتماعية منذ 2008، وتقول إن علاقتها بالعمل حملت تناقضًا آخر حين أُقيلت سابقًا من عملها بالوحدة المحلية بدعوى "الجمع بين وظيفتين"، ثم وجدت نفسها أمام توصيف مختلف حين طالبت بحقوقها، فتسأل "كيف يمنعوننا من الوظائف بدعوى أننا موظفات، ثم يقولون لنا إن عملنا مجرد تطوع لا يستحق أجرًا ثابتًا ولا قرارات تعيين؟".
وتعود نجوى بهذا التناقض إلى 2013، حين شهدت الرائدات احتجاجات موسعة أمام وزارة التضامن، وأسفرت، بحسب روايتها، عن صدور قرار رسمي بتعيينهن، لكنه لم ينفذ. واستمر العمل من دون عقود نهائية حتى 2023، حين فُرض عليهن التوقيع على ما سمي "عقد التطوع"، الذي تقول عنه نجوى "مضونا على عقد التطوع إجباري ومخلوناش نشوفه ولا نقراه عشان نعرف فيه إيه، والسيستم بيلزمنا بـ100 اسم شهريًا، والاسم بـ15 جنيه، ولو اسم متسجلش بيتخصم ومفيش مرتب ثابت".
تقيم نجوى في المدينة، بينما تقع قريتها المستهدفة على مسافة تكلفها 160 جنيهًا للمواصلات، بواقع 80 جنيهًا ذهابًا و80 إيابًا. وكل 15 يومًا تعيد الرحلة نفسها حتى تتمكن من المرور على السيدات وإنجاز 50 زيارة، تقول لـ"فكر تاني"، "بروح كل 15 يوم أضغط نفسي وأعصر حظي وأتزنق في المصاريف علشان ألف على السيدات وأعمل الـ50 زيارة".
وبعد تكرار الزيارات والموضوعات نفسها، لم تعد الكلفة مالية فقط، حيث تقول نجوى "الناس زهقت مننا ومن تكرار نفس المواضيع، وبنتحمل التهزيق يوميًا من الرجال والسيدات في القرى"، لتضيف إلى حساب العمل جانبًا لا يظهر في عدد الزيارات ولا في قيمة المكافأة
أما ما يخص الحماية، فتقول إن التأمين المتاح للرائدات يندرج تحت مظلة "تأمين العمالة غير المنتظمة"، من دون وجود تأمين صحي يغطيهن. وفي الوقت نفسه، تشهد الوحدات الاجتماعية بالقرى إغلاقًا تامًا بسبب نقص الموظفين، بينما تُمنع الرائدات من إسناد الأعمال الإدارية إليهن رغم حاجة الوحدات إليهن.
ورغم كل ذلك، لا تفكر نجوى في ترك العمل الذي لم تجد بديلًا له. تقول "أنا مكملة لأني ملقتش غير الشغل ده، ولو مشيت مش هلاقي حاجة أعملها.. وبطالب بأبسط حقوقنا، مرتب ثابت لا يقل عن 3 آلاف جنيه.. أنا لو قررت أمشي دلوقتي هيمشوني، بس خايفة أمشي يكون في خير جاي وأبقى قطعته".
وفي 2021 أكدت وزارة التضامن تقديم حزمة من المزايا المادية والاجتماعية للرائدات، شملت زيادة المكافأة الشهرية إلى 900 جنيه، وإدراجهن ضمن مظلة التأمين الصحي الشامل ورعاية غير القادرين، وتوفير الحماية التأمينية لهن، إلى جانب شمول أسر المعتمدات منهن بالدعم النقدي المشروط وبطاقات التموين ودعم الخبز حال الاستحقاق.
لم يعد هناك فرصة لحياة أخرى
تتضح المفارقة أكثر عند النظر إلى الشروط المطلوبة للالتحاق بالعمل نفسه. فالوزارة تفرض 11 شرطًا لاختيار الرائدة، وتلزمها باجتياز لجان اختبار ودورات تدريبية متخصصة، والالتزام بسرية البيانات، والعمل على 200 أسرة وتنفيذ 100 زيارة ميدانية شهريًا. وتشمل هذه الشروط امتلاك مهارة التواصل مع الآخرين، والتمتع بقدر جيد من الثقافة، والانتماء إلى المجتمع المحلي الذي تعمل فيه، وألا يقل العمر عن 21 عامًا، والحصول على مؤهل متوسط على الأقل، وحسن السير والسلوك والسمعة الطيبة، واللياقة الطبية والشخصية القيادية، إلى جانب التعهد بالحفاظ على سرية المعلومات الشخصية واجتياز الاختبار أمام لجنة الاختيار.
