كانت "الشرقية للدخان"، التي تعد من أكبر شركات إنتاج التبغ في الشرق الأوسط، تضم 14 ألف عامل في 2011، واليوم صار عدد العمال فيها 2400 عامل فقط، وهذه "التصفية" لـ80% تقريبًا عملت بوتيرة أسرع منذ العام المالي 2022-2023، وهو العام نفسه الذي استحوذت فيه شركة إماراتية على 30% من أسهم الشركة.
وتوضح بيانات الشركة تفاصيل هذا التراجع، إذ كان عدد العمال في عام 2021، 13052 عاملًا، وفي 2022 كان 11035 عاملًا، وفي عام 2023 كان 8921 عاملًا، وحسب البيانات، انخفض عدد العمال من 9 آلاف تقريبًا إلى 2400 خلال ثلاث سنوات، منذ 2023 وحتى 2026، وهي معلومات أكدها لـ"فكر تاني" وليد هليل رئيس اللجنة النقابية للشركة.
فماذا حدث في تلك السنوات؟ وهل له علاقة بدخول المستثمر الإماراتي الذي اشترى 30% من أسهم الشركة في البورصة؟ وهل مشروعات المعاش المبكر السبب؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، رصدت "فكر تاني"، عبر شهادات عاملين حاليين وسابقين ومستندات وشكاوى اطلعت عليها، الطريق الذي سلكته أكبر شركة لتصنيع السجائر في الشرق الأوسط لإعادة رسم خريطة العمالة بداخلها، وما رافق ذلك من توسع في الاستعانة بشركات توريد العمالة لتعويض النقص، وصولًا إلى الخيط الذي يربط كل هذا بالمستثمر الإماراتي.
شركة رابحة وبيع
تأسست الشركة الشرقية للدخان (إيسترن كومباني) عام 1920 بمرسوم من السلطان أحمد فؤاد، برأس مال بلغ 25 ألف جنيه، بهدف مواجهة هيمنة شركات السجائر الأجنبية على السوق المصرية، وهي اليوم المصنع المحلي الوحيد لمنتجات التبغ داخل مصر، وتُدرج أسهمها في البورصة المصرية منذ سبتمبر 1995، وتُصنَّف بين أكبر الشركات المقيدة من حيث القيمة السوقية والأرباح، إذ تبلغ قيمتها السوقية نحو 115.3 مليار جنيه وفق بيانات السوق الصادرة في يونيو الماضي.
وتنتج الشركة عددًا كبيرًا من منتجات التبغ، أبرزها السجائر المحلية مثل علامات كليوباترا وبوسطن ومونديال وسوبر، فضلًا عن السيجار وتبغ الغليون والمعسل (تبغ الشيشة)، كما تُصنّع سجائر لصالح فيليب موريس إنترناشيونال وجابان توباكو إنترناشيونال بموجب اتفاقيات تصنيع محلية، إلى جانب إنتاج فلاتر السجائر والتبغ المعاد تكوينه، وتصل الطاقة الإنتاجية لمجمع الشركة الصناعي في مدينة السادس من أكتوبر إلى نحو 100 مليار سيجارة سنويًا عقب التوسعات والتحديث، وتستحوذ الشركة على ما بين 70% و75% من سوق السجائر المصري.
ورغم كل هذه الأرباح، قررت الحكومة في سبتمبر 2023 بيع 30% من أسهم الشركة إلى شركة جلوبال للاستثمار الإماراتية بمبلغ 625 مليون دولار، في صفقة حضرها رئيس الوزراء، وبعد هذه الصفقة أصبحت الملكية في الشركة على النحو التالي، الشركة القابضة للصناعات الكيماوية تمتلك ما نسبته 20.95% من أسهم الشركة، واتحاد العاملين المساهمين 5.20%، في حين يمتلك القطاع الخاص نسبة 40.74% "جلوبال للاستثمار القابضة 30%، الأريج العالمية 3.29%، صناديق استثمار ALLANGRAY 7.45%"، بالإضافة إلى نسبة 41.50% حرة التداول.
وقبل إتمام الصفقة بشهرين، أي في يوليو 2023، بدأ ما يعرف بـمشروع "التخارج الإرضائي" وهو المرادف لمصطلح المعاش المبكر، الذي قلص عدد العاملين إلى 2400 عامل، وبالتزامن بدأت الشركة في طرح 8 أصول للبيع بالمزاد العلني الشهر الحالي، بينها المجمع الرئيسي في الجيزة ومصانع وأراضٍ في الطالبية والإسكندرية والمنوفية.
وبينما تصف الإدارة هذه البرامج بأنها "تخارج اتفاقي رضائي"، قال عدد من العاملين لـ"فكر تاني" إن قرار المغادرة لم يكن دائمًا وليد رغبة حرة، إذ جاء بعد سنوات من الضغوط، في حين قال عاملون آخرون إنهم اختاروا الخروج بإرادتهم الكاملة للاستفادة من التعويضات المالية وفرص العمل الجديدة.
من 13 ألف عامل إلى 2400
يقول وليد هليل، رئيس اللجنة النقابية بالشركة الشرقية للدخان وعضو مجلس إدارة النقابة العامة للعاملين بالصناعات الغذائية، إن الشركة بدأت خلال السنوات الأخيرة تنفيذ مشروع "التخارج الإرضائي" للعاملين على عدة مراحل، وأوضح، في تصريحات خاصة لـ"فكر تاني"، أن نحو 380 عاملًا خرجوا خلال عام 2023، ثم ارتفع العدد إلى نحو 2500 عامل في برنامج 2025، وأعقبه خروج نحو 2300 عامل في برنامج 2026، وأشار إلى أن هذه الأرقام تخص آخر موجات التخارج فقط، بينما سبقها خروج أعداد أخرى ضمن برامج سابقة للمعاش المبكر، إلى جانب انتهاء خدمة عدد من العاملين لبلوغهم سن التقاعد وعدم تعيين بدلاء لهم، وهو ما يفسر تراجع إجمالي عدد العاملين من 14 ألف عامل قبل سنوات إلى ما يقارب 2400 عامل حاليًا.
وأضاف أن الشركة كانت تعمل سابقًا وفق أحكام قانون قطاع الأعمال العام رقم 203، قبل أن تتحول إلى شركة مساهمة مصرية تخضع لقانون الشركات رقم 159، معتبرًا أن هذا التحول صاحبه تغير في أسلوب إدارة العمالة داخل الشركة، وكشف هليل عن استعانة الإدارة بشركات توريد العمالة لتوفير نفس العمالة التي خرجت ضمن برنامج المعاش المبكر، إذ عاد نحو 1800 عامل من الخارجين ضمن برنامج المعاش المبكر إلى المصنع عبر شركات توريد العمالة بعقود سنوية بدلًا من التعيين.
ويرى هليل أن هذا التحول لا يتعلق فقط بتغيير شكل التعاقد، وإنما يعكس، من وجهة نظره، توجهًا نحو تقليص العمالة الدائمة تدريجيًا، مع الاعتماد بصورة أكبر على شركات وسيطة لتوفير احتياجات التشغيل، وفي المقابل، تؤكد الشركة في الإعلانات الخاصة ببرامج التخارج أن المشروع يقوم على أساس "التخارج الاتفاقي الرضائي"، وأن التقدم إليه يتم بناءً على رغبة العامل.
بين "أُجبرت" و"اخترت"
أحد العاملين البالغ من العمر 54 عامًا، يقول لـ"فكر تاني" إن قرار التقدم للمعاش المبكر لم يكن بالنسبة إليه "اختيارًا حرًا"، وإنما جاء بعد سنوات من الضغوط المتواصلة، ويضيف أن راتبه ظل ثابتًا منذ عام 2018 من دون أي زيادة، معتبرًا أن تجميد الأجور كان جزءًا مما وصفه بـ"سياسة التجويع" لدفع العاملين إلى مغادرة الشركة، ويقول إن الضغوط لم تقتصر، بحسب روايته، على تجميد الأجور، وإنما شملت أيضًا النقل بين الإدارات أو الأقسام، مع تراجع ما يحصل عليه العامل من حوافز وبدلات، ما جعل الاستمرار في العمل أكثر صعوبة بالنسبة لعدد من العاملين.
وأضاف العامل الذي فضل عدم الكشف عن هويته، أنهم "كانوا بيقولوا يا تمضي وتخرج وتأخذ المقابل المادي، أو تكمل لكن من غير المزايا اللي كنت واخدها، أو يتم نقلك لمكان بعيد عن بيتك، هو في الظاهر اختيار، لكن بالنسبة لنا ما كانش فيه اختيار حقيقي"، وقال العامل إن هذه الممارسات، بحسب روايته، تكررت مع عدد من زملائه خلال السنوات الأخيرة، وانتهى الأمر بكثير منهم إلى التقدم للمعاش المبكر رغم أنهم لم يكونوا يرغبون في مغادرة الشركة.
ويقول عامل آخر، طلب عدم نشر اسمه، إن الحديث داخل الشركة كان يدور منذ فترة حول وجود خطة لتقليص أعداد العاملين تدريجيًا، مضيفًا أنه كان يُقال للعاملين إن من يخرج يمكنه العودة لاحقًا إلى العمل، لكن من خلال شركات توريد العمالة أو بعقود محددة المدة، من دون التمتع بالمزايا التي كان يحصل عليها العامل المعين، مثل الأرباح السنوية وبعض المزايا التأمينية والاستقرار الوظيفي.
وأضاف أن الضغوط لم تكن تقتصر على الحديث عن التخارج، وإنما كانت تُطرح أمام العامل خيارات محدودة، قائلًا "كانوا بيقولوا لنا، إمّا تمضي وتخرج وتأخذ المقابل المادي، أو تستمر لكن من غير المزايا، أو يتم نقلك لمكان بعيد عن بيتك، وفي بعض الحالات كان يُقال للناس، يا تروحوا تشتغلوا في أكتوبر، يا تقعدوا في البيت بالأساسي فقط"، ويضيف "هو في الظاهر اختيار، لكن بالنسبة لنا ما كانش فيه اختيار حقيقي".
وتتوافق هذه الشهادات مع روايات عاملين آخرين قالوا إن تجميد الأجور وتأخر الترقيات وتقليص بعض المزايا، إلى جانب النقل بين الإدارات، شكلت عوامل ضغط دفعت كثيرين إلى قبول التخارج، بينما لم يتسن لـ"فكر تاني" الحصول على رد من الشركة بشأن هذه الروايات حتى موعد النشر.
في المقابل، يقدم بعض العاملين السابقين رواية مختلفة عن تجربة التخارج، ويقول نادر أحمد عبد الفتاح، الذي كان يعمل مشرف إنتاج بالشركة الشرقية للدخان، إنه تقدم إلى برنامج التخارج الإرضائي بمحض إرادته، مؤكدًا أنه لم يتعرض لأي ضغوط لإجباره على الخروج من الشركة.
وأوضح أن دخله في أثناء عمله كان يتكون من راتب أساسي يبلغ نحو 2900 جنيه، إلى جانب عدد من الحوافز والبدلات، بينها 800 جنيه بدل بصمة حضور، و160 جنيهًا عائد سجائر، و800 جنيه بدل وجبة، فضلًا عن حافز إنتاج بقيمة 6 آلاف جنيه يُصرف على دفعتين، ليصل إجمالي دخله الشهري إلى نحو 12 ألف جنيه.
وأضاف أنه فضّل الاستفادة من برنامج التخارج، موضحًا أنه حصل على نحو مليوني جنيه مقابل خروجه، بينما كان سيحصل، بحسب تقديره، على نحو 900 ألف جنيه فقط إذا استمر في الشركة حتى بلوغ سن التقاعد، مشيرًا إلى أنه كان يبلغ من العمر 55 عامًا، ويتبقى له خمس سنوات لبلوغ سن المعاش.
وأشار إلى أنه وقع، عقب خروجه، عقد عمل سنوي مع شركة "بيراميدز"، يبدأ في الأول من يونيو 2026 وينتهي في 31 مايو 2027، واستمر في العمل بوظيفته نفسها داخل مجمع مصانع الشركة بمدينة السادس من أكتوبر.
وأضاف أن راتبه ارتفع إلى نحو 39 ألف جنيه شهريًا، مؤكدًا أن منظومة الرعاية الصحية التي يحصل عليها لم تتغير مقارنة بما كانت عليه أثناء عمله بالشركة الشرقية للدخان.
كما نفى عبد الفتاح ما يتردد بشأن إغلاق مصانع الشركة، موضحًا أن عمليات الإنتاج تتركز داخل مجمع السادس من أكتوبر منذ عام 2011، واعتبر أن انتقاله إلى الشركة الجديدة كان خطوة أفضل بالنسبة إليه، مشيرًا إلى أن بعض الخارجين ضمن برنامج التخارج لم يُتعاقد معهم لاحقًا، بينما تُجدد العقود سنويًا وفق احتياجات العمل.
وتعكس هذه الشهادات تباينًا واضحًا في تقييم العاملين لبرنامج المعاش المبكر، ففي حين يرى بعضهم أنه جاء نتيجة ضغوط دفعتهم إلى مغادرة الشركة، يؤكد آخرون أنهم اتخذوا القرار بإرادتهم للاستفادة من التعويضات المالية وفرص العمل الجديدة.
توريد العمالة
وبينما اختلفت روايات العاملين عن تجربة التخارج، اتفقت شهاداتهم على أن السنوات الأخيرة شهدت توسعًا ملحوظًا في الاعتماد على شركات توريد العمالة.
وقال وليد هليل إن نحو 1800 عامل من الخارجين ضمن آخر موجات التخارج عادوا إلى العمل مرة أخرى من خلال شركات توريد العمالة بعقود سنوية.
كما قال عدد من العاملين إن بعض الخارجين عادوا إلى المواقع نفسها التي كانوا يعملون بها داخل الشركة، لكن بعقود مختلفة ومن خلال شركات وسيطة، في حين أصبحت شركة التوريد هي جهة التعاقد المباشرة.
وأضاف أحد العاملين أن من يعمل من خلال شركة توريد لا يحصل، بحسب روايته، على المزايا نفسها التي كان يحصل عليها العامل المعين مباشرة داخل الشركة، سواء فيما يتعلق بالأرباح السنوية أو بعض المزايا الوظيفية الأخرى.
ويرى عدد من العاملين أن هذا التحول غيَّر طبيعة العلاقة بين العامل والشركة، وأثار مخاوف بشأن مستقبل العمالة الدائمة، بينما يعتبر هليل أن الاعتماد المتزايد على شركات التوريد يمثل جزءًا من توجه أوسع نحو تقليص العمالة الدائمة داخل الشركة.
الأرباح ترتفع.. والعمالة تتراجع
في الوقت الذي استمرت فيه برامج التخارج، واصلت الشركة تحقيق نتائج مالية قوية، فقد أظهرت القوائم المالية تحقيق صافي أرباح بلغ نحو 2.15 مليار جنيه خلال الربع الأول من العام المالي 2025/2026، مقابل 1.82 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من العام السابق، بزيادة بلغت نحو 18%، كما ارتفعت الإيرادات إلى 10.63 مليار جنيه مقابل 8.12 مليار جنيه خلال الفترة المقارنة.
وبينما تعكس هذه المؤشرات نموًا في الإيرادات والأرباح، يرى ممثلو العمال أن هذا النمو تزامن مع تراجع كبير في أعداد العاملين الدائمين، وهو ما يثير، من وجهة نظرهم، تساؤلات حول طبيعة إعادة الهيكلة التي شهدتها الشركة خلال السنوات الأخيرة.
وفي المقابل، يرى ممثلو العمال أن التراجع الكبير في أعداد العاملين الدائمين، بالتزامن مع التوسع في الاستعانة بشركات توريد العمالة، يثير تساؤلات عن مستقبل العمالة داخل واحدة من أكبر الشركات الصناعية في مصر.
ولم يتسنَّ لـ"فكر تاني" الحصول على رد من الشركة الشرقية للدخان على ما ورد في هذا التحقيق حتى موعد النشر، وهو صمت يترك الرواية الرسمية الوحيدة عن "التخارج الاتفاقي الرضائي" بلا اختبار.