رغم رفض المعارضة وتعطل النظام الإلكتروني للمعاشات، أقر مجلس النواب التعديلات الحكومية على قانون التأمينات الاجتماعية (رقم 148 لسنة 2019).
وتُلزم التعديلات الجديدة الخزانة العامة بسداد قسط سنوي يبدأ بـ238.55 مليار جنيه خلال العام المالي 2025/2026، على أن يزداد بنسبة مركبة تبلغ 6.4%، سنويًا بدءًا من يوليو 2026. كذلك نصت التعديلات أيضًا على رفع نسبة الزيادة تدريجيًا بمقدار 0.2% سنويًا اعتبارًا من يوليو 2027 لتستقر عند 7% في يوليو 2029، بالإضافة إلى زيادة قيمة القسط بواقع مليار جنيه سنويًا لمدة خمس سنوات تبدأ من يوليو 2026.
وكان النص قبل التعديل يُلزم الخزانة العامة بسداد قسط سنوي للهيئة بواقع 160.5 مليار جنيه، يُزاد بنسبة (6%) مركبة سنويًا، ويُؤدى خلال مدة خمسين سنة.
من يحمي رئيس الهيئة؟
كانت التعديلات محل رفض من جانب المعارضة، وفي مقدمتهم النائب ضياء الدين داود، الذي سبق أن تقدم بطلب إحاطة في نهاية أبريل الماضي، بشأن تأخر صرف معاشات المواطنين منذ فبراير الماضي، في ظل وجود مشكلات في النظام الإلكتروني الجديد للهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية. موضحًا أن الهيئة شهدت أزمة في تشغيل النظام خلال الفترة من 18 فبراير 2026 حتى 29 مارس 2026، نتيجة الانتقال من نظام (SAO) إلى نظام (CRM) في إطار خطط التحول الرقمي.
وأشار داود إلى أن عملية الانتقال كلفت موازنة الهيئة مئات الملايين من الجنيهات، إضافة إلى برامج تدريب استمرت لسنوات، لكن نتائج التطبيق "لم تتجاوز نسبة نجاح محدودة لا تتخطى 5%، وهو ما انعكس على انتظام صرف المعاشات".
ولم يكن داود النائب الوحيد الذي تقدم بأداة رقابية بشأن تعطل النظم الرقمية في التأمينات والمعاشات، لكن كلمته في الجلسة العامة، اليوم، أثناء مناقشة مشروع القانون عكست حالة الغضب من إدارة الهيئة القومية للتأمينات والمعاشات، للدرجة التي جعلته يتهم رئيس الهيئة "جمال عوض" بارتكاب جرائم، فطالبه رئيس مجلس النواب المستشار هشام بدوي بالالتزام بالحديث في مشروع القانون.
وقال داود: "نحن أمام استحقاق دستوري، وهذه أموال خاصة وفقًا للدستور وليست تركة مستباحة، وتعامل في حرمتها بحرمة المال العام. أنشأنا هيئة التأمينات الاجتماعية لتحقق مصلحة الناس التي أفنت حياتها، وهم الأكثر تضررًا من الإصلاح الاقتصادي، والهيئة لا تقدم منحة لأحد"، مضيفًا: "لما نيجي بهذا الشكل وإحنا أمام كارثة من 18 فبراير 2026 والهيئة تنقل السيستم وتفشل الهيئة برئيسها"، مشيرًا إلى إنفاق مئات الملايين لنقل هذا النظام الإلكتروني، واستطرد: "لكن لم يحصل أصحاب المعاشات على حقوقهم والبيه قاعد ومحدش بيحاسبه"، مشيرًا إلى رئيس الهيئة.
وطالب رئيس مجلس النواب، النائب ضياء الدين داود بالالتزام بموضوع مشروع القانون، قائلًا: "نحن نتحدث عن مشروع القانون، إيه علاقة رئيس الهيئة بالموضوع؟"، فرد داود: "أنا نائب وأعبر عن رأيي تحت مظلة الدستور"، فعلق بدوي: "في حدود الموضوع"، ورد داود: "في حدود الدستور وسيادة القانون سيادة الرئيس، وتعطل السيستم"، فقاطعه بدوي وكرر: "أرجو الالتزام بالموضوع"، فقال داود: "تحت مظلة اللائحة والدستور، وأنا أناقش قانونًا من حيث المبدأ".
وانفعل داود قائلًا: "هو إحنا مطلوب إننا نحمي الهيئة ولا إيه؟ وأنا ملتزم، وإذا كان جمال عوض رئيس الهيئة، مطلوب يتحمي رغم كل أخطائه فهذا غير مقبول بالنسبة لي، فهناك جرائم داخل الهيئة"، فرد رئيس مجلس النواب: "من حقك تتقدم بهذا الكلام بالوسائل القانونية والدستورية سيادة النائب"، بينما لفت داود إلى التقدم ببيانات عاجلة أُهملت، وطلبات إحاطة لم تُدرج للمناقشة.
من جانبه، رفض النائب أحمد السنجيدي مشروع القانون من حيث المبدأ، موضحًا أن أكثر من 11 مليون مصري سيستفيدون من هذا القانون بأسرهم، وبالتالي يجب أن يتناسب القانون مع طموحاتهم ومع قيمة التضخم وقيمة الجنيه التي انخفضت.
وقال السنجيدي إن "القانون في مضمونه لا يجاري نسب التضخم القائمة ولا يعوضها، ولا يعوض قيمة الجنيه، والقانون غير واضح". وعرّج على مشكلة النظام الإلكتروني المتعطل منذ ثلاثة أشهر قائلًا: "وبالتالي مَن خرج على المعاش في نهاية العام الماضي لا يستطيع التعامل مع السيستم".
الأمر نفسه تكرر مع النائب محمد عبد العليم داود، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد، الذي أشار إلى وجود أزمة في إدارة هيئة التأمينات، مؤكدًا تقديم طلبات لمحاسبة رئيس الهيئة عن الخلل الإداري القائم، ورفض مشروع القانون الذي اعتبره ينتزع الحقوق بدلًا من حمايتها.
وقال داود إن "هناك 12 مليون مواطن مصري من أصحاب المعاشات كانوا ينتظرون قانونًا يحمي كرامتهم ويقدر عطاءهم للوطن، إلا أن الواقع جاء مخيبًا للآمال".
أما النائب أحمد فرغلي، فذهب إلى أبعد من ذلك إذ قال: "نحن الآن أمام استجواب مكتمل الأركان، في ظل ما تشهده هيئة التأمينات من توقف للسيستم تسبب في تعطيل صرف المعاشات لأصحابها"، ودعا إلى وقف صرف مرتب رئيس هيئة التأمينات، جمال عوض، الذي يصل إلى الحد الأقصى للأجور، أسوة بما يحدث لأصحاب المعاشات من وقف صرف مستحقاتهم.
أين الدراسات الاكتوارية؟
غياب البيانات والمعلومات سمة أساسية تتبعها الحكومة في مشروعات القوانين المختلفة على مدار سنوات طويلة، ومن بينها هذا القانون الذي لم يطلع النواب على الدراسات الاكتوارية الخاصة به، ما دفع بعض نواب المعارضة للرفض، فيما ربط آخرون البت فيه بالاطلاع أولًا على الدراسات الاكتوارية الخاصة به.
النائب محمود سامي الإمام، رئيس الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، اعتبر أن تعديل مادة واحدة غير كافٍ، كما قال: "حاولنا نعرف رقم 238 مليار كافٍ أم لا؟ ولم نحصل على دراسة اكتوارية لهذا الرقم"، مضيفًا: "اطلعت على إيرادات الصندوق بـ600 مليار ونتكلم عن مصروفات 564 مليارًا، وبالتالي يعتمد هذا الصندوق على إيرادات الاستثمار، وإيرادات الاستثمار 20 مليار جنيه وهذا الرقم ضعيف جدًا، في كل دول العالم هذه الصناديق تمثل ثروة"، وأكد رفض الحزب لمشروع القانون، وهو ذات الموقف الذي اتخذته الهيئة البرلمانية للحزب في مجلس الشيوخ أثناء المناقشات.
أما النائبة إيرين سعيد، رئيسة الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية، فقالت: "لم توجد الدراسات الاكتوارية، هل هذه الزيادات كافية أم لا؟ الدراسات الاكتوارية هي التي توضح"، مشددة على حق ممولي الصندوق في معرفة كيف تُدار أموال هذا الصندوق، وأين استثمارات وأرباح أمواله، وطالبت بإرجاء المناقشة لحين إرسال الحكومة الدراسات الاكتوارية.
موافقات موالية وأخرى اضطرارية
حصل مشروع القانون على موافقة أغلبها جاء من أحزاب الموالاة، وبعضها جاء اضطرارًا من أجل تحقيق الحد الأدنى من المصلحة العامة لأصحاب المعاشات، وهو ما عبر عنه النائب عاطف المغاوري رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع، الذي قال إن الموافقة على تعديلات قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات لا تعني أن الهيئة القومية "عادلة وتراعي حقوق أصحاب المعاشات"، مضيفًا: "نحن نناقش اليوم تعديل مشروع المعاشات، هناك عقول وقلوب ومشاعر كل الكادحين ومن بلغوا سن الستين يشاركوننا هذه الجلسة على أمل الخروج من تجاهل الحكومة لهم في الأجور والمرتبات وتآكل أجورهم بسبب الأسعار".
واستطرد ساخرًا: "فتخيلوا إن الهيئة العامة للتأمينات والمعاشات هي الصدر الحنون لهم الآن"، وقال: "لدينا أصحاب معاشات محرومون من التأمين الصحي دون أي سند قانوني، وتقدمنا بطلبات وعُقدت الجلسات وتم الوعد بحل أزمتهم، لكن الهيئة العامة للتأمينات والمعاشات لها رأي آخر".
لكن موقف المغاوري لم يكن متوافقًا مع مواقف الهيئة البرلمانية للحزب، إذ خرج النائب أحمد بلال، عضو مجلس النواب عن حزب التجمع، عن الخط، ورفض التعديلات المقدمة من الحكومة، وقال: "هذا المجلس هو مجلس الشعب وصوت الشعب المصري، ومش من دور البرلمان نهائيًا حل مشاكل وأزمات الحكومة"، مضيفًا: "هذا القانون لا علاقة له بمشاكل أصحاب المعاشات، الحكومة جاية تحل مشاكلها هي مش جاية تحل مشاكل الناس، التعديلات في مادتين تلاتة وأنا أتحدى إذا كان حد سمع مواطن اشتكى منهم".
فيما وافق النائب أحمد العطيفي، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب حماة الوطن، على مشروع القانون وقال إنه خطوة جادة نحو تعزيز قدرات هيئة التأمينات الاجتماعية، مشيرًا لحجم المسؤوليات لدى هيئة التأمينات الاجتماعية خاصة في ظل الظروف المحيطة في الإقليم. وطالب بدراسة الحكومة لتقديم حد أدنى للمعاشات، وقال إن أصحاب المعاشات أفنوا حياتهم في سبيل هذا الوطن ويحتاجون لدعمهم.
مقترح العطيفي ليس بعيدًا عن مجلس النواب لكنه كان بندًا أساسيًا في مشروع قانون متكامل قدمه رئيس حزب العدل، النائب عبد المنعم إمام، غير أن لجنة القوى العاملة رأت أن لمشروع الحكومة الأولوية، ولم تلتفت إلى ما قدمه إمام، أما الحكومة ومن بعدها المجلس فلم يقررا فتح الملف حتى الآن، مكتفيين بمسكنات مؤقتة وغير كافية.