ولا تبدو هذه الشروط بعيدة عن تجربة كريمة، 37 عامًا، الحاصلة على البكالوريوس والمعدة لدرجة الماجستير. فقد بدأت، مثل غيرها، من اتفاق على مقابل شهري، قبل أن تتغير أرقامه مع الوقت. تقول لـ"فكر تاني" إن الاتفاق الأول عند التوقيع كان مكافأة قدرها 1500 جنيه شهريًا، ثم أُبلغن بخصم استقطاعات للتأمينات، فتراجعت إلى 1200 جنيه، وقبلن بذلك، حتى ارتبط الصرف لاحقًا بـ"تارجت الـ100 زيارة"، في وقت تتكلف فيه الزيارة الواحدة أكثر من 50 جنيهًا للمواصلات عند تغطية المناطق البعيدة.
وكان وراء استمرار كريمة وعد آخر سبق الأرقام، إذ تقول "في البداية ضُحك علينا، قيل لنا سينظم لكم عقد تطوع أسوة بالرائدات الصحيات، وبعد فترة سيتم تثبيتكم، انتظرنا ومرت السنين، وفوجئنا بأن سننا لم يعد يسمح بأي عمل آخر، ومضينا على عقد التطوع إجباريًا، ومُنعنا تمامًا من تصويره بالهاتف حتى لا نعرف بنوده أو نحتفظ بحقوقنا".
ومع الوقت، خرجت كريمة من الزيارات إلى داخل الوحدات الاجتماعية نفسها، حيث تقول إن نقص الموظفين دفع إلى تشغيل الرائدات في أعمال إدارية من دون مقابل مالي. وتشرح "الوحدات الاجتماعية أصبحت خاوية تمامًا من الموظفين بسبب العجز الإداري، فصاروا يشغلوننا مكان الموظفين لإدارة هذه الوحدات بدون أي مقابل مالي، وعندما نطالب بحقوقنا أو نرفض هذا الاستغلال، تقول الوزارة رسميًا لا تنزلوا المكاتب، بينما يطالبنا مسؤولو الوحدات بالعمل قائلين، الوزارة قالت لنا شغلوهم كده من تحت لتحت".
وتربط كريمة هذه الأزمة بزيادة عدد الرائدات أنفسهن، مستعيدة ما تقوله عن السنوات الأولى حين كان عددهن نحو 4 آلاف فقط "كنا نحو 4 آلاف رائدة فقط، وطالبنا مرارًا بتثبيتنا لسد العجز الصارخ في الموظفين بالوحدات الاجتماعية، وكان الرد الرسمي دائمًا لا توجد ميزانية، لكننا فوجئنا بالوزيرة نيفين القباج تعلن زيادة عدد الرائدات إلى 15 ألف رائدة، كمحاولة لقتل أي مطالب للتثبيت، واستبدال الاستقرار الوظيفي بعمالة مجانية أرخص تحت مسمى التطوع".
وعند وضع شهادات حنان ونجوى وكريمة إلى جوار البيانات الرسمية، تظهر صورة تلتهم مهام واسعة تبدأ بالتوعية وتصل إلى نقل احتياجات الأسر والعمل داخل الوحدات، في مقابل منظومة مالية تربط ما تحصل عليه الرائدة بعدد زياراتها، وتترك نفقات الوصول إليها على عاتقها، بينما تظل الصفة الرسمية "متطوعة".
وفي 22 فبراير 2022، أعلنت الدكتورة نيفين القباج، وزيرة التضامن الاجتماعي السابقة، ضم 3000 رائدة ريفية إلى منظومة التأمينات الاجتماعية اعتبارًا من يناير 2022، بتكلفة 4.5 مليون جنيه سنويًا، باعتبارهن من فئات العمالة غير المنتظمة التي يخضع لغطائها قانون التأمينات الاجتماعية رقم 148 لسنة 2019.
ثم جاءت واقعة نوفمبر 2025 لتكشف إلى أي حد يمكن أن تتغير هذه العلاقة بقرار إداري. ففي 5 نوفمبر 2025، أصدرت الوزارة قرارًا بـإيقاف عدد كبير من الرائدات الاجتماعيات عن العمل وتجميد استحقاقاتهن المالية، وبعد 3 أسابيع، أصدرت مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي، في 25 نوفمبر 2025 قرارًا بعودة جميع الرائدات الموقوفات إلى العمل مرة أخرى كمتطوعات، وصرف استحقاقاتهن المالية المقررة اعتبارًا من تاريخ الإيقاف.
