أسبوعان فقط فصلا بين حادثين على طريق الدواويس بمحافظة الإسماعيلية الشهر الماضي، ربما كان الحدث الأشهر تصادم شاحنتين محملتين بعمال زراعة، ومصرع 18 شخصاً وإصابة أكثر من 30 آخرين، ورغم هذه الفاجعة لم يتوقف النزيف فبعد عدة أيام وقع تصادم بين سيارة ربع نقل وأخرى ملاكي أسفر عن إصابة 17 شخصًا.
بين الحادثين يستمر نزيف عمال الزراعة على الطرق في ظل الغياب التام لأدنى عوامل الأمان والسلامة، مما دفعنا للتساؤول عن حجم الخطر وأماكن تمركزه ومعدلات تكراره، لنرسم خريطة تبين نطاق انتشاره وطبيعة ضحاياه.
نزيف مستمر
تكشف بيانات حوادث عمال الزراعة التى رصدها "فكر تاني" خلال الفترة من 2021 حتى أغسطس 2026 وقوع 55 حادثة، أسفرت عن 835 مصابًا و107 وفيات، فيما بلغ عدد الأطفال الوارد ذكرهم ضمن ضحايا هذه الحوادث 65 طفلًا، بحسب قاعدة البيانات التي صممناها من خلال أرشيف أخبار صحف: اليوم السابع والأهرام والمصري اليوم والشروق، واستخدام الكلمات المفتاحية: حادثة عمال زراعة، عمالة زراعية، وسيارة عمال زراعيين.
كما تكشف البيانات أن 2022 سجل العدد الأكبر من الحوادث بواقع 15 حادث، تلاه عام 2025 بـ14 حادث، ثم 2024 بـ8 حوادث، و2023 بـ7 حوادث، بينما شهد عام 2021 خمس حوادث، وحتى أغسطس 2026، سجل البيانات 6 حوادث خلال العام الجاري.
ورغم أن عام 2022 شهد أكبر عدد من الحوادث، فإن 2025 سجل أعلى عدد من المصابين، بإجمالي 189 مصابًا، مقابل 158 مصابًا في 2022، و142 في 2023، و138 في 2024، و87 في 2021، بينما بلغ عدد المصابين في الحوادث المرصودة خلال 2026 نحو 121 مصابًا حتى أغسطس.
أما الوفيات، فسجل عام 2025 العدد الأكبر بواقع 33 وفاة، بفارق وفاة واحدة فقط عن 2026، الذي سجل 32 وفاة حتى أغسطس. وشهد عام 2022 تسجيل 23 وفاة، مقابل 10 وفيات في 2024 و9 في 2023، بينما لم تسجل البيانات أي وفيات في الحوادث الخمسة المرصودة لعام 2021.
البحيرة .. تنزف أكثر
من خلال تحليل بيانات المحافظات، نتوقف أمام محافظة البحيرة التي تتصدر قائمة المحافظات من حيث عدد الحوادث، بـ31 حادث من أصل 55، أي أكثر من نصف الحوادث المرصودة، وأسفرت هذه الحوادث عن 390 مصابًا و49 وفاة. ويبرز الظهير الصحراوي بالبحيرة كموقع متكرر في البيانات، إذ وردت حوادث فيه خلال عدة سنوات، إلى جانب مواقع مثل وادي النطرون، وطريق العلمين، والطرق الصحراوية والإقليمية والساحلية.
فيما تأتي الإسماعيلية في المرتبة التالية بـ7 حوادث، أسفرت عن 171 مصابًا و20 وفاة، بينما سجلت المنوفية حادثتين فقط، لكنهما أسفرتا عن 22 وفاة.
وتظهر البيانات كذلك وقوع حوادث في محافظات أسيوط، وكفر الشيخ، والشرقية، والمنيا، والوادي الجديد، وأسوان، والدقهلية، ودمياط، والإسكندرية، إلى جانب البحيرة والإسماعيلية والمنوفية.
على مستوى وسائل النقل، تكشف البيانات عن اعتماد شبه كامل على سيارات النقل؛ إذ ارتبطت بها 51 حادثة من أصل 55، وأسفرت عن 785 مصابًا و104 وفيات، بينما سجلت التروسيكلات حادثتين، والميكروباص حادثتين.
وترى منى عزت، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة النون لرعاية الأسرة أن توفير الحماية لعمال الزراعة يبدأ بإلغاء استخدام التروسيكلات وسيارات النقل والنصف في نقل العمالة من القرى إلى المزارع، موضحة أن المشكلة لا تتعلق بعدد الركاب، وإنما بعدم أمان هذه الوسائل، حتى إذا كان يستقلها شخص واحد.
