كيف وجدت حرب الصين وأمريكا طريقها إلى مصر؟

منذ تقديم شركة هواوي الصينية عرضًا لإنشاء مراكز بيانات متطورة للذكاء الاصطناعي تخدم قطاعات حكومية مختلفة في مصر، إلى جانب إنشاء قاعدة بيانات وطنية للسكان والسجل المدني، وجدت الحكومة المصرية نفسها أمام خيار لا تملك رفاهية تأجيله، فمصير بنيتها التحتية الرقمية للعقود المقبلة صار رهين قرار واحد، يضعها في القلب من التنافس الصيني الأمريكي في مجال التقنية والرقائق والبرمجيات، ويحتم عليها أن تزن بدقة ما تربحه من هذا السباق مقابل ما قد تخسره من استقلالية قرارها التقني.

ولفهم حجم العرض المطروح، وما إذا كان يستحق كل هذا الجدل الدائر حوله، يجب التوقف عند طبيعة مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي نفسها، بوصفها منظومة تتجاوز فكرة السيرفرات التقليدية إلى معالجات عملاقة متخصصة في تحليل كميات هائلة من البيانات بسرعة فائقة، مثل مقاطع الفيديو والصور والنصوص، والتعرف على الأنماط، وإنتاج التنبؤات أو الاستجابات، أو بتبسيط أدق، نموذج ضخم يعمل بالمنطق ذاته الذي تعمل به برامج مثل ChatGPT، وهو ما يتجسد ماديًا في مبانٍ زجاجية شاسعة تحاكي مشاهد أفلام الخيال العلمي، مكدسة بأجهزة كمبيوتر عملاقة ووحدات تخزين تشبه الهاردات الضخمة المتصلة ببعضها، تعمل بلا توقف على مدار الـ24 ساعة في أجواء باردة تحول دون ارتفاع حرارتها.

وإذا كانت هذه الصورة تبدو بعيدة عن التجربة اليومية، فإن كل مستخدم في هذا العصر يتعامل بالفعل مع نسخة مصغرة منها، تُعرف بمراكز البيانات التقليدية، وهي التي تقف خلف مشاهدة مقطع فيديو على يوتيوب، أو تصفح فيسبوك، أو إرسال رسالة عابرة عبر واتساب، إذ تحفظ هذه التطبيقات بياناتها فيها، وتصون نسخًا احتياطية منها تكفل استعادتها متى تعطل الجهاز.

غير أن الفارق الجوهري يكمن في الحجم والوظيفة حين تكبر الفكرة نفسها لتتحول إلى مراكز عملاقة، تعتمد عليها البنوك والشركات في معالجة ملايين عمليات الشراء والتحويلات المالية حول العالم خلال ثوانٍ معدودة وبأمان تام، بل تمتد لتشمل شؤون الحياة اليومية كافة، من روبوتات المحادثة الذكية كـChat GPT، مرورًا بتحليل البيانات الضخمة، ووصولًا إلى الترفيه ومقاطع الفيديو والأفلام.

هذا الحجم من القدرات هو ما جعل العرض الصيني يتحول سريعًا إلى قضية تتجاوز حدود التعاون التقني. فبمجرد تقديم هواوي عرضها، طالبت الإدارة الأمريكية على الفور شركات أمريكية شهيرة، مثل إنفيديا وAMD ومايكروسوفت، بتقديم عرض أمريكي بديل، في تطور أثار استغرابًا عالميًا، خصوصًا أن الشركات الأمريكية كانت تركز في نشاطها الخارجي على الدول الأوروبية والدول النفطية الثرية، مثل الإمارات والسعودية.

ويستهدف التصور المطروح من هواوي إنشاء منطقة متكاملة تضم بنية تحتية قادرة على استضافة وتشغيل مراكز بيانات ضخمة، وتوفير قدرات حوسبة تلائم التطبيقات الحديثة للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية. وهذا يعني أن الحكومة لن تكتفي باستضافة الخوادم والبيانات، وإنما ستتمكن من تقديم خدمات الحوسبة ومعالجة البيانات لأسواق مصر والمنطقة.