ومن هنا يصبح وصف "المتطوعة" نفسه موضع سؤال، فالرائدة مطالبة بشروط واختبارات وتعهدات وتدريب، وتعمل وفق مستهدف شهري يصل إلى 100 زيارة، ويرتبط المقابل المالي بعدد الزيارات، ويُخفض حين لا يكتمل العدد، بينما تتحمل تكلفة انتقالها من مالها الخاص. وفي الوقت نفسه، تظل مطالبتها بأجر ثابت أو تثبيت أو وضع وظيفي أكثر استقرارًا تواجه بالتمسك بالصفة التطوعية، رغم وجود إشراف ومتابعة وتقييم ومساءلة قد تصل إلى الإيقاف عن العمل والتحقيق ثم العودة إليه.
ولا يقتصر السؤال على الأجر وطبيعة العقد، إذ تقول الرائدات إن بعضهن يُكلفن أيضًا بأعمال داخل الوحدات الاجتماعية لسد العجز الإداري من دون مقابل إضافي، فيما تظل الحماية الاجتماعية محدودة. فقد أُعلن عن ضم 3000 رائدة فقط إلى التأمينات الاجتماعية، في حين وصل عدد الرائدات إلى نحو 15 ألفًا، ما يترك وضع باقي الرائدات ومدى تمتعهن بالتغطية التأمينية والصحية محل تساؤل، خصوصًا مع طبيعة العمل الميداني.
وحاولت "فكر تاني" التواصل مع الدكتور محمد العقبي، المتحدث الرسمي باسم وزارة التضامن الاجتماعي، للحصول على رد الوزارة وتوضيح موقفها من الوقائع والشهادات الواردة في التحقيق، لكنه لم يرد على محاولات التواصل حتى تاريخ نشر الموضوع.
توصية برلمانية لم يؤخذ بها
ولأن المطالبة لم تتوقف عند الشكاوى الفردية، وصلت القضية إلى لجنة التضامن الاجتماعي بمجلس النواب، التي عقدت اجتماعين متتاليين لمناقشة طلبات إحاطة قدمها عدد من النواب حول تدهور الأوضاع المالية والوظيفية للرائدات الاجتماعيات المتعاقدات مع وزارة التضامن، مع المطالبة بحلول عاجلة لتحسين ظروفهن المادية والتأمينية والتصدي للعقبات التي تعوق دورهن الميداني.
وأوصت اللجنة وزارة التضامن بسرعة تحسين وزيادة قيمة المكافأة المخصصة للرائدات الريفيات، وإبرام عقود عمل شاملة تضمن الاستقرار الوظيفي، وتوفير تابلت لمساعدتهن على أداء المهام بدلًا من استخدام الهواتف المحمولة، واستخراج كارنيه لكل متطوع لإثبات هويته الوظيفية ومنع التعرض للمشكلات عند طرق الأبواب، إلى جانب توفير تأمين صحي واجتماعي لكل متطوع. ووفق شهادات الرائدات، لم تنفذ هذه التوصيات.
وهنا يصبح وصف "التطوع" موضع الإشكال نفسه، فالعلاقة لا تتوقف عند أداء عمل اختياري، وإنما تحدد للرائدة عدد الأسر والزيارات، وتربط مقابلها بما تنجزه، وتخضعها للإشراف والمتابعة.
عاملة أم متطوعة؟
ترى فاطمة فؤاد، أمينة العمال بحزب المحافظين، أن تحديد طبيعة العلاقة لا يتوقف على الاسم المستخدم، وإنما على شكل العمل نفسه. وتشير إلى أن قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 وضع معايير تتعلق بطريقة أداء العمل، ودورية الأجر، ووجود تبعية أو إشراف من جهة العمل.
وبحسب فؤاد، تتوافر هذه العناصر في عمل الرائدات، إذ يخضعن لإشراف الوزارة، ويحصلن على مقابل مالي دوري، ويرتبط هذا المقابل بعدد محدد من الزيارات. ولذلك ترى أن العلاقة أقرب إلى علاقة عمل لا تطوع، لأن التطوع يقوم على الإرادة الحرة ولا يرتبط بإنتاج محدد أو مستهدفات إلزامية.
وتعتبر أن استمرار استخدام مسمى "التطوع" رغم توافر هذه العناصر يمثل، من وجهة نظرها، تحايلًا على حقيقة العلاقة القانونية. وتشير إلى أن قانون التأمينات الاجتماعية رقم 148 لسنة 2019 يسري على العاملين لدى الغير، ويتيح للعامل إثبات علاقة العمل متى توافرت عناصرها.
ولهذا تطالب وزارة التضامن بمنح الرائدات عقود عمل واضحة وتوفير الحماية التأمينية لهن، مؤكدة أن العلاقة، بحسب تقديرها، تستوفي شروط علاقة العمل وفق قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، بما يستوجب تطبيق الحقوق المقررة للعاملين، وعلى رأسها التعاقد الرسمي والتأمين الاجتماعي وتطبيق الحد الأدنى للأجور.
تفكيك العلاقة بوزارة التضامن
ويضع الدكتور شفيق شعبان، الحاصل على ماجستير في القانون الخاص وعضو لجنة الدفاع بالمنظمة المصرية لحقوق الإنسان، المسألة عند نقطة أسبق من الاسم، حيث ينطلق من قاعدة "العقد شريعة المتعاقدين"، ثم يوضح أن الوصف الذي يرد في العقد لا يكفي وحده لحسم طبيعته، قائلًا "العبرة ليست بالمسمى الذي يطلقه الطرفان على العقد، وإنما بحقيقة العلاقة وطبيعة الالتزامات التي يتضمنها وكيفية تنفيذها".
ومن هذه القاعدة، يرى شعبان أن مجرد إطلاق وصف "عقد تطوع" على العلاقة بين الرائدات ووزارة التضامن لا يحسم القانون الواجب التطبيق، فإذا توافرت في العلاقة شروط قانون آخر ينظمها، تصبح قواعده محل نظر بصرف النظر عن المسمى الإداري.
وعند قراءة البنود المنظمة لعمل الرائدات، يلفت إلى مجموعة من العناصر التي تستدعي فحص طبيعة العلاقة، من بينها تحديد عدد معين من الأسر المطلوب زيارتها، وتكليف الرائدة بمهام محددة من الجهة الإدارية، ووجود إشراف ومتابعة على تنفيذ العمل، فضلًا عن الالتزام بتعليمات محددة وتقييم الأداء.
ويرى أن ربط المقابل المالي بإنجاز المستهدف الشهري يمثل عنصرًا آخر يستحق البحث، خصوصًا عندما يحسب المقابل وفق عدد الزيارات أو الأسر التي جرى التعامل معها، ثم ينخفض عند عدم تحقيق العدد المحدد.
وفي ملف التأمين، يرى شعبان أن طبيعة العمل الميداني تستدعي بحث الحماية التأمينية، لا سيما فيما يتعلق بإصابات العمل والمخاطر التي قد تتعرض لها الرائدة أثناء التنقل في القرى. ويقول "وبالتالي يجب بحث مدى خضوع هذه العلاقة لأحكام قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات متى توافرت شروط تطبيقه".
ويضع شعبان السؤال في صورته الأوضح، فإذا كانت الرائدة تلتزم بأداء مهام محددة، وتعمل تحت إشراف جهة إدارية، وتخضع للتقييم والمتابعة، وتحصل على مقابل مالي بصورة دورية، فإن هذه العناصر تثير تساؤلًا جديًا عن حقيقة العلاقة القانونية، وما إذا كانت تقتصر على التطوع أم تتوافر فيها عناصر علاقة العمل.
أما الوصف القانوني للعلاقة، فيظل مرتبطًا بحقيقتها وطريقة تنفيذها، وهي حقيقة تعرفها حنان جيدًا، لا من نص رسمي جامد، وإنما من 35 عامًا قضتها في الشارع بين القرى والأسر، وما زالت في نهايتها تحسب أجرها بعدد الزيارات، بدأت رحلتها بمكافأة قدرها 40 جنيهًا، ثم وصلت إلى 900 جنيه، قبل أن تجد نفسها أمام 15 جنيهًا عن كل أسرة، و100 زيارة عليها إنجازها كل شهر، ومواصلات تدفعها من جيبها، وعقد لا تملك حتى نسخة منه. ومع ذلك، لا تزال وزميلاتها متمسكات بهذا العمل، وينتظرن أن تمنحهن السنوات التي أمضينها في الشارع قدرًا من الاستقرار، بعدما ظل الأمل الذي دفعهن إلى مواصلة الطريق كل هذه المدة هو العنصر الوحيد الذي لم يحظَ بأي حساب على "السيستم".