لم تهرب "منى" عندما امتدت يد المتحرش إليها في شارع شديد الازدحام، صرخت بأعلى صوتها، ثم أمسكت به رافضة أن تمنحه فرصة للفرار.
خلال ثوانٍ تجمع المارة حولها، ارتفعت الهواتف لتوثيق المشهد، وتعالت الأصوات مطالبة بالقبض على الجاني، ظنت للحظة أن الجميع يقف في صفها. لكن ما إن استُدعيت الشرطة، حتى تبدل المشهد وذابت معالم الجريمة وتحول الجاني من مجرم إلى ضحية، لم تعد الأسئلة موجهة إلى المتحرش، وإنما إليها هي: "هتضيعي مستقبله؟"، "أكيد هو شاب صغير"، "لبسك هو السبب"، "خرجتِ في الوقت ده ليه؟"، "أكيد استفزيتيه". فجأة لم تعد الجريمة هي القضية، وإنما أصبحت هي تمثل أمام محاكمة مجتمعية. في لحظة واحدة انتقلت منى من موقع الناجية إلى موقع المتهمة، وكأن المجتمع لم ينشغل بما فعله الجاني، بقدر انشغاله بمدى التزامها هي بالقواعد غير المكتوبة التي رسمها للنساء، وهي قواعد تحدد أين يذهبن، وكيف يلبسن، ومتى يتكلمن، ومتى يصمتن.
هذا التحول السريع لم يكن رد فعل فردي أو سوء تقدير من بعض الأشخاص، وإنما انعكاس لمعتقد منظومة كاملة تنتج ما يسميه عالم الاجتماع بيير بورديو "العنف الرمزي"، ذلك العنف الذي لا يُمارس باليد وإنما بالمعايير وقيم الأسرة المصرية التي تجعل المجتمع دائم المراقبة والترصد للنساء، فتنصب لهن المحاكم والمشانق كما هو دارج كمصطلح مصري أصيل، وتبرر الانتهاكات الواقعة عليهن، وتدفع بعضهن للمشاركة في إعادة إنتاج هذه المنظومة والدفاع عنها.
من يصنع حراس المنظومة؟

لفهم أعمق، دعونا ننظر كيف يعرف بيير بورديو "العنف الرمزي"، فهو لا يقصد به الإيذاء الجسدي أو استخدام القوة المباشرة، وإنما نوعًا أشد تجذرًا يُمارس عبر اللغة، والعادات، والتقاليد، والتربية، والدين، والإعلام، وقيم المجتمع، بحيث تبدو هرميات السلطة والتحكم أمرًا طبيعيًا يتعايش معه المجتمع بكل فئاته.
لا يحتاج هذا النوع من العنف إلى يد تبطش أو عصا تضرب، إذ يكفي إقناع الناس بأن ما يحدث أمر طبيعي، لتتحول القواعد الاجتماعية إلى دساتير لا يناقشها أحد، ويصبح الخضوع لها فضيلة، والخروج عنها جريمة. ولعل أكثر أفكار بورديو إزعاجًا أن هذه الهيمنة لا تستمر بفضل فرضها بالقوة فحسب، وإنما لأنها تنجح في جعل المهيمَن عليهم يشاركون دون وعي في إعادة إنتاجها.
يوضح بورديو أن هذه السلطة راسخة لأنها لا تكتفي بالقمع، وإنما تشكل وعينا وتجعلنا نرى العالم من خلال القواعد التي أرستها، وهي قواعد لا تبدو لنا موروثات ثقافية قابلة للنقد، وإنما حقائق ذات جذور راسخة لا تقبل التأويل. وهذا ما يدفع الناس إلى اعتبار الطاعة السلوك الأصوب، والنظام الذي يخضعون له الوضع الطبيعي، وأن الخروج عن هذه الدائرة هو المشكلة.
تُقيد النساء من معاصمهن بهذا الحبل الغليظ منذ لحظة ميلادهن، حين تُلقَّن الطفلة بأن جسدها "شرف العائلة" الذي تُعلَّق عليه الآمال في نيل الرضا المجتمعي، لا أنه ملكية خاصة لها تستحق الحماية من أي انتهاك. يمتد هذا الإطار ليشمل المدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية، فتُشرعن كل جريمة تُرتكب بحق هذا الجسد الأنثوي تحت ذريعة "حماية الشرف" أو "حق التأديب"، فيُبرر الختان ويستمر رغم تجريمه، وتُزوَّج الفتيات وهن طفلات للتخلص من هذا "العبء"، وتُستباح أجسادهن في جرائم التحرش والاغتصاب.
ومع تكرار هذه الرسائل، لا تعود مجرد أفكار عابرة، وإنما تتحول إلى جزء أصيل من طريقة تفكير المرأة، فتغدو رقيبة على نفسها قبل أن يراقبها الآخرون، وتخشى نظرة المجتمع أكثر من خشيتها للعقوبة، وقد تجد نفسها تُحاكم امرأة أخرى بالمعايير ذاتها التي قيدها بها المجتمع.
لذا، لا يبدو مستغربًا أن نسمع امرأة تسأل ناجية من التحرش "ماذا كنتِ ترتدين؟"، أو تلوم زوجة تعرضت للعنف لأنها "استفزت" زوجها، أو تعتبر خروج فتاة في وقت متأخر مبررًا لما تعرضت له.
هذه المواقف لا تعني بالضرورة أن تلك النساء أكثر قسوة، وإنما تكشف إلى أي مدى نجح العنف الرمزي في جعل ضحاياه يتبنون منطقه ويدافعون عنه، ظنًا منهم أنهم بذلك يحمون الأخلاق أو يحافظون على النظام الاجتماعي.
وهنا تكمن خطورة العنف الرمزي، فهو لا يكتفي بإخضاع النساء، وإنما يجعل المنظومة تبدو وكأنها تحمي نفسها بنفسها، فلا تحتاج السلطة إلى مراقبة كل امرأة، لأن النساء والرجال يتولون معًا مهمة المراقبة المتبادلة، ويعيدون إنتاج القواعد ذاتها جيلًا بعد جيل.

هل تعيش النساء العنف الرمزي بالطريقة نفسها؟
يقدم بيير بورديو في كتابه "العنف الرمزي" تفسيرًا جوهريًا لآليات الهيمنة، إذ يبين كيف تتحول القيم الاجتماعية إلى قناعات راسخة، وكيف يعيد أفراد المجتمع إنتاجها دون وعي منهم. لكن النظرية النسوية التقاطعية تطرح تساؤلًا جوهريًا، هل تتعرض جميع النساء للعنف الرمزي بالأسلوب ذاته؟
الإجابة لا، فعلى حد تعبير سيمون دي بوفوار في كتابها "الجنس الآخر" "المرأة لا تولد امرأة، وإنما تصبح كذلك"، في إشارة إلى أن المجتمع لا الطبيعة البيولوجية هو من يصيغ شخصية المرأة وصفاتها. فالمرأة ليست كيانًا موحدًا، إذ تشغل مواقع اجتماعية متعددة، فقد تكون فقيرة أو ميسورة، متعلمة أو أمية، ريفية أو حضرية، أو ربما تعاني من إعاقة، أو تنتمي إلى أقلية دينية أو عرقية. هذه المواقع لا تعمل بشكل منعزل، وإنما تتقاطع مع النوع الاجتماعي لتنتج أنماطًا متباينة من الهيمنة والعنف.
ومن هنا، لا يمارس العنف الرمزي تأثيره بالدرجة نفسها على الجميع، وإنما يعيد إنتاج تفاوتات المجتمع ذاته. فكلما تراكمت أشكال التهميش، تزايدت القيود المفروضة على المرأة، وصعبت مقاومتها، لأن المنظومة لا تستخدم أداة واحدة للهيمنة، وإنما شبكة متداخلة من المعايير الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
ويمكن ملاحظة هذا التقاطع بوضوح في المجتمع المصري، فحين تتعرض امرأة للعنف، لا يُنظر إليها بصفتها امرأة فحسب، وإنما تُقاس بمعايير عمرها، وملابسها، ومستواها الاجتماعي، ومكان سكنها، وطبيعة عملها، وحالتها الاجتماعية. وكل إجابة عن هذه الأسئلة قد تزيد أو تنقص من حدة التعاطف معها، وكأن المجتمع لا يحاكم الجريمة في حد ذاتها، وإنما يحاكم مدى اقتراب الضحية أو ابتعادها عن الصورة النمطية لـ"المرأة المثالية".
من لوم الضحية إلى تبرير الجريمة
يفرض المجتمع قائمة طويلة من الشروط ويراقب مدى التزام النساء بها، فحين تقع الجريمة لا يلتفت المجتمع إلى فداحتها، وإنما يتساءل "هل التزمت هذه المرأة بشروطنا؟".
حين حاولت مريم النجاة بتصوير من يتحرش بها وتوثيق الواقعة لتحرير محضر، انقلب الجميع ضدها، انتقدوا ارتفاع صوتها وملابسها وهيئتها، وانهالت عليها لجان التحليل التي انصرفت عن الجريمة لتنشغل بمدى توافقها مع القوالب المجتمعية.
ويتكرر المشهد ذاته داخل الأسرة، إذ تُنصح المرأة التي تتعرض للعنف بالصبر حفاظًا على كيان البيت، أو تُساءَل عما اقترفته ليغضب زوجها، فيتحول الاعتداء من فعل مُدان إلى رد فعل يجد المجتمع له المبررات. وتتوالى المآسي، فتُقتل زوجة على يد زوجها لمجرد ظنون راودته، أو تُلقى أخرى من شرفة منزلها، وإن حاولت توثيق تعرضها للخيانة والتلاعب لا تجد من يصدقها، وإنما تُتهم بتهديم أسرتها والانحراف الأخلاقي، دون التفات إلى الضغوط التي مورست عليها لإبقائها في خانة المرأة المثالية الخاضعة.
ويمتد هذا المنطق ليشمل الزواج المبكر، إذ يُسوَّق لتزويج الطفلة باعتباره حماية لها من "الانحراف" أو صونًا لـ"السمعة"، متجاهلين حقها الأصيل في طفولتها، وتعليمها، ورسم مستقبلها. وبالآلية ذاتها، يُبرر ختان الفتيات بوصفه وسيلة للحفاظ على العفة، رغم كونه انتهاكًا صارخًا لسلامتهن الجسدية والنفسية. حتى حرمان بعض الفتيات من استكمال تعليمهن أو العمل يُصوَّر أحيانًا على أنه حرص عليهن، لا انتقاصًا من حقوقهن.
لا يقتصر العنف في هذه الأمثلة على القوة الجسدية فحسب، وإنما يتخفى وراء لغة الرعاية والخوف والحماية والأخلاق. وهنا تكمن سطوة العنف الرمزي، فهو لا يبرر الجريمة كفعل مُدان، وإنما يعيد تعريفها، فيغدو الضرب "تأديبًا"، والزواج المبكر "سترًا"، والختان "طهارة"، ومنع التعليم "حفاظًا على الفتاة"، ولوم الناجية "نصيحة" لدرء تكرار ما حدث.
وهكذا، لا يكتفي المجتمع بإنتاج الضحايا، وإنما يبتكر الروايات التي تبرر الانتهاكات الواقعة عليهن. ومع كل مرة يُساءل فيها عن سلوك الضحية قبل مساءلة الجاني، يتحول العنف من فعل فردي إلى نظام اجتماعي يعيد إنتاج نفسه، مما يجعل مقاومته أشد تعقيدًا من مجرد معاقبة الجناة.
هل القانون وحده يكفي؟
قد يظن البعض أن تطوير القوانين وتشديد العقوبات كفيل بالقضاء على العنف ضد النساء. ولا شك أن القانون أداة أساسية لحماية الحقوق، إذ يُجرّم الانتهاكات، ويحاسب مرتكبيها، ويؤكد رفض الدولة لهذه الممارسات. لكن القانون، مهما بلغت قوته، يظل معنيًا بالجريمة بعد وقوعها، في حين يبدأ العنف الرمزي عمله قبل ذلك بسنوات.
فالقانون وإن جرم التحرش، فهو لا يملك وحده منع المجتمع من لوم الناجية، وإن جرم الختان، لا يستطيع بمفرده اقتلاع المعتقدات المتوارثة التي تبرره باسم "الحفاظ على الشرف"، وإن جرم العنف الأسري، فهو لا يغير تلقائيًا ثقافة تعد الضرب وسيلة للتأديب، وتُعلي من شأن صبر المرأة على الإيذاء.
هنا تكمن المفارقة، فالقانون يحمي الضحية، بينما تستمر الثقافة في محاكمتها. وقد تُدين المحكمة الجاني، في حين تتساهل البيئة الاجتماعية معه أو تمنحه الأعذار بوصف فعله "رد فعل طبيعي". لذا، لا يُقاس نجاح القانون بعدد الأحكام الصادرة فحسب، وإنما بمدى فاعليته في مجتمع يؤمن أساسًا بالحقوق التي يحميها.
وعليه، فإن مقاومة العنف ضد النساء لا تتحقق بتعديل النصوص القانونية فقط أو بالتوعية المجردة فقط، وإنما بمواجهة المنظومة الثقافية التي تمنح العنف شرعيته وتعيد إنتاجه عبر البيوت والمدارس ووسائل الإعلام والخطاب الديني واللغة اليومية. فإذا كانت القوانين تُغيِّر السلوك خشية العقاب، فإن تغيير الوعي هو الكفيل بجعل احترام حقوق النساء قيمة اجتماعية راسخة، لا مجرد التزام قانوني.
ربما كان العنف الرمزي، في نظر بورديو، أكثر رسوخًا من العنف المباشر، لأنه لا يكتفي بمواجهة القانون، وإنما يتغلغل في صميم الثقافة. فبينما تستطيع الدولة تجريم الأفعال، يظل المجتمع قادرًا على إنتاج مبرراتها ما لم تتغير البنية الفكرية التي تمنحها شرعيتها.

كيف نكسر الدائرة؟
إذا كان العنف الرمزي ينجح في ترسيخ الهيمنة عبر إضفاء صبغة "الطبيعية" عليها، فإن مقاومته تبدأ بوضع ما اعتدنا عليه موضع تساؤل. فالتغيير الحقيقي يبدأ حين نتوقف عن التعامل مع القواعد الاجتماعية كحقائق ثابتة، ونشرع في مساءلتها، من وضعها؟ ولصالح من؟ ولماذا تُطبق على النساء بصرامة أكبر من الرجال؟
وهنا يبرز التعليم أداة جوهرية للتغيير، فهو لا يقتصر على نقل المعرفة، وإنما يهدف إلى تنمية التفكير النقدي الذي يمنح الأفراد القدرة على مراجعة الأفكار الموروثة بدلًا من إعادة إنتاجها. فالتعليم الذي يُعلي من شأن النقاش واحترام الحقوق يصنع مواطنين قادرين على مواجهة الهيمنة لا تكريسها.
كما يضطلع الإعلام بمسؤولية كبرى، فهو لا يكتفي بعكس الواقع، وإنما يشارك في تشكيله. وحين يكرس الإعلام أدوارًا نمطية للمرأة، أو يبرر العنف، أو يلقي باللوم على الضحية بدلًا من مساءلة الجاني، فإنه يرسخ منطق العنف الرمزي ذاته. في المقابل، يعمل الإعلام المسؤول على تصويب بوصلة النقاش نحو مساءلة الجريمة ومحاسبة المعتدي، بدلًا من مراقبة النساء وتقييد حرياتهن.
ولا يمكن إغفال دور الخطاب الديني والاجتماعي في صياغة الوعي الجمعي، فمتى كان هذا الخطاب مؤكدًا للكرامة الإنسانية والعدالة والمساواة، ورافضًا لاستغلال الدين في تبرير التمييز أو العنف، أصبح ركيزة أساسية في مقاومة الهيمنة.
ويظل التمكين الاقتصادي للنساء ركيزة لا غنى عنها، فالاستقلال المادي لا يوفر الدخل فحسب، وإنما يوسع مساحة الاختيار والقدرة على اتخاذ القرار، ويقلل من هشاشة النساء في مواجهة علاقات قائمة على التبعية أو الخوف من فقدان مصدر العيش.
ومع ذلك، تظل الأسرة نقطة الانطلاق، ففي كنفها يتشكل الوعي الأول، وتُغرس المفاهيم الأولى حول الرجولة والأنوثة، والسلطة والطاعة، والحقوق والواجبات. فإذا تربى الأطفال على أن الاحترام لا يرتبط بالنوع الاجتماعي، وأن المسؤولية مشتركة، وأن جسد المرأة ليس "شرف العائلة" وإنما جزء من استقلالها وكرامتها، نكون قد بدأنا بالفعل في كسر الحلقة التي يعيد من خلالها المجتمع إنتاج العنف الرمزي جيلًا بعد جيل.
ختامًا، إن مقاومة العنف الرمزي ليست معركة ضد أشخاص، وإنما ضد أفكار اكتسبت شرعيتها من التكرار الطويل. والرهان الحقيقي لا يتوقف عند تغيير القوانين أو معاقبة الجناة، وإنما يمتد إلى بناء ثقافة لا تحتاج فيها المرأة إلى إثبات استحقاقها للحماية، لأن كرامتها وحقوقها قيمة إنسانية أصيلة، وليست مكافأة يمنحها المجتمع لمن تلتزم بقواعده.