أحيانًا يكون إعلان نتائج الثانوية العامة بمثابة نهاية محطات القلق، وفي أحوال أخرى قد تكون بداية توتر جديد نتيجة عجز طلاب هذه المرحلة عن الاختيار واتخاذ قرار الدراسة التي يتشكل على أساسها مسارهم المهني، وفي أوقات أخرى تكون محطة لضغوط الأهل ودفع الأبناء للسير في مسارات محددة لتحقيق رغبات الأسرة دون الالتفات لاهتمامات الطلاب أنفسهم، وربما تدفع هذه المحطة بعض الطلاب لصدمات وفقدان الثقة في النفس، وربما تنتهي بمحاولات انتحار.
ومع اقتراب إعلان نتائج الثانوية العامة، لا يجب أن يقف الطلاب وأسرهم بمفردهم في هذه المحطة، فاستعنا باستشاري الطب النفسي المتخصص في الأطفال والمراهقين، الدكتور أحمد أبو الوفا، وأجرينا معه حوارًا للتعرف على طريقة إدارة ضغوط هذه المرحلة والخروج بأقل خسائر، والتعرف على آليات الاختيار وترتيب الأفكار.
وإلى نص الحوار:
- هل يوجد ما يمكن تسميته علميًا في هذا المجتمع بـ"تروما الثانوية العامة"؟
أظن نعم، في الأجيال السابقة، أظن جيلنا كان يشعر بالخوف تجاه الثانوية العامة أكثر بكثير من الطلاب الآن، أتحدث عن تجربتي الشخصية، لحظات نتائج الثانوية العامة كانت حدثًا في مصر كلها، والجميع يترقب النتيجة، في ذلك الوقت كان يتم إذاعة أسماء الناجحين في الراديو، كان حدثًا مجتمعيًا بالأساس، ولم يكن هناك تنوع في أنواع التعليم والتعليم الجامعي، ولم يكن لدينا فكرة العمل في مجال غير مجال الدراسة.
- كيف تغير الوضع الآن؟
خرج قطاع كبير من الطلاب عن التفكير في الثانوية العامة على أنها نهاية الطريق، أصبحت مجرد محطة مرور، ويوجد قطاعات كبيرة من الطلاب بدأوا التفكير في المسار المهني وليس الدراسة، وألاحظ هذا من خلال عملي مع طلاب في السن من 17 إلى 21، تشغلهم أسئلة حول مكان العمل والحياة المهنية، ولا توجد أسئلة حول الدراسة، حتى لو كانوا يمتلكون القدرة على دراسة أحد المجالات التي كنا نظنها «كليات قمة»، أصبح التفكير في الدراسة مبنيًا على التفضيلات الشخصية بشكل أكبر، كما تغيرت نظرتهم لسوق العمل ولعدد ساعات العمل، لذلك أظن أننا نحتاج أن نشاهدهم أكثر.
- ماذا عن أولئك الذين ما زالوا عالقين في لحظة الثانوية العامة وحالة التوتر التي تعيشها الأسرة بالكامل؟ هل السبب يكمن في ضغط المجتمع أم أنهم لم يجدوا شغفهم البديل بعد؟
لا أريد التفضيل بين خيار وآخر، لكن هناك فئة قررت أن المنظومة خُنقت بضغوطها، فقررت الخروج منها بطرق أخرى، وهناك من اختار البقاء داخل المنظومة والمنافسة فيها لأنها تعني له الكثير، وهذا حقه الكامل.
لكن الأمر لا يتعلق بضغط مجتمعي بقدر ما هو "ضغط أسري"، فمن واقع عملنا نكتشف أن الضغط الممارَس من الأب أو الأم أشد تأثيرًا من أي ضغط مجتمعي، ومصدر التوتر الأساسي في الغالب هو حالة القلق الشديد التي يعاني منها أحد الأبوين، وتنتقل بدورها إلى الأبناء.
قد يكون هذا الضغط ناتجًا عن رغبة الأب أو الأم في أن يحقق الطفل ما فشلا في تحقيقه، ظنًا منهما أنهما يوفران له فرصة أفضل، دون أخذ كفاءته ورغباته في الاعتبار.
- ما الدافع الحقيقي خلف ضغط الأهل الشديد ليدخل ابنهم كلية معينة مثل الطب أو الهندسة؟ ماذا يوجد في عقلهم الباطن؟
الدافع الحقيقي هو "الرعب الداخلي" من عدم قدرة الأبناء على الاستمرار في الحياة بدون تلك الشهادة، وفي علم النفس يُسمى هذا بـ"التفكير الكارثي"، حيث يقف عقليًا عند منتصف الفكرة "إن لم يدخل هندسة فسيفشل"، ولا يكمل الفكرة ليرى أن هناك مهندسين غير ناجحين، وأن الهندسة ليست المعيار الوحيد للنجاح، وأن هاتين الفكرتين كانتا بحاجة إلى الاكتمال ليطمئن القلق قليلًا.
الأهل في هذه الحالة تحتاج إلى أن تسأل نفسها "ما الذي تريده لابنك حقًا؟ أليس الاستقرار والسعادة والهدوء وأن يربي أطفاله بخير؟"، كما أنهم من فرط قلقهم لا يرون رغبات الابن ولا مخاوفه الحقيقية، وهناك طلاب يخشون النجاح حتى لا يُجبروا على دخول كلية لا يرغبون فيها كالطب.
- كيف يستطيع طالب في سن المراهقة، يعاني من تغيرات نفسية وهرمونية، أن يخطط لمستقبله؟
من الطبيعي ألا يعرف المراهق في سن 17 ماذا يريد بالضبط، فهذه المرحلة التطورية سؤالها الأساسي هو "من أنا وما دوري في الحياة؟"، وكان يُعتقد سابقًا أن المراهقة تنتهي عند 18 سنة، ولكن مع ضغوط العصر والتطور الحالي أصبحت قد تمتد نفسيًا حتى سن 25 سنة، لأن الشاب قد يستمر في الدراسة والتحصيل حتى سن 35 أحيانًا دون احتكاك حقيقي بالحياة العملية والشارع.
الجميل في تجربة الشباب الذين يقتحمون سوق العمل مبكرًا أنهم يكتشفون ما لا يريدونه أولًا، فالإنسان قد لا يدرك شغفه بسرعة، لكنه يعرف بسهولة ما لا يناسبه عن طريق تجربة الاستثناء.
إذن، الطلاب يحتاجون إلى معرفة أن الأهم من معرفة ما يريدونه هو معرفة ما لا يريدونه.
- إذا ظهرت النتيجة وكان المجموع مخالفًا للتوقعات والخطط، بالطبع يشعر الطالب بالحزن، كيف نفرق بين شعور الحزن الطبيعي والاكتئاب الذي يجب التعامل معه بجدية؟
يجب أن نحدد الفرق بين الحزن كشعور طبيعي يزول مع الوقت، وبين الاكتئاب كحالة عضوية ونفسية، فالاكتئاب يتطلب اجتماع 5 أو 6 أعراض على الأقل من أصل 9 أعراض لمدة زمنية محددة، وتتلخص هذه الأعراض في المزاج السيئ المستمر، وفقدان الشغف والقدرة على الاستمتاع بالأنشطة الممتعة، واضطراب الشهية، واضطراب النوم، واضطراب الحركة من خمول أو هياج حركي، وضعف الدوافع والهمة، ومشاعر ذنب وخوف مبالغ فيها بدون أسباب أو بأسباب بسيطة، وضعف شديد واضطراب في التركيز والانتباه، وأفكار مستمرة حول الموت أو الانتحار.
إذا ظهرت هذه الأعراض، نكون أمام حالة تحتاج إلى تقييم طبي، أما الحزن والشعور بالإحباط فهو يذهب ويجيء مع الوقت، وهو أمر صحي، وقد يستغرق الحزن والمرحلة الانتقالية عند بعض الشباب مدة تصل إلى سنة كاملة. أرى بعض الشباب يميلون إلى تأجيل دخول الجامعة سنة، وأخذ فترة استراحة، وهذه فرصة للتفكير والاكتشاف، وإذا لم يصل إلى الشيء الذي يميل لدراسته، يطرح على نفسه سؤالًا مختلفًا، ما الذي أريد أن أعمل به؟ وأين أريد أن أعمل؟ وكم العائد؟ هذه أسئلة مهمة، وبناءً على الإجابات سيعرف الأدوات المطلوبة، وسيساعده ذلك في اتخاذ القرار.
كان لدينا للأسف بعد ظهور نتيجة الشهادة الإعدادية، وهذه المرحلة الإعدادية وليست الثانوية العامة والصدمة الناتجة عنها، حالات انتحار، هذا بخلاف حالات الانتحار التي حدثت بين طلاب الثانوية العامة، أو حالات الوفاة التي لا نعلم إن كانت نتيجة ضغط عصبي أم أسباب مرضية لا نعرفها.
- كأم أو كأب، ما العلامات التي تجعلني أنتبه إلى أن ابني بعد النتيجة قد يعطيني جرس إنذار؟
نريد التفرقة بين الأسباب والعوامل المحفزة، فالأشخاص الذين أقدموا على محاولات انتحارية أو إيذاء الذات بسبب نتيجة دراسية، تكون الدراسة هنا هي العامل المحفز وليست السبب الرئيسي، وبالتأكيد كانت لدينا مشكلات تسبق ذلك.
- لم نكن نلاحظها!
بالضبط، فبالتالي الشيء الذي يمكننا قوله هو أن العوامل المنبئة بشكل عام تتمثل في، كيف يبدو المزاج العام لابني أو ابنتي؟ ما أخبار تقلباته المزاجية؟ كيف يتعامل مع المشاعر بشكل عام؟ هل التحكم في الاندفاعية موجود أم لا؟ هل يعبّر عن مشاعره وأفكاره بشكل جيد أم لا؟ هل نومه منتظم؟ هل أكله منتظم؟ هل في علاقاتنا الشخصية قدر ودرجة من درجات التواصل أم لا؟ هل أضغط عليه في الأصل أم لا؟ كيف يرى هو حجم الدراسة وأهميتها؟ هل علّمته أو سمحت له بالخطأ وإصلاحه أم لا؟ هل سمحت له بأن يرى بدائل للأفعال أو الأمور المختلفة التي قد تحصل في الحياة أم لا؟
كل هذه أمور مهمة كان ينبغي وجودها في الأصل قبل أن نقول إن نتيجة المرحلة الإعدادية جعلت شخصًا تراوده أفكار انتحارية أو يقوم بمحاولات انتحار، فالنتيجة هنا عامل محفز فقط... .
- لا يستيقظ فجأة ليقرر الانتحار.
بالضبط، توجد درجة من الهشاشة النفسية المستمرة منذ فترة من الزمن، وجاء، لا أود القول القشة التي قصمت ظهر البعير، ولكن جاء عامل ما أو محفز ما أدى إلى ظهور هذا السلوك أو الفعل الآن.
- نحن الآن على بُعد أيام قليلة، ماذا أفعل كأم أو كأب في الأسرة، بينما يعاني ابني حالة قلق شديدة جدًا قبل ظهور النتيجة؟
دائمًا وطوال الوقت، أثْنِ على المجهود المبذول وليس على النتيجة "أنت اجتهدت، وقمت بما عليك، وخضت الامتحانات، وتَحمّلنا جميعًا حالة القلق، وبالنسبة لي هذا أمر ممتاز"، وما سيأتي بعد ذلك سنتصرف بناءً عليه ونحن جميعًا معًا، وهذا هو الشيء الوحيد الذي يُفهم وينفع الآن، أن تتحدد المكافأة أو العواقب بناءً على مسار عملية المذاكرة والامتحانات، وليس بناءً على النتيجة مهما كانت، وعندها تأخذ النتيجة حيزًا من الأهمية أقل مما يُفترض أو يُتوقع أن تكون عليه.
الأمر الثاني أن أذكّر نفسي والأبناء بأن نتيجة الثانوية العامة ليست نهاية العالم حقًا، فكلنا كأولياء أمور، ونحن في هذا الموقف، لو تذكرنا أيام دراستنا، كم شخصًا كان معنا وحياته لم تسر بشكل جيد؟ أو كم شخصًا حصل على درجات أفضل منا وحياته لم تسر بشكل جيد؟ وكم شخصًا كانت درجاته أقل منا وحياته سارت بشكل ممتاز جدًا؟ سنجد الكثيرين.
وأنا دائمًا أضرب مثالًا شهيرًا، إذ لدي مجموعة من الأصدقاء من مدرستي الثانوية، لا أحد منا يعمل في مهنة تشبه الآخر، كلنا نعمل في مهن مختلفة، ولكن في النهاية، والحمد لله، مستويات معيشة حياتنا في المستوى نفسه، نتواجد في الأماكن ذاتها، ونتحرك في النطاقات ذاتها، ونأكل الطعام نفسه، وأبناؤنا معًا في المدارس والأنشطة الرياضية نفسها، والأمر لا علاقة له إطلاقًا بالدرجة التي حصلت عليها، وكنا نقول إن هذه "طاولة تضم درجات من 58٪ إلى 98٪"، وهذه كانت الدرجات الفعلية للمتواجدين على الطاولة نفسها، أشخاص حصلوا على 58٪ وآخرون حصلوا على 98٪، ونحن لا نتحدث عن 4 أو 5 أشخاص، بل عن 20 إلى 25 شخصًا (وهم من استطعنا جمعهم، ولو وسّعنا الدائرة لسجلنا الملاحظة نفسها).
لذلك، لا تضعوا أنفسكم في مقام الأقدار، اتركوها لله، وستسير الأمور على خير ما يرام، وهذا كل شيء.