لماذا الصراع الصيني الأمريكي؟

لفهم سبب وصول هذا التنافس إلى مصر، تظهر منصة Ascend في قلب المشهد، إذ تمثل مصر اختبارًا مبكرًا لقدرات المنصة التي طورتها هواوي لمعالجة الذكاء الاصطناعي ردًا على القيود الأمريكية المفروضة على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي إلى الصين، خصوصًا الرقائق التي تنتجها إنفيديا. وليس نجاح هذه المنصة الصينية في ترسيخ وجودها خارج حدودها أمرًا هينًا، إذ يعني عمليًا ميلاد بديل دولي قابل للتطبيق في مجال البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

ومن هنا يمكن فهم جانب من القلق الأمريكي، فـالولايات المتحدة تخشى فقدان هيمنتها على تقنيات الذكاء الاصطناعي عالميًا، وهو ما دفعها إلى فرض قيود على تصدير بعض المنتجات الأمريكية إلى الصين بهدف تقليل نفوذ الأخيرة عالميًا. وفي حال نجاح هواوي في مصر، ستكون النتيجة ضربة قوية لشركات التقنية الأمريكية.

وتزداد أهمية هذا الاحتمال مع سيطرة إنفيديا الأمريكية على ما بين 90% من سوق رقائق مراكز البيانات على مستوى العالم، بفضل امتلاكها نوعين من الرقائق صُمما خصيصًا لأقوى نماذج الذكاء الاصطناعي عالميًا، وهما Hopper وBlackwell. وتقدم الأخيرة أداءً أعلى بـ 2.5 مرة من الجيل السابق لهوبر، كما تحول الحاسب التقليدي إلى وحدات معالجة فائقة القوة قادرة على تنفيذ عمليات التدريب والاستدلال بسرعة وكفاءة غير مسبوقة.

وفي مواجهة إنفيديا عالميًا تقف شركتان أمريكيتان أيضًا، هما AMD التي لديها شريحة MI450، وIntel، وهي الأقل بين الشركات الثلاث. ولضمان النفوذ الأمريكي عالميًا، فرضت واشنطن حظرًا على تصدير بعض الرقائق الذكية إلى الصين حتى لا تتمكن من تطوير نماذج أقوى منها.

ولهذا جاء التحرك الأمريكي في مصر سريعًا، إذ استقبل المهندس رأفت هندي، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات المصري، بعد يوم واحد فقط من مغادرة الرئيس الصيني لمصر، تحالفًا أمريكيًا من مطوري مراكز البيانات لبحث إقامة بنية متكاملة لمراكز البيانات العملاقة والذكاء الاصطناعي في مصر.

كيف تفكر مصر؟

تكشف الطريقة التي تنظر بها مصر إلى المشروع عن بُعد آخر لهذا التنافس، فالدولة تستهدف إنشاء بنية تحتية محلية للذكاء الاصطناعي تقلص اعتمادها على خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي الأجنبية، لكنها لا تملك القدرة على إنشاء هذه البنية بمفردها، ما يفرض عليها الاعتماد على مورد خارجي تختاره بعناية.

وتكمن الصعوبة في أن وجود الخوادم داخل مصر لا يعني امتلاك السيطرة الكاملة عليها، إذ ستظل بحاجة إلى التحديثات والخبرات الفنية والأجهزة والبرامج المتوافقة معها. ولهذا تصبح مسألة اختيار الشريك أكثر حساسية، لحين "تمصير تلك التقنيات وتطويرها محليًا".

ويكشف العرض الصيني عن حجم البنية المقترحة، إذ يتضمن توريد أكثر من 2008 رقائق متطورة للذكاء الاصطناعي، منها 1408 رقائق من سلسلة Ascend 950 للتدريب السحابي، إلى جانب 600 رقاقة إضافية لمعالجة النماذج، أو ما يعرف بالاستدلال.

وفكرة السحابة عبر الإنترنت تقوم ببساطة على تخزين المعلومات وحمايتها لدى طرف آخر، وبدلًا من شراء أجهزة كمبيوتر غالية الثمن وتخزين البيانات عليها محليًا، تتيح السحابة استئجار هذه الموارد عبر الإنترنت من شركات كبرى مثل جوجل وأمازون ومايكروسوفت، وهو ما تسعى مصر إليه من خلال امتلاك "سحابة محلية".

أما نماذج الاستدلال، فعملية تشغيل نموذج ذكاء اصطناعي مُدرب بالفعل لإنتاج توقعات أو قرارات بناءً على بيانات جديدة، مثلما يحدث عند التحدث مع الذكاء الاصطناعي. وبذلك يتضمن العرض الصيني مرحلتي "التدريب"، أي دراسة نموذج الذكاء الاصطناعي وتعلمه، و"الاستدلال"، أي تطبيق ما جرى التدريب عليه في العالم الحقيقي.

ولا يقف العرض عند حدود الرقائق والبنية الحوسبية، إذ يتضمن أيضًا شراكة أمنية في ضوء التعاون المقترح مع شركة iFlytek الصينية المتخصصة في تقنيات تحديد هوية الأفراد والمركبات وربطها بقاعدة بيانات السجل المدني. وقد اقترحت هواوي إنجاز البنية التحتية بالكامل خلال 12 شهرًا فقط. ويمكن تصور الاستخدام ببساطة من خلال مثال التقاط مخالفة مرورية، إذ يتم تصوير الشخص أثناء المخالفة ثم معالجة الصورة لربطها بالاسم.

وتوفر أنظمة المراقبة الصينية أجهزة وتقنيات للمراقبة الحضرية الذكية، بما يتيح نظام مراقبة شاملًا للمدينة، مع رؤية بانورامية للمراقبة الأمنية على شاشة واحدة. وتستخدم وزارة الأمن العام الصينية هذا النوع من الأنظمة بما يسمح برصد حركة المرور والحوادث بصورة لحظية.

الذكاء الاصطناعي محور صراع الصين وأمريكا

وتحمل هذه التفاصيل التقنية امتدادًا مباشرًا إلى قواعد التصدير الأمريكية. فمنذ عام 2023، فرضت الولايات المتحدة قيودًا صارمة تتطلب الحصول على تراخيص وموافقات مسبقة من وزارة التجارة الأمريكية قبل شحن رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة، مثل معالجات إنفيديا، إلى مصر ونحو 40 دولة أخرى في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

وكان القرار الأمريكي مبررًا آنذاك بمخاوف واشنطن من احتمال وصول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى الصين عبر جهات خارجية في الشرق الأوسط. وخضعت شركة G42، وهي شركة ذكاء اصطناعي مقرها الإمارات العربية المتحدة ولها علاقات سابقة مع الصين، للتدقيق من جانب الولايات المتحدة.

كما سبق أن أصدرت أمريكا تحذيرات من استخدام تقنيات هواوي الصينية التي حظرتها في الولايات المتحدة، بهدف منع معدات الذكاء الاصطناعي الصينية من الانتشار، خصوصًا مع محاولات الصين نشر تلك التقنية في دول الخليج وجنوب شرق آسيا.

ما العائد على مصر؟

بينما تتنافس القوتان على التكنولوجيا والنفوذ، تنظر مصر إلى ما يمكن أن تحصل عليه من هذا التنافس. فالحكومة تخطط لزيادة مساهمة الذكاء الاصطناعي في ناتجها المحلي الإجمالي بحلول عام 2030 ليمثل 7.7% من الناتج المحلي الإجمالي، ويأتي بناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي كشرط أساسي لتحقيق هذه المستهدفات وتقليص الفجوة التكنولوجية في هذا المجال بين مصر والعديد من الدول الأخرى.

ويمنح التنافس الصيني الأمريكي مصر قدرة أكبر على فرض شروط تحقق مكاسب أوسع. ويقول مصطفى أبو زيد، الخبير الاقتصادي، لـ"فكر تاني"، إن مصر تستهدف أن تصبح مركزًا إقليميًا بين الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا، وأن تجذب استثمارات أجنبية مباشرة في هذا المجال، أي أن تصبح مصر وحدة تخزين ومعالجة لقارة إفريقيا كلها.

ويضيف أن هذه التقنيات ستوفر آلاف فرص العمل الحقيقية والمستدامة للمهندسين والفنيين والمبرمجين والمتخصصين في الأمن السيبراني، فضلًا عن نقل وتوطين تكنولوجيا متطورة في مجال حساس، بما يزيد القيمة المضافة لقدرات الدولة المصرية فنيًا وتكنولوجيًا.

ويرى أن ذلك يؤدي أيضًا إلى تنويع الاقتصاد المصري والتحول من الاعتماد على القطاعات التقليدية في جذب الاستثمارات إلى جذبها في قطاع البيانات والذكاء الاصطناعي. مع ذلك، يظل الاختيار بين العرض الصيني والعرض الأمريكي قرارًا يحتاج إلى كثير من الدراسة وتحليل المخاطر المحتملة.

مراكز البيانات.. تقنية خاصة بالعالم المتقدم

وتكشف خريطة انتشار هذه البنية التحتية عن فجوة واسعة بين الدول. فهناك 32 دولة حول العالم فقط تمتلك مراكز بيانات متخصصة للذكاء الاصطناعي على أراضيها، وتتربع أمريكا على العرش بـ26 منطقة تضم هذه المراكز، تليها الصين وهونج كونج بـ24 منطقة، ثم ألمانيا بـ7 مناطق وسنغافورة بـ6. وفي منطقة الشرق الأوسط تأتي إسرائيل في الصدارة بمنطقتين.

وعلى الجانب الآخر، تفتقر أكثر من 150 دولة، معظمها في إفريقيا وأمريكا الجنوبية، إلى أي بنية تحتية محلية للذكاء الاصطناعي. ونتيجة لذلك تعتمد الشركات الناشئة في هذه الدول على شركات أجنبية للحصول على القوة الحوسبية، ما يؤدي إلى تكاليف أعلى وتأخير في الابتكار وتبعية تكنولوجية، كما يضع الدول تحت تأثير سياسات وقوانين لا تتناسب مع سياقها المحلي. وهنا تحديدًا يظهر أحد الأسباب التي تدفع مصر إلى تجاوز هذا الواقع حاليًا.

ولا تملك إفريقيا سوى أقل من 1% من سعة مراكز البيانات العالمية. وخلال اجتماع في المغرب عقد أخيرًا، تحدثت شركات تقنية عديدة عن ضرورة تغيير هذا الواقع خلال عقد من الزمن، بينما أعلنت المغرب خلال الاجتماع سعيها إلى جذب استثمارات أجنبية ضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

ما التحديات أمام الخطط المصرية؟

غير أن بناء هذه البنية الضخمة يفتح بابًا آخر يتعلق بالموارد التي تحتاج إليها مراكز البيانات نفسها. وتواجه مصر تحديين أساسيين هما الكهرباء والضغط على المياه، إذ تحتاج هذه المراكز إلى أنظمة تبريد واتصالات متقدمة تعمل بصورة مستمرة، ما يتطلب طاقة كهربائية مستقرة وأنظمة تبريد متطورة. وتستهلك بعض المراكز آلاف الجالونات من المياه يوميًا للتبريد، والجالون يعادل 3.7 لتر.

وفي بعض مراكز البيانات العملاقة، قد يصل استهلاك المياه إلى ما يعادل استهلاك مدينة يتراوح عدد سكانها بين 10 آلاف و50 ألف نسمة. وتستخدم المياه في تبريد رقائق المعالجات لتجنب ارتفاع درجة حرارتها وما قد يترتب على ذلك من تلفها أو عدم قدرتها على أداء عملها بصورة جيدة.

ويقول د. محمد محسن رمضان، مستشار الأمن السيبراني ومكافحة الجرائم الإلكترونية، لـ"فكر تاني" إن التقديرات الحديثة تشير إلى استهلاك مراكز البيانات عالميًا نحو 222 مليار لتر من المياه مباشرة لأغراض التبريد خلال عام 2025، بينما قد يرتفع الرقم إلى نحو 644 مليار لتر سنويًا بحلول 2030، إذا استمر التوسع في مراكز البيانات دون إجراءات كافية لخفض استهلاك المياه.

ويضيف أن مركز بيانات في منطقة غنية بالمياه يختلف تمامًا عن مركز آخر في منطقة تعاني من الجفاف أو الإجهاد المائي، ولذلك أصبحت البصمة المائية للذكاء الاصطناعي قضية تتجاوز التكنولوجيا لتصل إلى أمن الموارد والاستدامة البيئية.

ومن هذه الزاوية، يوضح أن العالم يحتاج إلى مراكز بيانات أكثر كفاءة، وأنظمة تبريد أقل استهلاكًا للمياه، واستخدام المياه المعالجة أو غير الصالحة للشرب كلما أمكن، إلى جانب اختيار مواقع مراكز البيانات بناءً على توافر المياه، وليس الطاقة والأرض فقط.

ويرى أن الأهم هو استخدام الذكاء الاصطناعي نفسه في حل المشكلة، من خلال إدارة أنظمة التبريد بذكاء، واكتشاف تسربات المياه، وتحسين شبكات التوزيع، ودعم الزراعة، والتنبؤ بالجفاف، وإدارة الموارد بصورة أكثر كفاءة.

وعند هذه النقطة، تتضح الصورة الكاملة للمعادلة التي تقف مصر أمامها، فالمنافسة التكنولوجية لا تُختصر في السؤال عن صاحب أكبر نموذج للذكاء الاصطناعي، وإنما تمتد لتشمل من يستطيع تشغيله بأعلى كفاءة وأقل تكلفة بيئية، وهو ما يعيد القرار المصري إلى نقطته الأولى، إذ يبقى الاختيار بين العرضين الصيني والأمريكي أكبر من مجرد صفقة تقنية عابرة، ليتحول إلى معادلة تُحدد ما إذا كانت القاهرة ستخرج من هذا السباق شريكًا يملك زمام قراره التقني، أم طرفًا يدفع لاحقًا ثمن خياره الأول من استقلاليته ذاتها.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة