من مجاعة ماو إلى رقائق هواوي.. أي صين تريدها القاهرة؟

وصل الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة في أول زيارة له إلى مصر منذ 10 سنوات، وسط حديث عن توسيع التعاون في مجالات الاستثمار والتصنيع والتكنولوجيا والتسليح. غير أن أهمية الزيارة لا تتوقف عند الاتفاقيات المنتظرة، فهي تضع أيضًا مكانة الصين في تصور النظام المصري للتنمية والحكم أمام الاختبار.

وبالتزامن مع وصول شي، كتب الرئيس عبد الفتاح السيسي في صحيفة الأهرام أن التجربة التنموية الصينية تمثل "مصدر إلهام للدول النامية"، مؤكدًا حق كل دولة في اختيار النموذج الملائم لظروفها. ولا تبدو هذه الإشارة مجرد مجاملة دبلوماسية لضيف مهم، فقد سبق للسيسي أن وصف التجربة الصينية بأنها قصة نجاح ونموذج اقتصادي تسعى مصر إلى الاستفادة منه.

بالنسبة إلى النظام المصري، لا تمثل الصين شريكًا اقتصاديًا وسياسيًا فحسب، وإنما تقدم أيضًا تأصيلًا سياسيًا لفكرة شديدة الجاذبية له، وهي إمكان تحقيق التنمية من دون ديمقراطية، وإغلاق المجال السياسي مع الاحتفاظ بوعد الازدهار في المستقبل. ووفق هذه الرؤية، يُقدَّم النجاح الصيني دليلًا على أن الحرية ليست شرطًا للتنمية، وربما يمكن تأجيلها باسمها، مع أن نجاح الصين في ظل حكم سلطوي لا يعني أن السلطوية هي التي صنعت هذا النجاح.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم استدعاء السيسي للمجاعة الصينية. فعندما أراد في سبتمبر 2023 إقناع المصريين بأن قسوة المعيشة لا تبرر الاحتجاج على السياسات، قال ""إوعوا تفتكروا لما دولة يموت منها 25 مليون من قلة الأكل.. قاموا يبنوها"". ثم عاد إلى المثال نفسه في مارس 2024، متحدثًا عن ملايين ماتوا في المجاعة، فيما أشار إلى أن من بقوا لم "يهدموا" بلادهم، حتى أصبحت الصين في "حتة تانية خالص".

في هذه الرواية، تبدو المجاعة مرحلة مؤلمة في طريق صعود الصين، ويظهر الجوع كأنه تضحية قدمها الشعب طوعًا حتى يبني دولة عظمى. أما السلطة التي صنعت المجاعة فتغيب من الحكاية، ولا يبقى منها سوى شعب صبور ونهاية سعيدة.

ومع زيارة شي، لم تعد الصين مجرد حكاية تُستدعى لتبرير الألم أو بطء التنمية أو اقتصاد لا يحقق وعوده. إنها تأتي إلى القاهرة بعروض للاستثمار والتصنيع والبنية التحتية الرقمية، وفي ظل مناورات عسكرية مشتركة ومنافسة مع الولايات المتحدة على إنشاء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي، إلى جانب علاقة تجارية تتسع بسرعة، وإن ظلت شديدة الاختلال.

لهذا، لا يتعلق السؤال الأهم بعدد الاتفاقيات التي قد يوقعها الرئيسان، وإنما بأي جزء من التجربة الصينية تريد القاهرة أن تتعلم منه. هل تأخذ من الصين ما يساعد مصر على الإنتاج وتصحيح أخطائها، أم ما يساعد النظام على البقاء من دون تصحيحها؟

هل المجاعة الصينية قصة نجاح؟

لم تكن المجاعة الصينية الكبرى كارثة طبيعية حملها الشعب في طريقه إلى النهضة. كانت في جانبها الأكبر كارثة سياسية صنعتها حملة "القفزة العظيمة للأمام" التي أطلقها الزعيم ماو تسي تونج عام 1958، بهدف تحويل الصين سريعًا من مجتمع زراعي إلى قوة صناعية تنافس الدول الكبرى.

أقامت الدولة الكوميونات الزراعية، ونقلت أعدادًا ضخمة من الفلاحين إلى مشروعات صناعية، ودفعت المواطنين إلى إنتاج الصلب في أفران بدائية، فيما وضعت أهدافًا للإنتاج لا تستند إلى قدرة الأرض أو المصانع.

وتحت ضغط إثبات نجاح الحملة، بالغ المسؤولون المحليون في أرقام المحاصيل، فحددت الدولة كميات الحبوب التي تستولي عليها استنادًا إلى إنتاج لم يوجد إلا في التقارير. وحين بدأت الكارثة، أصبح نقل الحقيقة خطرًا على من ينقلها، لأن الاعتراف بالجوع كان يعني الإقرار بفشل سياسة ماو.

لم يكن الجوع، إذن، تعبيرًا عن استعداد الشعب للتضحية، وإنما نتيجة لنظام عاقب المعلومة الصحيحة وكافأ الكذبة التي ترضي القيادة. وكلما تدهورت الأحوال، ازداد المسؤولون خوفًا من وصفها كما هي، فتحولت الدعاية من وسيلة لتجميل الواقع إلى جزء من الآلة التي قتلت الملايين.

وحتى الحزب الشيوعي الصيني نفسه اعترف لاحقًا بأن "القفزة العظيمة للأمام" والكومونات الشعبية كانتا من الأخطاء الكبرى التي ارتكبت في تلك المرحلة. وقد جدد هذا الاعتراف في قراره الرسمي حول تاريخ الحزب عام 2021.

والصياغة الأدق للتجربة الصينية ليست أن الصين نهضت لأنها احتملت المجاعة، وإنما أنها بدأت نهضتها حين تراجعت عن السياسات التي صنعت المجاعة.

الصين التي صعدت بعدما غيرت الطريق

بدأ التحول الحقيقي بعد 1978، حين تبنت القيادة الجديدة، بقيادة دنج شياو بينج، سياسة "الإصلاح والانفتاح". لم تتخل الصين عن حكم الحزب الواحد، لكنها غيرت تدريجيًا طريقة إدارة الاقتصاد والدولة.

منحت الأسر الزراعية حوافز أكبر للإنتاج، وسمحت بظهور مشروعات البلدات والقرى، وفتحت مناطق اقتصادية خاصة أمام رأس المال الأجنبي، ووسعت مساحة السوق والملكية الخاصة، وربطت الاقتصاد الصيني بالتجارة العالمية والتصنيع من أجل التصدير.

والأهم أن الإصلاحات لم تُفرض كلها دفعة واحدة بوصفها رؤية لا يجوز اختبارها. بدأت سياسات كثيرة في مقاطعات أو مدن محددة، ثم توسعت إذا نجحت، وتراجعت الدولة عنها إذا فشلت. ووصف البنك الدولي هذا التفويض للمقاطعات والمدن بأنه حول الصين إلى "مختبر للإصلاح".

كما خلقت الدولة حوافز للمسؤولين المحليين لجذب الاستثمار وإنشاء الوظائف وتحقيق النمو. ولم يكن الترقي داخل الحزب قائمًا على الكفاءة وحدها، فقد ظلت شبكات الولاء والمحسوبية والصراعات بين الأجنحة حاضرة. مع ذلك، امتلك المسؤول المحلي مساحة للتجربة، وكان نجاح إقليمه أحد مصادر تقدمه داخل الجهاز الحاكم.

ومنذ انطلاق الإصلاح والانفتاح، حققت الصين نموًا بلغ متوسطه أكثر من 9% سنويًا، وخرج نحو 800 مليون شخص من الفقر المدقع، وفق البنك الدولي.

حتى العلاقة بين الجيش والاقتصاد تقدم فارقًا مهمًا. ففي 1998، أمر الرئيس الصيني آنذاك جيانج زيمين الجيش بالتخارج من أنشطته التجارية والتركيز على مهامه العسكرية، بعدما أصبحت إمبراطوريته الاقتصادية مصدرًا للفساد وضعف الانضباط، وإن استغرق تنفيذ التخارج سنوات طويلة.

أما في مصر، فاتخذ المسار اتجاهًا معاكسًا، مع توسع الشركات التابعة للمؤسسات العسكرية في قطاعات مدنية عديدة، وتمتع مؤسسات عامة وعسكرية بامتيازات لا تتوافر للمنافسين من القطاع الخاص. ويشير تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى وجود أكثر من 700 شركة مملوكة للدولة، عند احتساب المنشآت التابعة للجيش، بأصول تعادل نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي.

ولهذا لا يمكن اختزال التجربة الصينية في معادلة "سلطوية + مشروعات كبرى= تنمية". الصين لم تنجح لمجرد أنها غير ديمقراطية، وإلا لكانت كل الديكتاتوريات دولًا صناعية، وهو ما يكذبه تاريخ مزدحم بالأنظمة التي امتلكت السجون ولم تمتلك المصانع.

ليست كل السلطويات متشابهة

لكن الاحتفاء المصري بالصين بوصفها دليلًا على إمكان تحقيق التنمية من دون ديمقراطية يتجاهل أن السلطويات ليست متشابهة. فخلف صورة الحزب الواحد في الصين توجد بنية سياسية وإدارية مختلفة جذريًا عن النموذج المصري.

يمتلك الحزب الشيوعي جهازًا واسعًا لاختيار الكوادر وتدريبها وتدويرها بين المستويات المحلية والمركزية، ومؤسسات للبحث في السياسات، وسجلًا طويلًا من المنافسة بين المقاطعات على جذب المصانع والاستثمارات. وسمحت القيادة، خصوصًا خلال عقود الإصلاح، بدرجات من توزيع السلطة والتجريب المحلي وتداول المناصب داخل الحزب.

هذا ليس نظامًا ديمقراطيًا أو نموذجًا مثاليًا للكفاءة. فالحزب يقمع المعارضة المستقلة، ويحتكر المجال السياسي والإعلامي، ويتدخل في القضاء والمجتمع، كما تؤثر العلاقات الشخصية والفصائل في اختيار المسؤولين.

وفي عهد شي جين بينج تحديدًا، تراجعت بعض القيود الداخلية التي كانت قد نشأت بعد ماو، واتجه الحكم مرة أخرى نحو تركيز السلطة في يد الزعيم، على حساب القيادة الجماعية وتداول المناصب. وقد وصف باحثون هذا التحول بأنه عودة إلى الحكم الشخصاني، بما قد يهدد إحدى الآليات التي ساعدت الحزب على تصحيح أخطائه والتكيف معها.

ومع ذلك، ترث الصين الحالية جهاز دولة كثيفًا، وقاعدة صناعية وعلمية، وحزبًا قادرًا على الوصول إلى مستويات الحكم المختلفة. وهذه عناصر لا تظهر لمجرد أن رئيس الدولة يمسك بالسلطات جميعًا.

في مصر، لا يوجد حزب حاكم يؤدي الوظائف التي يؤديها الحزب الشيوعي، ولا تملك المحافظات مساحة مشابهة لاختبار السياسات أو الاحتفاظ بثمار نجاحها. ولا توجد منافسة مؤسسية منتظمة بين المسؤولين على أساس التصنيع أو التصدير أو خلق الوظائف. توجد بالطبع منافسة بين الأجهزة، لكنها تدور غالبًا حول النفوذ والموارد والقرب من مركز القرار، لا حول تقديم نماذج مختلفة للحكم يمكن قياس نتائجها.

وهنا تظهر إحدى مفارقات الزيارة. تحتفي القاهرة بالنموذج الصيني، لكنها لا تستنسخ المؤسسات والآليات التي أسهمت في نجاحه. فهي تنجذب إلى المركزية والمشروعات الضخمة والسلطوية السياسية، من دون أن تنقل معها البنية الحزبية والقدرة البيروقراطية والتجريب المحلي وآليات تصحيح السياسات.

هواوي من حكاية الحكم إلى بنية الحكم

يظهر هذا الاختيار بصورة أوضح في ملف الذكاء الاصطناعي.

فبحسب تقارير استندت إلى وثائق اطلعت عليها وكالة بلومبرج، قدمت شركة هواوي عرضًا لإنشاء بنية لمراكز بيانات مصرية، يتضمن أكثر من 2000 شريحة من شرائحها المتقدمة، لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها في استخدامات حكومية قد تشمل الجيش والمراقبة والقطاع العام.

ويتضمن العرض، وفق التفاصيل المنشورة، 1408 شرائح من طراز Ascend 950، إلى جانب 600 شريحة أخرى لتشغيل النماذج بعد تدريبها. ولم تعلن مصر حتى الآن قبول العرض أو إبرام عقد نهائي بشأنه.

غير أن المقترح كان كافيًا لتحريك واشنطن، التي تواصلت، بحسب التقارير نفسها، مع شركات أمريكية بينها إنفيديا وAMD ومايكروسوفت، لتشجيعها على تقديم بديل. وهكذا أصبحت مصر واحدة من ساحات المنافسة المباشرة بين الصين والولايات المتحدة على البنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي.

ولا يتعلق الأمر هنا بشراء أجهزة يمكن استبدالها بسهولة عند ظهور مورد أرخص. فاختيار مراكز البيانات والشرائح والبرمجيات يحدد المنظومة التقنية التي ستعتمد عليها الدولة سنوات، ويخلق علاقة طويلة مع المورد في الصيانة والتحديث والتدريب والأمن الإلكتروني.

يمكن للمشروع أن يمنح مصر قدرة حقيقية على تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتحسين الخدمات العامة، ودعم الجامعات والصناعة والبحث العلمي. وفي المقابل، قد يتحول إلى مجرد تعزيز للقدرات الأمنية والمراقبة الجماعية، من دون بناء قاعدة معرفية أو صناعية مصرية.

لذلك، لا يكفي السؤال عن هوية الشركة الفائزة أو عدد الشرائح. الأهم هو من يملك البيانات، ومن يطور النماذج، وما نسبة الخبراء المصريين في تشغيل النظام، وهل يتضمن المشروع نقلًا للتكنولوجيا، وهل تتاح قدرته الحسابية للجامعات والشركات المدنية، أم تبقى خلف أسوار المؤسسات السيادية.

قد تكسب الصين من الصفقة سوقًا جديدة لشرائحها، وتكسب الحكومة المصرية أدوات أكثر قوة، فيما لا تكسب مصر نفسها صناعة جديدة. هنا يصبح الفارق بين بناء قدرات أمنية وبناء قدرة المجتمع مسألة سياسية، لا تقنية فقط.

علاقة بين مصنع وسوق

تظهر المعضلة نفسها في التجارة.

فقد قفزت الصادرات المصرية إلى الصين بنحو 200% خلال النصف الأول من عام 2026، وهي نسبة تبدو مبهرة قبل النظر إلى نقطة البداية. بلغت الصادرات نحو 841 مليون دولار، بينما ارتفعت الواردات من الصين إلى 10.4 مليار دولار، أي إن مصر استوردت من الصين أكثر من 12 ضعف ما صدرته إليها، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

كما تكشف طبيعة السلع عن علاقة غير متوازنة. شكلت المحروقات والزيوت المعدنية وحدها 494 مليون دولار من الصادرات المصرية، ثم جاءت الخضراوات والفاكهة والقطن والفوسفات. أما الواردات، فتصدرتها الآلات والمعدات الكهربائية والميكانيكية بقيمة 4.1 مليار دولار، ثم المركبات والحديد والصلب والمواد الكيميائية.

غير أن العجز التجاري ليس في ذاته دليل إدانة. فقد يكون استيراد الآلات مرحلة ضرورية لبناء مصانع تزيد الإنتاج والصادرات في المستقبل. والسؤال هو ما إذا كانت مصر تستخدم المعدات الصينية لبناء قاعدة إنتاجية، أم تظل سوقًا للمنتجات والآلات الصينية ومصدرًا للوقود والمواد الأولية.

وتقدم الاستثمارات الصينية في منطقة قناة السويس فرصة حقيقية لتغيير هذه العلاقة. تضم منطقة "تيدا" مصانع في قطاعات الألياف الزجاجية والمعدات والطاقة والمنسوجات وغيرها، ويمكن لموقع مصر واتفاقياتها التجارية أن يحولاها إلى قاعدة تصدير للأسواق العربية والأفريقية والأوروبية.

غير أن أرقام المشروعات المعلنة أو الاستثمارات المتراكمة لا تكفي للحكم على النجاح. فصافي تدفقات الاستثمار الصيني المباشر إلى مصر بلغ نحو 226.5 مليون دولار فقط خلال 2025، بما يعادل قرابة 1.5% من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر، وفق بيانات نقلها تقرير عن العلاقة الاقتصادية. وهناك فارق كبير بين إعلان مشروع بملياري دولار، وتدفق المبلغ فعلًا، وبين إقامة مصنع صيني على أرض مصرية، وقيام صناعة مصرية حوله.

ويتوقف الأثر الحقيقي على نسبة المكون المحلي، وعدد الوظائف المستدامة، وأجور العمال، وتدريب المهندسين، وارتباط المصانع بموردين مصريين، وحجم الإنتاج الذي سيُصدر من مصر.

ومن دون ذلك، قد تصبح المناطق الصناعية الصينية جزرًا إنتاجية ناجحة داخل اقتصاد مصري لا يتغير، مصانع تقعف ي مصر جغرافيًا، لكنها لا تصبح جزءًا من صناعة مصرية.

السلاح تنويع الموردين لا يعني الاستقلال

تأتي زيارة شي أيضًا بينما تجري القوات الجوية المصرية والصينية مناورات "نسور الحضارة 2026"، التي بدأت في أغسطس وتستمر حتى مطلع سبتمبر الجاري في عدد من القواعد الجوية المصرية.

وتشمل التدريبات، بحسب وزارة الدفاع الصينية، تكتيكات القتال الجوي وعمليات فرض التفوق الجوي والبحث والإنقاذ القتالي والتدريب على استخدام القوات. وهي النسخة الثانية من مناورات جوية مشتركة تعكس انتقال التعاون العسكري من الاتصالات السياسية والصفقات المحدودة إلى تدريبات عملياتية أكثر تعقيدًا.

بالنسبة إلى مصر، يوسع التعاون مع الصين خيارات التسليح، ويمنحها ورقة تفاوض مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، خصوصًا حين تتعرض بعض الصفقات الغربية للتأخير أو القيود السياسية. كما تقدم الصين أسلحة بشروط سياسية أقل، وباستعداد أكبر للجمع بين البيع والتصنيع المشترك في بعض الحالات.

غير أن تعدد الموردين ليس استقلالًا استراتيجيًا في حد ذاته. فقد تستبدل الدولة اعتمادها على مورد واحد باعتماد موزع على عدة موردين، لكل منهم قطع غيار وبرمجيات وذخائر وشروط صيانة مختلفة.

ويُقاس الاستقلال بقدرة مصر على التصنيع والصيانة والتطوير، وبنقل التكنولوجيا وحرية استخدام السلاح، لا بعدد الأعلام المختلفة على المعدات. وإذا ظلت مصر مستوردة للمنظومات الجاهزة، فإن خزانة الموردين ستصبح أكبر، لكن القرار لن يصبح بالضرورة أكثر استقلالًا.

الصين تملأ الفراغات ولا ترث الولايات المتحدة

من السهل وضع الزيارة تحت عنوان انتقال مصر من الولايات المتحدة إلى الصين، لكنه عنوان أكبر من الواقع.

لا تزال الولايات المتحدة تمتلك شبكة عسكرية وسياسية ومالية واسعة في الشرق الأوسط، وإن لم يكن هذا الحضور مرادفًا للاستقرار، فقد أسهمت سياسات واشنطن وتحالفها مع إسرائيل في تفجير صراعات عدة وإدامتها. ومع ذلك، تظل هذه الشبكة بنية نفوذ مكلفة لا تبدو الصين راغبة في بناء بديل كامل لها أو تحمل تكلفته. وفي الوقت نفسه، استفادت الشركات والمصالح الصينية من بقاء معظم ممرات التجارة والطاقة مفتوحة، في ظل ترتيبات أمنية إقليمية ودولية لا تتحمل بكين أعباءها.

ويقوم نمط الحضور الصيني في المنطقة على الدخول الانتقائي، ميناء هنا، ومنطقة صناعية هناك، ومركز بيانات أو صفقة سلاح أو وساطة سياسية، من دون تولي مسؤولية النظام الإقليمي كله.

لذلك، تملأ بكين فراغات تركتها واشنطن أو لم تعد ترغب في احتكارها، لكنها لا تملأ فراغًا أمريكيًا شاملًا. كما أن تحرك الإدارة الأمريكية بحثًا عن عرض منافس لهواوي يوضح أن واشنطن لم تنسحب من المنافسة، وإنما بدأت تنظر إلى البنية الرقمية في مصر باعتبارها جزءًا من صراعها الاستراتيجي مع الصين.

ولا تختار القاهرة بين العاصمتين اختيارًا نهائيًا. إنها تحاول توسيع البدائل حتى لا تبقى واشنطن الباب الوحيد للسلاح والتكنولوجيا والتمويل، وتستخدم العلاقة مع كل طرف لتحسين موقعها أمام الآخر.

قد تكون هذه سياسة مفهومة لدولة متوسطة القوة. غير أن نجاحها لا يقاس بقدرة النظام على المناورة بين الموردين، وإنما بقدر ما تحققه لمصر من تصنيع ومعرفة واستقلال اقتصادي. وإلا أصبحت الجغرافيا السياسية مزادًا تحصل فيه الحكومة على شروط أفضل، بينما يبقى الاقتصاد تابعًا والقدرة المحلية محدودة.

أي صين تريدها القاهرة؟

لا توجد "صين" واحدة يمكن نقلها في حقيبة الرئيس الزائر.

هناك صين ماو التي حاولت القفز فوق الواقع بالإرادة والتعبئة والمشروعات العملاقة، فعاقبت من ينقل الحقيقة وانتهت إلى المجاعة. وهناك صين دنج التي سمحت بالتجريب، ووسعت السوق، وجذبت الاستثمار، وربطت الترقي بالنتائج، وبنت قدرتها الصناعية ببطء. وهناك صين شي التي ورثت القوة الاقتصادية والتقنية التي صنعتها عقود الإصلاح، لكنها تعود إلى تركيز السلطة وتشديد الرقابة على المجتمع والقطاع الخاص.

وتبدو القاهرة أحيانًا كأنها تريد شمولية ماو، وأدوات شي، ونتائج دنج. وهي خلطة قد تكون مريحة سياسيًا، لكنها لا تعمل اقتصاديًا، لأن النتائج التي حققتها الصين جاءت جزئيًا من مراجعة السياسات، وتوزيع الحوافز، وإتاحة مساحة للمبادرة، وهي أمور تتناقض مع نموذج يرى التراجع ضعفًا، والنقد تهديدًا، واستقلال الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين خطرًا.

سيكون الاختبار الحقيقي لزيارة الرئيس الصيني هو نوع القدرات التي تتركها وراءها. فإذا انتهت إلى خوادم تتركز استخداماتها في المراقبة، وسلاح بلا تصنيع، ومصانع منعزلة عن الاقتصاد المحلي، وواردات تنمو أسرع من قدرة مصر على الإنتاج، فستكون القاهرة قد استوردت القشرة الخارجية للنموذج الصيني من دون المحرك الذي صنع نجاحه.

أما إذا تضمنت العلاقة نقلًا حقيقيًا للتكنولوجيا، وتدريبًا للمهندسين، وربط المصانع الصينية بموردين مصريين، وإتاحة البنية الرقمية للبحث والصناعة، وتوسيع المنافسة بدل خنقها، فقد تصبح الصين شريكًا في بناء قدرة مصر، لا موردًا إضافيًا لقدرة السلطة.

لم تصبح الصين دولة عظمى لأن شعبها جاع ومات بالملايين تحت وطأة سياسات سلطوية. أصبحت كذلك عندما غيرت السياسات التي صنعت الجوع، وسمحت للحقائق بأن تهزم الشعارات، ومنحت المنتجين حوافز للعمل، وبنت المصانع والمعرفة على مدى عقود.

الخطر ليس أن تقلد مصر الصين، وإنما أن تقلد منها تحديدًا ما اضطر الصينيون أنفسهم إلى تغييره كي ينجحوا.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة