"بول في أنبوبة وأسرة كاملة على المحك".. قانون فصل المتعاطين كمصفاة للعمال

بدت مائدة الحوار التي نظمتها "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" لمناقشة أثر القانون رقم 73 لسنة 2021، أقرب إلى استعراض لمأساة ثقيلة منها إلى حلقة نقاش تبحث سبل الخروج من وطأة القانون الذي شرد أسر كثير من العاملين في دولاب الدولة، فالنص القانوني نفسه يحمل تفسير هذا الشرود.

فينص هذا القانون على إنهاء خدمة الموظف الذي يثبت تعاطيه للمخدرات، مع تطبيق العقوبة ذاتها في حال امتناعه عن التحاليل، وذلك بهدف منع التعاطي بين العاملين في الجهاز الإداري للدولة والهيئات العامة وشركات القطاع العام وقطاع الأعمال والجهات الخدمية. وفي حال ثبوت إيجابية العينة عبر التحليل التوكيدي، مع مراعاة حق الموظف في التظلم أو الاحتكام للطب الشرعي، يُوقف عن العمل بقوة القانون ويُقتطع نصف أجره طوال فترة الإيقاف، وصولًا إلى عقوبة الفصل النهائي من الخدمة دون حرمان من الحقوق التأمينية، مع إتاحة فرصة للموظفين للتقدم العلاجي الطوعي عبر صندوق مكافحة وعلاج الإدمان دون الوقوع تحت طائلة العقوبة، شريطة أن يتم الإفصاح قبل بدء التحليل المفاجئ.

الوقوف حدادًا

لكن هذه المواد التي كتبها المشرع، تمتلك وجها آخر واجهه من عاشوها، إذ طلب أحد الحضور، في افتتاحية الجلسة، الوقوف دقيقة حدادًا على روح زميل له من ضحايا القانون، توفي صباح يوم الندوة إثر أزمة قلبية نتيجة الضغط النفسي، بعدما وجد نفسه ليس فقط بلا عمل، وإنما وكأن ماضيه المهني لم يكن.

وربما أطّر هذا الحادث المأساوي التجارب التي شاركها الحاضرون، الذين لم يفضلوا الكشف عن هوياتهم، حتى وصفتها إحداهم بـ"الفيلم"، سخرية ربما من "المبالغة الدرامية" التي أصابته أسرتها في الواقع بعد الفصل المفاجئ لزوجها، الذي كان يعمل في شركة "مصر للطيران"، ومن ذوي الكفاءة، ثم أصبح عاطلًا عن العمل منذ ما يزيد على عامين، عقب تشخيصه إيجابيًا بتعاطي المخدرات، من دون أن تضع مؤسسته في الاعتبار الظروف الصحية أو الأدوية والمسكنات الثقيلة التي كان يتناولها رسميًا بوصفه شخصًا يعاني آلامًا حادة في العمود الفقري.

ولا تكشف التحاليل، بحسب من خضعوا لها، نوع المخدر المثبت تعاطيه، الذي يشمل أشكالًا منها عقاقير طبية يتعاطاها أصحاب الأمراض المزمنة والمصابون بالسرطان والذين خضعوا لجراحات كبيرة، كجزء من البروتوكول العلاجي، مثل الترامادول والمسكنات القوية التي تصنف في الوقت نفسه ضمن المخدرات الأساسية.

واستكمالًا لسرد هذا الواقع الذي يشبه الأفلام، فكرت ربة الأسرة، بعد أن أصبح زوجها من دون عمل، في اللجوء إلى الطلاق للاستفادة من معاش والدها المتوفى لإعالة أسرتها، لكنها فوجئت بأزمة توقف سيستم المعاشات ذاته، الذي يعاني من مشاكل تقنية منذ فبراير من العام الجاري، بعدما قررت الدولة التحول من الشكل الورقي للمنظومة إلى النظام الإلكتروني، وهو ما وضع نحو 12 مليون مواطن، ممن أصبحوا على المعاش في نهاية العام الماضي، في أزمة الحرمان من مستحقاتهم المادية إلى حين انتهاء الأعطال وإضافة بياناتهم ضمن قاعدة البيانات الخاصة بالتأمينات.