"العامل الذي يجلس في صندوق السيارة، أو فوق حمولة التروسيكل معرضًا للسقوط عند الفرملة المفاجئة أو التعرض لخبطة أو رجة أثناء السير"، تقول منى.
تؤكد أن الخطر لا يقتصر على الطرق الرئيسية، إذ يقطع العمال مسافات داخل المناطق الزراعية عبر طرق غير ممهدة، ما يعرضهم للمخاطر نفسها. وترى أن الميكروباصات تمثل وسيلة أكثر أمانًا، إلى جانب توفير الحماية من التعرض المباشر للشمس وارتفاع درجات الحرارة.
أطفال في خطر
تكشف البيانات الخطر الذي يواجهه الأطفال على الطريق، فظهر وقوع 65 طفلًا ضحايا في 7 حوادث من إجمالي الحوادث المرصودة، وسجل عام 2025 العدد الأكبر منهم، بواقع 29 طفلًا، يليه 2026 بـ18 طفلًا، ثم 2021 بـ14 طفلًا، و2022 بطفلين، و2024 بطفلين.
وتكشف البيانات عن حوادث ذات حصيلة بشرية كبيرة؛ من أبرزها حادث طريق دواويس بالإسماعيلية في أغسطس 2026، الذي أسفر عن 32 مصابًا و19 وفاة، بينهم 18 طفلًا، وحادث الطريق الإقليمي بالمنوفية في يونيو 2025، الذي سجل 19 وفاة جميعهم من الأطفال وفق البيانات، إضافة إلى حادث الظهير الصحراوي بالبحيرة في يوليو 2026، الذي أسفر عن 9 وفيات ومصابين اثنين.
رغم ضخامة الأرقام، ترى لمياء لطفي، مؤسسة مبادرة المرأة الريفية، أن حوادث العمالة الزراعية أصبحت «يومية»، ولا نعرف عنها سوى القليل، مشيرة إلى رصد المبادرة عدة حوادث ولا تحظى بالاهتمام الإعلامي إلا عندما يكون عدد المصابين كبيرًا أو تقع وفيات، مستشهدة بحادثة وصل فيها عدد المصابين، وفق ما رصدته المؤسسة، إلى 22 شخصًا، بعدما بدأ الحديث عن 15 مصابًا، موضحة أن بعض المصابين غادروا المستشفى في اليوم نفسه رغم إصابتهم بكسور.
تُعرّف الأمم المتحدة عمالة الأطفال بأنها الأعمال التي تثقل كاهلهم، وتهدد حياتهم، وتنتهك حقهم في التعليم.وتنص المادة 80 من الدستور المصري على اعتبار كل من لم يبلغ 18 عاماً طفلاً، وتُلزم الدولة بحمايته من العنف والاستغلال.وصدر خلال العام الماضي قانونًا جديدًا للعمل، حظر تشغيل الأطفال قبل سن 15 عاماً، مع السماح بالتدريب من سن 14، ومنع تشغيل الأطفال في الأعمال التي تعرّض صحتهم أو أخلاقهم للخطر. كما حدد القانون ساعات العمل بست ساعات يومياً، مع فترات راحة، ومنع العمل الإضافي أو في أيام الراحة. وتحتل مصر المرتبة 44 عالمياً في مؤشر حقوق الطفل لعام 2025 من بين 194 دولة، كما انخفضت نسبة عمالة الأطفال (من 5 إلى 17 عاماً) إلى 4.9 في المئة في 2021، مقارنة بـ7 في المئة عام 2014.
وتكشف مراجعة البيانات الرسمية عن فجوة كبيرة في رصد عمالة الأطفال في مصر؛ إذ لا توفر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء سلسلة سنوية متصلة لأعداد الأطفال العاملين، وإنما تستند أحدث البيانات المتخصصة إلى المسح القومي لعمالة الأطفال لعام 2010، والذي أظهر وجود نحو 1.8 مليون طفل عامل في الفئة العمرية من 5 إلى 17 عامًا، ، مما يشير إلى محدودية البيانات السنوية المتاحة لرصد تطور الظاهرة.
وفيما يتعلق بعمالة الأطفال في القطاع الزراعي، ترفض رئيسة مجلس أمناء مؤسسة نون لرعاية الأسرة، منى عزت "تقنين" عمالة الأطفال، مؤكدة أن عمالة الأطفال ممنوعة ومجرمة تمامًا، سواء في الورش أو القطاع الزراعي أو غيره، بموجب الاتفاقيات الدولية والقانون الوطني وقانون العمل.
وتوضح أن هناك فرقًا بين عمالة الأطفال وبين ما يسمح به قانون العمل في المادة رقم 62 لعام 2025، التي تحظر تشغيل الأطفال قبل بلوغهم سن 15 عام، ولكن يجوز عمله في إطار التدريب من سن 14 عام، حيث يمكن للطفل العمل عددًا محددًا من الساعات، على أن تتخلل ذلك فترة راحة، وألا يؤدي أعمالًا خطرة أو يتعارض ذلك مع مواعيد الدراسة.
وتشير إلى أن الطفل في هذه الحالة يكون لديه سجل أو كراسة يتم فيها تسجيل عدد ساعات العمل، وفترة الراحة، والمبلغ الذي يحصل عليه، على أن يكون ذلك في إطار التدريب وليس العمل المحظور.
وتؤكد أن ما تسمح به القواعد في هذه الحالة يندرج تحت ما يسمى بالتلمذة أو التدريب، بشرط ألا يتعرض الطفل لمهن خطرة أو أضرار صحية، وألا يتعارض التدريب مع حقه في التعليم ومواعيد الدراسة.
من جانبها تلفت لمياء لطفي إلى أن الطفل في كثير من الأحيان لا يعتبر نفسه عاملًا "يرى أنه يعمل خلال الإجازة الصيفية للحصول على دخل"، لافتة إلى ارتباط . تشغيل الأطفال بالاحتياج الاقتصادي للأسرة، وليس الرغبة في العمل خلال العطلة الصيفية.
"الطفل الذي يعمل مقابل نحو 100 جنيه يوميًا قد يمثل مصدر دخل للأسرة، وأن توقفه عن العمل مع بداية الدراسة قد يحرم الأسرة من هذا الدخل، وهو ما قد يؤدي إلى تسرب الأطفال من التعليم واستمرارهم في العمل" تقول لمياء محذرة من التسامح مع هذا النمط من "استغلال الأطفال".
فجوة البيانات
من ناحية أخرى، تكشف بيانات بحث القوى العاملة الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن استمرار أهمية نشاط الزراعة وصيد الأسماك في سوق العمل المصري، إذ بلغ عدد المشتغلين بهذا النشاط نحو 5.325 مليون شخص عام 2020، قبل أن يتراجع العدد إلى 5.232 مليونًا في 2021.
وعاد عدد العاملين إلى الارتفاع خلال العام التالي، مسجلًا نحو 5.286 مليون مشتغل في 2022، ثم استقر تقريبًا في 2023 عند 5.284 مليون مشتغل، قبل أن يشهد ارتفاعًا ملحوظًا في 2024، ليصل إلى نحو 5.594 مليون مشتغل.وبذلك ارتفع عدد المشتغلين في نشاط الزراعة وصيد الأسماك بنحو 269 ألف شخص خلال الفترة من 2020 إلى 2024، بزيادة تقارب 5.1% مقارنة بمستواه في بداية الفترة. ورغم هذا الارتفاع، تراجعت مساهمة النشاط في إجمالي المشتغلين من نحو 20.3% عام 2020 إلى 18.7% عام 2024، مع اختلافات محدودة خلال السنوات الخمس. ويعكس ذلك أن الزيادة في أعداد العاملين بالزراعة جاءت في الوقت الذي توسع فيه إجمالي حجم قوة العمل والمشتغلين في القطاعات الاقتصادية الأخرى أيضًا.
وتشير هذه الأرقام إلى أن ملايين المصريين ما زالوا يعتمدون على العمل في الزراعة وصيد الأسماك كمصدر للدخل، إلا أن الرقم الإجمالي لا يكشف طبيعة ظروف هؤلاء العاملين أو مدى تمتعهم بالحماية القانونية والاجتماعية، كما لا يوضح حجم مشاركة النساء والأطفال في هذا النشاط.
وتكتسب هذه الفجوة أهمية خاصة في ظل التحقيق في ظروف عمل النساء والأطفال في القطاع الزراعي؛ فالرقم الإجمالي يخفي فئات مختلفة من العمالة، بينها العمالة الموسمية وغير المنتظمة، والعاملون لدى أسرهم دون أجر، فضلًا عن النساء والأطفال الذين قد يعملون في مراحل مختلفة من العملية الزراعية.
ومن ثم، فإن تحديد عدد العاملين في النشاط لا يمثل سوى الخطوة الأولى، بينما يتطلب قياس حجم فجوة الحماية تفكيك هذه الأرقام بحسب النوع والعمر والمحافظة وطبيعة علاقة العمل، ومقارنتها بأعداد المسجلين ضمن منظومة العمالة غير المنتظمة والمستفيدين من التأمينات والحماية الاجتماعية.
وبحسب البيانات، سجل عام 2024 أعلى عدد للمشتغلين في نشاط الزراعة وصيد الأسماك خلال السنوات الخمس محل المقارنة، بزيادة تقدر بنحو 310 آلاف مشتغل عن عام 2023 وحده، أي ما يقارب 5.9%. ويطرح هذا الارتفاع سؤالًا استقصائيًا حول مدى مواكبة منظومة الحماية والرقابة لهذه الزيادة، وما إذا كان ارتفاع أعداد العاملين قد صاحبه ارتفاع مماثل في أعداد المسجلين والمؤمن عليهم والمستفيدين من خدمات الحماية الاجتماعية.
الرقابة الغائبة
على كثرة العمالة الزراعية تبدو الرقابة فريضة غائبة عن المزارع، وهو ما تعتبره لمياء لطفي إحدى المشكلات الرئيسية، خاصًة أن الكثير من العاملين لا تربطهم عقود عمل مباشرة بأصحاب المزارع، لافتة إلى العمالة اليومية التي يتم جلبها للمزارع من خلال مقاولي الأنفار.
"صاحب المزرعة قد يكون مسجلًا لدى هيئة التأمينات الاجتماعية ويؤمّن على عدد محدود من العمال الدائمين، مثل العامل المسؤول عن المياه أو الكهرباء أو الحراسة، لكنه لا يؤمّن بالضرورة على العمال الموسميين الذين يأتون للزراعة والحصاد" توضح لمياء.
وتتوقف أمام الفجوة بين التشريعات وآليات تنفيذها، مشيرة إلى أن قانون العمل تغير في عام 2025، لكن تطبيق أحكامه على العمالة الزراعية يحتاج إلى تفاصيل تنفيذية واضحة. كما تشير إلى أن القانون يتضمن مد مظلة الحماية الموجودة في لائحة تشغيل النساء إلى العاملات في الزراعة، بعد إزالة الاستثناء الذي كان موجودًا في القانون السابق، إلا أنها تؤكد أن السؤال الأساسي "كيف نطبق هذا على أرض الواقع؟"
مغامرة الطريق.. ومخاطر أخرى
لا تشكل الطرق الخطورة الوحيدة التي تواجه العمالة الزراعية، وأغلبها من النساء والأطفال، لكنها تمتد لجوانب أخرى توضحها رئيسة مجلس أمناء مؤسسة نون لرعاية الأسرة، منى عزت مشيرة إلى الظروف المهنية الصعبة التي يمر بها عمال الزراع.
"التعرض للشمس ساعات طويلة ودرجات الحرارة المرتفعة، يؤدي إلى الإجهاد الحراري وضربات الشمس والأمراض الجلدية وارتفاع أو انخفاض ضغط الدم" تقول منى، مطالبة بإدراج هذه الحالات ضمن جداول الأمراض المهنية في قانون العمل، بما يضمن حصول المصاب على الإشراف والعلاج باعتبارها إصابات أو أمراضًا مهنية.
وتشدد على ضرورة حصر وتسجيل العمالة الزراعية غير المنظمة، من خلال قاعدة بيانات تتضمن أعداد الرجال والنساء وأماكن عملهم، حتى لو كانت أماكن العمل متغيرة، بما يسمح بإخضاعهم لقانون التأمينات الاجتماعية.
كما تطالب بتعديل قانون التأمينات الاجتماعية لضمان حصول العمالة غير المنظمة على الحقوق نفسها التي تحصل عليها العمالة المنظمة، بما يشمل التأمين الاجتماعي والرعاية الصحية والتعويضات المرتبطة بإصابات العمل والعجز الجزئي أو الكلي، مشددة على أن "الدولة يمكن أن تحل محل صاحب العمل في الالتزامات التأمينية بالنسبة لهذه الفئة".
وتضيف أن المؤسسة تعمل كذلك على تشجيع العمال على التنظيم داخل النقابات أو من خلال مجموعات تعاونية وإنتاجية، باعتبارها وسيلة لتحقيق قدر من الأمان الاقتصادي والتمكين، بما قد يقلل اضطرارهم إلى العمل في ظروف غير آمنة.
أرقام تقترب من ألف مصاب وقتيل، بينهم عشرات الأطفال الذين تحولت أحلام طفولتهم إلى أعباء على طرق الموت، هؤلاء ليسوا مجرد إحصائيات عابرة في أرشيف الصحف، لكنها جرس إنذار لا ينبغي تجاهله، لنفتح الأبواب أمام تحويل القوانين إلى واقع ووضع سياسات جادة لحماية الأطفال والعمالة الزراعية اليومية الأكثر ضعفًا.