تجلس أمل (30 عامًا)، ابنة محافظة سوهاج، في زاوية الغرفة بجوار النافذة، تقتنص آخر شعاع من الشمس، ممسكة بـ"شال شبكي" أسود، وبثبات مجهد، تمرر شريحة المعدن الفضية الضيقة عبر عيون الإبرة، ثم تلفها وتقفلها بأظافرها لتشكل موتيفة "العروسة والجمل".
تقول أمل في حديثها لـ"فكر تاني"، إن "البيت محتاج كل جنيه، وجوزي أوقات بيشتغل عامل يومية وأوقات لأ، ومصاريف المدارس والأكل مبترحمش. التاجر بيجيبلي القماش ولفات السلك في كيس وبيقولي: "ليكي عندي 400 جنيه لما تخلصي الشال ده". ممعاييش رأس مال أجيب بيه خامات لحسابي وأبيع أنا، فبضطر أقبل بشروطه عشان أدخل القرشين دول يسندوا مع جوزي".
وتستغرق أمل في إنهاء "شال تلي كثيف الزخارف" قرابة 15 يومًا من العمل المتواصل، بمعدل 6 ساعات يوميًا، بعد الانتهاء من أعمال المنزل ورعاية أبنائها. وفي المقابل، يحقق الوسيط أرباحًا تتراوح بين 4 آلاف و5 آلاف جنيه بعد بيع القطعة الواحدة، مستغلًا حاجة نادية الماسة إلى "أي كاش" يسعف ميزانية منزلها.
وتكمل أمل حديثها، قائلة إن "الـ400 جنيه بتسند معانا في مصاريف البيت فعلًا وتخفف الحمل عن جوزي، بس نصها بيروح في قطرات لعينيا اللي ضعفت من شغل الليل ومسكنات لرقبتي. الزبون في القاهرة بياخد الشال بآلاف عشان يلبس "تراث شندويلي"، والتاجر بيكسب الصافي، وأنا بطلع بقرشين يسندوا البيت وجسمي بيدوب وعيني بتضعف".
وبلهجتها الواقعية، تصف أمل كيف طحنها الغلاء، وحول إبرتها إلى سلاحها الوحيد لبقاء بيتها، فتقول "الأسعار بقت بتطير كل يوم، واللي كنا بنشتريه الأسبوع اللي فات بسبعين، النهاردة بنلاقيه بمية ومية وعشرين. دخل جوزي من شغل اليومية مبقاش يُذكر قدام مصاريف الأكل وشراء الخضار وفواتير الكهرباء. العيل بيمسك الجنيه مبيجيبلوش حاجة، ومصاريف المدارس تقطم العضم. وصلنا لمرحلة إن البيت مبيقدرش يقف على رجل واحدة، ولازم أنا كمان أزق معاه بأي طريقة عشان نعرف ناكل ونشرب".
وتضيف "زمان كانت الـ400 جنيه اللي باخدها من الشال بتسند معايا، كنت بقدر أجيب بيها خزين للبيت يكفينا أيام. النهاردة الـ400 جنيه مابتكملش نزلة واحدة للسوق، يا دوب بنجيب بيها إزازة زيت وشوية رز وخضار وكام دوا للبيت وتطير. الغلا هو اللي بينزل إيدي على طارة التلي كل يوم غصب عني، حتى وأنا عيني وجعاني ورقبتي مش قادرة أرفعها، عشان عارفة إن لو الإبرة دي وقفت، البيت ده ممكن يتقفل في أي لحظة".
هكذا لم يعد عمل السيدات في المهن اليدوية والتراثية، كالتطريز والتلي وغيرها، مجرد شغف أو وسيلة لتحسين دخل اختياري، وإنما تحول إلى إجبار تفرضه الضرورة المعيشية. ومع اشتداد الحاجة، تُجبر نساء كثيرات على تحويل غرفهن إلى خطوط إنتاج صغيرة، يبعن فيها ساعات من صحتهن وأبصارهن مقابل مبالغ زهيدة تحمي بيوتهن من الفقر.
ووفقًا لتقرير صادر عن منظمة العمل الدولية في صعيد مصر، تُستبعد النساء، إلى حد كبير، من سوق العمل وما يرتبط به من حوار اجتماعي وعمليات صنع القرار، وتعمل معظمهن في أعمال منزلية غير رسمية تتطلب ساعات عمل طويلة، وتدر عائدات زهيدة، ومخاطر صحية وأمنية كبيرة، مع اعتماد كبير على وسطاء ذوي مهارات وفرص تدريب محدودة.

بإبرة ومنديل
في زاوية صغيرة من صالة شقتها الضيقة، تجلس سحر (35 عامًا) من القاهرة، أمام طاولة السفرة التي حولتها إلى ورشة عمل صغيرة وسط كراكيب الألعاب والكتب المدرسية.
تجلس مشدودة الظهر تحت إضاءة لمبة خافتة، وتمسك بطارة خشبية يلتف حولها القماش برقة ودقة متناهية، ثم تُدخل الإبرة وتسحب الخيط لتشكل حروف اسم العروسين من الورود.
تلك المهنة هي ما اختارته سحر لمساعدة زوجها في مصاريف المنزل. تقول في حديثها لـ"فكر تاني"، إن "المرتب اللي بيجيبه جوزي كان زمان بيمشينا طول الشهر ويفضل منه. النهاردة المرتب بيخلص يوم 10 في الشهر بين إيجار وفواتير ومصاريف مدارس، فلقيت إن القعدة والإيد الفاضية مش هتأكلنا عيش، وكان لازم أستغل المهارة اللي اتعلمتها وأنا صغيرة عشان أقف جنب جوزي ونحمي البيت ده من الديون".
وتبدأ سحر يومها في السادسة صباحًا، بعد خروج زوجها للعمل، ثم تنظف البيت وتحضر الطعام. ومع حلول الظهر، تبدأ عملها فتجلس على الطارة لمدة 6 إلى 8 ساعات يوميًا، تتخللها فترات لمتابعة منزلها وأبنائها.
وقد ادخرت سحر من مصروف بيتها رأس مال مبدئيًا لشراء الخيوط والقماش والإبر، وأصبحت تسعر المنديل للمستهلك النهائي مباشرة بأسعار تتراوح بين 300 و500 جنيه، حسب كثافة التطريز والأسماء والبيوت الشعرية المطلوبة. وتستغرق في إنهاء المنديل نحو أسبوع، توفق خلاله بين التجهيز والتطريز والتصوير والتواصل مع الزبائن والتعامل مع مندوبي الشحن.
لكن هذا العمل يحمّل سحر فاتورة صحية ثقيلة تسددها تدريجيًا من جسدها مقابل كل قطعة تطريز تنجزها. تقول لـ"فكر تاني"، إن "الانحناء المتواصل لـ6 و8 ساعات يوميًا فوق الطارة الخشبية أدى إلى إصابتي بانزلاق غضروفي مع تنميل دائم في أصابع اليد". ولا تتوقف معاناتها عند الرقبة واليدين، فقد امتدت إلى عينيها اللتين تعرضتا للجفاف، لتدفع من سلامة جسدها ثمنًا صامتًا لتوفير لقمة العيش وسداد مصاريف بيتها.
وتتصل قضايا استغلال الحرفيات بالمشهد الاقتصادي الأوسع لقطاع الحرف اليدوية في مصر. ووفقًا لتقرير صادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء بعنوان "الحرف اليدوية.. هوية تراثية داعمة للتنمية المستدامة"، يستوعب هذا القطاع أكثر من مليوني شخص حتى يناير 2024، وتشكل النساء نسبة لا تقل عن 30% منهم.
ومع ذلك، تعمل النسبة الأكبر من هذا الحجم الهائل، وفقًا للتقرير نفسه، بعيدًا عن أي مظلة قانونية أو حماية اجتماعية. كذلك تكشف بيانات جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، ضمن أول حصر شامل للتجمعات الإنتاجية، عن وجود نحو 145 تجمعًا إنتاجيًا طبيعيًا في مختلف المحافظات، تضم 77.7 ألف منشأة، فيما تتبع 79% من هذه المنشآت القطاع غير الرسمي.
العائل الوحيد للمنزل
داخل منزلها في سيوة، تجلس فاطمة (44 سنة)، تتوسط طفليها الصغيرين. وبين يديها قطعة قماش سميكة، وبإبرة تحيك بمهارة خيوط الحرير ذات الألوان السيوية الستة التقليدية، البرتقالي والأصفر والأخضر والأحمر والأسود، لتشكل التطريز السيوي، وهو عمل يدوي معقد يرتكز على هندسة بصرية موروثة عبر الأجيال.
تقول فاطمة في حديثها لـ"فكر تاني"، إنه "من يوم ما أبوهم اتوفى والبيت ملوش عائل غير ربنا وإيدي وطفلين، ومصاريف المدارس والأكل والأدوية بقت جبل على كتفي. التاجر بيجي الواحة ياخد الشغل في شنط كبيرة، وبيديني مبالغ مابتكملش مصاريف أسبوع للعيال".
وتستغرق فاطمة في إنهاء "شال سيوي مطرز بالكامل بخيوط الحرير والخرز" قرابة 20 يومًا من العمل المتواصل، بمعدل 8 ساعات يوميًا، بإجمالي 160 ساعة عمل فعلية، تبدأ معظمها في ساعات الليل المتأخرة بعد نوم أطفالها.
وتسدد فاطمة ضريبة هذا الفن التراثي وتوفير لقمة العيش لأيتامها من جسدها الذي أضناه المرض. تقول "نظري ضاع خلاص من شغل الحرير بالليل على نور اللمبة الضعيف. عينيا بتسح دموع ومبقتش أشوف بيهم كويس، وإيديا وركبي اتخشبوا من قعدة الأرض والتطريز في القماش التقيل، وضهري بقى بيوجعني لدرجة إني ساعات مبقدرش أقوم أقف على رجلي".

ضريبة العمل
تتضافر حكايات أمل في سوهاج، وسحر في القاهرة، وفاطمة في سيوة، لتنسج خيطًا واحدًا من الاستغلال القاسي الممتد بطول مصر وعرضها. وبرغم اختلاف الخامات، تظل المعادلة الاقتصادية واحدة، ساعات عمل طويلة تستنزف عافية عيونهن وأجسادهن لقاء أجور بخسة لا تتعدى الجنيهات المعدودة في الساعة.
وتتجاوز كلفة العمل في التطريز والتلي ما تحصل عليه الحرفيات من مقابل مادي، إذ تدفع بعضهن ثمنًا صحيًا نتيجة الجلوس لفترات طويلة واتخاذ أوضاع جسدية ثابتة أثناء العمل، وفق ما يوضحه الدكتور كريم عبد الرحمن، أخصائي جراحات العظام والعمود الفقري، في حديثه لـ"فكر تاني".
ويقول عبد الرحمن إن طبيعة العمل لفترات ممتدة، مع الانحناء المستمر وعدم الالتزام بوضعيات جلوس مناسبة، قد تؤدي إلى مشكلات في الجهاز العضلي الهيكلي، خاصة في العمود الفقري والرقبة واليدين والركبتين، مشيرًا إلى أن تكرار هذه الأوضاع لسنوات قد يزيد من حدة الأعراض والمضاعفات.
ويوضح أخصائي جراحات العظام والعمود الفقري أن انحناء الرأس والأكتاف إلى الأمام لفترات طويلة يضع ضغطًا إضافيًا على فقرات الرقبة وأسفل الظهر، وقد يسهم تكرار هذه الوضعية في ظهور آلام مزمنة ومشكلات بالغضاريف والعمود الفقري، خاصة مع غياب فترات الراحة وعدم توفير بيئة عمل ملائمة.
كما يلفت إلى أن الحركات المتكررة لليدين والأصابع أثناء إدخال الإبرة وشد الخيوط، خاصة عند العمل بخيوط معدنية أو خامات تحتاج إلى قوة متكررة، قد ترتبط بالتنميل، وفي بعض الحالات بأعراض تتوافق مع متلازمة النفق الرسغي، التي تنتج عن الضغط على العصب الأوسط في منطقة الرسغ.
ويشير عبد الرحمن كذلك إلى أن الجلوس لفترات طويلة، خصوصًا على الأرض أو في أوضاع غير مريحة، يمكن أن يؤدي إلى تيبس العضلات والمفاصل وزيادة آلام الركبتين وأسفل الظهر، لافتًا إلى أن المشكلة تتفاقم مع طول ساعات العمل وعدم الحصول على فترات راحة منتظمة.
ولا تتوقف الكلفة الصحية للعمل في التطريز والتلي عند آلام الظهر والرقبة واليدين، إذ يمثل إجهاد العين أحد المخاطر المرتبطة بطبيعة العمل الدقيقة، خاصة مع التركيز لفترات طويلة على تفاصيل صغيرة والعمل في ظروف إضاءة غير مناسبة.
ويقول الدكتور أحمد مصطفى، استشاري طب وجراحة العيون، في حديثه لـ"فكر تاني"، إن العمل لفترات طويلة في مهام تتطلب تركيزًا بصريًا شديدًا، مثل إدخال الخيط في الإبرة ومتابعة التفاصيل الدقيقة للتطريز، يمكن أن يؤدي إلى إجهاد العين وظهور عدد من الأعراض البصرية، خاصة عند عدم توافر إضاءة مناسبة أو الحصول على فترات راحة كافية.
ويوضح أن العمل أمام تفاصيل صغيرة ولمسافات قريبة لفترات ممتدة قد يسبب إجهادًا بصريًا، يصاحبه أحيانًا صداع أو شعور بثقل العين وصعوبة في التركيز. كما أن انعكاس الضوء من بعض الخامات اللامعة، مثل الخيوط المعدنية المستخدمة في التلي والخرز، قد يزيد من الشعور بعدم الراحة البصرية إذا كانت الإضاءة غير ملائمة.
ويحذر مصطفى من تجاهل الأعراض المستمرة، موضحًا أن استمرار العمل رغم الشعور بالألم أو الجفاف أو التشوش في الرؤية قد يدفع بعض الحرفيات إلى تأجيل الفحص الطبي، ما يجعل المشكلة أكثر إزعاجًا ويؤثر في قدرتهن على مواصلة العمل.

هل يوجد غطاء قانوني؟
تكشف الفاتورة القاسية التي تسددها الحرفيات، من التلف البدني وضرر الأبصار إلى ضعف الحماية، عن هشاشة وضعهن القانوني وسهولة استغلالهن. وتؤكد نهى الجندي، المحامية بالاستئناف العالي، أن المنظومة القانونية توفر أطرًا لحماية العمل اليدوي من المنزل، لكن الفجوة الحقيقية تكمن في غياب التوعية وتفضيل الوسطاء العمل بعيدًا عن المظلة الرسمية.
وتوضح الجندي، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن قانون تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر رقم 152 لسنة 2020 يعد المظلة الأهم للحرفيات، إذ يتيح لهن الحصول على "بطاقة مزاولة حرفة" ورخصة مؤقتة للعمل من المنزل، مما يمنحهن حماية قانونية وإعفاءات ضريبية وتسهيلات لتسويق المنتجات والمشاركة في المعارض الرسمية، بدلًا من البيع العشوائي.
وتضيف المحامية بالاستئناف العالي أن مشروع قانون العمل الجديد يعترف بـ"العمل من المنزل" و"العمل الحر"، لكنه يشترط وجود عقد مكتوب بين الحرفية والجهة أو الورشة التي تتسلم منها الشغل، وهو الشرط الأساسي لضمان حقوق السيدة المالية ومنع استغلال جهودها.
وعن حماية الحرفية في حال تعرضها للغش أو النزاعات التجارية، تؤكد الجندي أن احتفاظ السيدة بفواتير مبسطة تتضمن سعر القطعة ورقمها، أو حتى محادثات البيع والشراء عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يشكل مستندات إثبات قوية لحفظ حقوقها.
وتؤكد أن القانون يمنح الحرفية التي تعمل من منزلها غطاءً قانونيًا كاملًا إذا سجلت نشاطها كـ"مشروع متناهي الصغر"، لكن الأزمة العملية تكمن في أن غالبيتهن يعملن في القطاع غير الرسمي، حيث يتعمد التجار والوسطاء إبقاء السيدات في جهل تام بهذه الحقوق تجنبًا لتوقيع عقود رسمية تُقر بحد أدنى للأجر أو توفر لهن حماية تأمينية وصحية.
الاقتصاد غير الرسمي يلتهم حقوق الحرفيات ومساهمتهن
تتجاوز أزمة الحرفيات أبعاد الاستغلال الفردي لتصطدم بخلل هيكلي في إدارة الملف الاقتصادي.
ويوضح الخبير الاقتصادي حسن بربري أنه كلما تعمقت الأزمات الاقتصادية وتصاعدت معدلات التضخم، يتوسع القطاع غير الرسمي، وهو ما يضغط بالضرورة على فرص النساء ويجعل شروط عملهن أكثر قسوة.
ويشير بربري إلى أن العمل المنزلي في الحرف اليدوية للنساء يخفي جزءًا كبيرًا من مساهمتهن الحقيقية في الاقتصاد، خاصة أن هذا النوع من العمل غالبًا ما يكون غير مسجل وغير ظاهر، وبالتالي يصعب قياس حجمه بدقة. فالمرأة قد تنتج سلعًا وتبيعها في السوق، لكنها لا تظهر بالضرورة باعتبارها صاحبة مشروع أو عاملة، وإنما قد تُسجل في الإحصاءات باعتبارها "ربة منزل"، لتصبح بذلك خارج قوة العمل، رغم أنها تمارس نشاطًا إنتاجيًا وتحقق دخلًا من خلاله.
ويضيف أن منظمة العمل الدولية أقرت بأن العمل من المنزل في الحرف اليدوية وغيرها يمثل جزءًا من سوق العمل، وطالبت بالمساواة بين العاملين في هذا النمط وغيره من العاملين من حيث الأجر والصحة والسلامة المهنية والتدريب، بما يضمن عدم تحول طبيعة العمل المنزلية إلى سبب في حرمان المرأة من حقوقها الأساسية.
ويحذر الخبير الاقتصادي من أن عدم تسجيل النشاط لا يعني فقط غياب المرأة عن الإحصاءات، وإنما يؤدي إلى تقليل الحجم الحقيقي الظاهر للإنفاق والدخل داخل الاقتصاد، إذ تظل الأنشطة التي تمارسها النساء من المنازل خارج جزء من الحسابات الرسمية.
ويختتم بربري بالتأكيد على أن كل ما هو غير مرئي اقتصاديًا يصبح أيضًا غير مرئي أمام صانع السياسات. فغياب البيانات الدقيقة عن حجم عمل النساء من المنزل وعدد العاملات ودخولهن يعني صعوبة تصميم سياسات تستهدفهن بشكل مباشر، سواء فيما يتعلق بالحماية الاجتماعية أو التدريب أو التمويل أو تحسين ظروف العمل.
وتطرح مأساة أمل في سوهاج، وسحر في القاهرة، وفاطمة في سيوة، علامات استفهام حاسمة عن مستقبل مئات الآلاف من النساء اللاتي يعملن خلف أغطية القطاع غير الرسمي. ففي الوقت الذي تتعدد فيه الجهات الحكومية المشرفة على القطاع وتُنظم المعارض الكبرى، تُترك النساء لمواجهة الغلاء والتلف الجسدي بمفردهن، من دون مظلة قانونية تحميهن.