أداة "التخلص من العمال"

وتكشف الشهادات المتتالية للضحايا والحقوقيين والنواب، المشاركين في الندوة التي عُقدت بالتعاون مع "دار الخدمات النقابية والعمالية"،  عن واقع أليم أزاح الستار عن هشاشة الضمانات الإدارية والطبية، وتحول الهدف المعلن من "مكافحة الإدمان" إلى ما وصفه أحد النواب بأنه أداة "للتخلص من العمال"، ليغدو قانونًا سريع التحضير برعاية الابتزاز السياسي والتصفية الوظيفية، حسب قوله، وذلك في الوقت الذي يمثل التاريخ المهني عاملًا مشتركًا بين كثير من ضحايا القانون الحاضرين في الجلسة، ومنهم "أميرة "التي استحقت الترقية بعد 15 عامًا في عملها، لكن صعودها الوظيفي كان الطريق إلى الهاوية بعدما ظهرت نتيجة تحليل المخدرات، الذي يجرى كإجراء روتيني في مثل هذه الحالات، إيجابية.

وقد اعترضت أميرة على النتيجة داخل جهة التحاليل التي توجهت إليها بنفسها، ولم يكن التحليل مفاجئًا داخل جهة عملها كما ورد في وثائق فصلها، على حد قولها، فيما جاء صوتها ممتزجًا بالقهر وهي تناشد الحضور، وخاصة أعضاء مجلس النواب، النائب عاطف مغاوري رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع، والنائب أحمد بلال، والنائب إيهاب منصور عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي.

ولم تكتف أميرة بعرض هذا الجانب من مأساتها، فاختتمت حديثها بالمعاناة من الوصم الذي أدى إلى انفصال زوجها عنها وحصوله على حكم من المحكمة بحضانة ابنهما، كونها، بموجب القانون، متعاطية للمواد المخدرة ولا تعتبر أمينة على الطفل، ليصبح القانون بمثابة حبل مشنقة يلتف تدريجيًا حولها، وتطرح سؤالها الأخير "القانون اللي البلد شرعته فادني أنا في إيه؟".

سكين الذبح الوظيفي

لم يكن وضع الرجال أفضل حالًا، أو تغب عنهم معاناة الوصم، فقانون 73 لسنة 2021 الخاص بفصل الموظفين لم يتخلَّ عن لقبه الذي أطلقه عليه النائب عاطف مغاوري حين قال إن "هذا القانون هو قانون الذبح الوظيفي". ويمثل الوصم الاجتماعي السكين الحاد الذي يُنفذ به القانون حكمه في الموظفين، إذ يقول موظف سابق بسبب هذا القانون إن النتيجة الإيجابية لعينة تحليل المخدرات، التي استُدعي من أجلها من إجازة مخصصة لذلك، كانت لحظة مفصلية في حياته بعد فصله من العمل، ما اضطر زوجته، التي كانت تعمل معه في الجهة نفسها، إلى الاستقالة خوفًا من الوصم، لينتهي بذلك الأمل الأخير في إعالة الأسرة.

وتوالت الخسائر حين ناشد ذلك الموظف أحد أقاربه، الذي يشغل منصب مدير في جهة عمله السابقة، فأبلغه بعجزه عن مساعدته خوفًا من القانون نفسه، الذي نص على معاقبة كل من يحاول تعيين موظف بعد فصله من العمل بسبب تعاطي المخدرات، بحيث تكون العقوبة الحبس أو الغرامة بحد أقصى 200 ألف جنيه، أو الجمع بينهما. غير أن الفساد كان حاضرًا بقوة، إذ عاد للعمل أحد زملائه المفصولين في اليوم ذاته، بعد دفعه مبلغًا ماليًا بوصفه "رشوة"، وهو ما أكده من كان يجلس بجواره في مشهد ساخر قائلًا "أنا بئا دفعت 40 ألف جنيه رشوة ونصبو عليا فيهم".

نواب الريموت

ويرى النائب أحمد بلال أن هذا القانون يتعارض مع رؤية الدولة التي كثيرًا ما تشير إلى أهمية محاربة التنمر، فيما أقامت هي نفسها قانونًا يمثل فخًا لا ينتهي إلا بالوصم الدائم والدمار الأسري. وتعامل النائب عاطف مغاوري مع الأمر الواقع بوصفه ابتلاءً مرسلًا، لا يعلم أحد من كتبه، هل هم النواب الذين أتى بهم الشعب، أم أن هناك أذرعًا خفية، واصفًا إياهم بـ"نواب بالريموت". وبعدما عبر عن حرجه من الحديث عن رفض القانون، بوصف هذا الرفض موقفًا أخلاقيًا لا سياسيًا أو قانونيًا، أصر على استنكار استخدام تعاطي المخدرات منفذًا لأي قضية تخرج للرأي العام، لتصدر مثل هذه القوانين التي، بحسب قوله، أوصلت أسرًا إلى درجة "أنها تتمنى أن العائل بتاعها يموت علشان تصرف المعاش بتاعه".

قسطرة للقانون

ولا تقتصر الاعتراضات على الممارسات التنفيذية، بل تمتد إلى ما يصفه معارضو القانون بعوارٍ قانوني ودستوري في فلسفته وآليات تطبيقه. وتعد واقعة رواها عاطف مثالًا كاشفًا لذلك؛ إذ يقول إنه خلال حديث مع أحد المسؤولين عن جهات الفحص، أشار إلى أن تحليل البول للكشف عن المخدرات قد يكون مستحيلًا نفسيًا أو بيولوجيًا بالنسبة لبعض الموظفين بسبب خصوصية الإجراء، فجاءه الرد: "نركب له قسطرة". وقد أثار هذا الرد دهشة الحاضرين، لأنه يتعارض صراحة مع نص المادة التي تشترط أن تؤخذ العينة "بما لا يخل بخصوصية العامل أو يخدش حياءه".

ومن هذا المنطلق، تستند رحمة رفعت، المستشارة القانونية بدار الخدمات النقابية ومعدة مشروع تعديل القانون، إلى سلسلة من المآخذ القانونية والدستورية على التشريع. وترى أن القانون وُلد في مناخ من الضغوط والابتزاز المعنوي، بعدما وُوجه كل من اعترض عليه عند صدوره باتهامات بالتحريض على تعاطي المخدرات، وهو ما حال دون نقاشه بصورة موضوعية.

وتذهب رفعت إلى أن القانون يوقع عقوبة إدارية على أفعال لا ترتبط بأداء الموظف لوظيفته، وهو ما تراه مخالفًا للمبادئ الدستورية، مؤكدة أن اللجوء إلى تحليل المخدرات يجب أن يقتصر على الحالات التي تصدر فيها عن الموظف تصرفات تشير إلى عدم اتزانه أو تثير شبهة تعاطيه أثناء العمل، لا أن يتحول الفحص إلى إجراء شامل يسبق أي قرينة. كما تنتقد استبدال رقابة القضاء الإداري بعقوبات ذات طبيعة أقرب إلى الجزاء الجنائي، معتبرة أن ذلك يخل بضمانات المحاكمة العادلة ويقوض حقوق العاملين.

وتتخطى رحمة رفعت بذلك احتمالية حدوث أخطاء في التحاليل، على غرار ما حدث مع الضحايا الحاضرين، لتفند بشكل قانوني عدم تماسك القانون من الأساس واستحالة العمل به، غير أنها لا تتخطاهم في مشروع تعديل القانون، إذ توجه إلى ضرورة صدور قرار من مجلس الوزراء بإعادة النظر في كل الحالات المتضررة. ويرى النائب أحمد بلال أحقية هذه الأسر جميعًا في النظر في أمرها مرة أخرى، خاصة مع عدم كفاءة القانون، ويقول "مفيش قانون متعلق بأكل عيش وحياة أسرية وأقوم أصدره في ورقتين ونص"، مشيرًا إلى أن القانون يعد مريبًا ولا يدل إلا على أنه "قانون اتعمل علشان يفصل العمال والعاملات".

ولم تنته الجلسة إلا وقد فقد محمود حامد، الموظف السابق في شركة النيل للأدوية، قدرته على كتمان كلماته عن هزلية ما تعرض له، على الرغم من كونه أحد أعضاء فريق كرة القدم بالشركة، إذ استُدعي مخصوصًا من إجازته للتحليل، وبعد تقديمه العينة مرتين ولم تكن النتيجة واضحة، جاءت المرة الثالثة لتقول إنه إيجابي التعاطي.

وكانت صدمة محمود حين كشفت له الظروف حبكة الأحداث ومن يقف وراء تحريكها، بعدما لجأ إلى أحد أطباء الطب الشرعي عقب دفع إيصال التظلم، وتواصل هذا الطبيب مع الطبيبة "ريم الساعي"، التي تردد اسمها كثيرًا بين الحضور من المتضررين، فسألها عن موقف محمود، لكنها طلبت منه عدم الاهتمام بالأمر، وبعد استنكار الطبيب وإلحاحه، قالت ريم الساعي "كبر دماغك شركته اللي عايزه كده".

ظهرت ريم، ولم يظهر من خلفها بالأسماء، لكن قد تكفي الإشارة إليهم بوصفهم "نواب بالريموت"، كما قال النائب عاطف مغاوري، لينكشف جزء مما وراء الستار، ويتأكد وجود دافع يقف خلف الأحداث لصالح آخرين يرفضون وجود العمال والعاملات بين أروقة المصانع وعلى مكاتب الشركات، باعتبارهم عبئًا إضافيًا، من دون أن يضعوا يومًا في الاعتبار السكين التي يقضي بها القانون أمر الكثيرين.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة