في توقيت بالغ الحساسية يترقب فيه الشارع السياسي نتائج الخطاب الرئاسي في افتتاح الأوكتاجون، وتتسابق فيه الأسئلة عن مصير المحليات وما يتردد بشأن التعديلات الدستورية، حاورنا محمد أنور السادات، نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان والرئيس السابق لحزب الإصلاح والتنمية.
في هذا الحوار الاستثنائي مع "فكر تاني" يرد السادات على الاتهامات التي تلاحق حزبه بشأن "توريث" المقعد الرئاسي لنجله، وتحويل الحزب إلى ما يشبه "الشركة العائلية"، ويعرج على الأزمات التي تواجه الأحزاب السياسية التي دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي لتنشيطها.
ومن السياسة الحزبية إلى ملف حقوق الإنسان الشائك، يكشف السادات عن كواليس الصراع للحفاظ على استقلالية المجلس القومي وتصنيفه الدولي، والخلاف بشأن تعديل قانون المجلس، ويعلن عن زيارات مرتقبة للسجون، والمساعي لتأسيس "وحدة عفو" في المجلس.
وفي قراءة للمستقبل، يضع السادات يده على التوقيت الفعلي لانتخابات المحليات، وتوقعاته بشأن تعديل الدستور، ليختتم حديثه برسالة إنسانية لصناع القرار تلخص وجع الشارع الحقيقي بين صراعات السياسة وأزمة "أكل العيش".
وإلى نص الحوار:
توريث مقعدي "إيجابي"
- قدمت استقالتك من حزب الإصلاح والتنمية بعد تعيينك نائبًا لرئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، ثم تم انتخاب نجلك لرئاسة الحزب، البعض اعتبر أن هذا أول توريث في حزب سياسي؟
بافتراض أنه توريث، يعتبر توريثًا إيجابيًا لأن النائب سامح السادات عضو في الحزب منذ تأسيسه وعلى مدى دورتين انتخابيتين كان نائبًا في البرلمان، وفاز بمنصب رئيس الحزب بالتزكية ومعه قائمة كاملة بها نائب رئيس حزب وأمين عام ونواب للأمين العام. تعتبر المجموعة دماءً جديدة للحزب مما يمهد إلى تغيير كامل.
- على مستوى الموائمة السياسية، لم يكن هناك حل أفضل؟
لم يتقدم أحد غيره للانتخابات على منصب رئيس الحزب، ولا يجب أن يظل المقعد فارغًا
- بعد تولي النائب سامح السادات رئاسة حزب الإصلاح والتنمية، نحن أمام حزب أقرب للشركة العائلية، خاصة مع وجود اسم العائلة "السادات" ضمن شعار الحزب، متى يكون الحزب قادرًا على التحول إلى حزب حقيقي يمتلك آليات ديمقراطية حقيقية وله قواعد جماهيرية حقيقية؟
ليس حزب الإصلاح والتنمية وحده في هذا الموقف، أحزابنا في مصر جميعها أحزاب مرتبطة بأشخاص أو كيانات محددة، هذا هو الوضع في مصر ولا يعتبر غريبًا.
أن يكون الحزب متطورًا ويبني لنفسه قواعد جماهيرية، هذا ما نتوقعه وننتظره من القيادات الشابة الجديدة التي تولت بعد الانتخابات الماضية، والأمر مرتبط بمناخ سياسي وقوانين للأحزاب ربما يتم إعادة النظر فيها وتعديلها لذلك نحن منتظرون لكي نحكم على التجربة بأكملها.
الحزب إن لم يؤدِّ ويكون له رسالة واضحة وله تواجد سوف يتلاشى مثل كثير من الأحزاب التي اختفت في حياتنا السياسية.

أزمات الأحزاب تبدأ من داخلها
- ما المفترض أن تفعله الحكومة لتستجيب لتوجيه الرئيس خلال افتتاح الأوكتاجون وتنشط الأحزاب بشكل أو بآخر؟
أنا أتصور أن من المفترض أن يُدار حوار فيما يخص كيفية تحقيق التوجيه الذي قاله الرئيس في المؤتمر. وليس بالضرورة أن يكون حوارًا وطنيًا أو بنفس الأسلوب الذي تم به الحوار الوطني، إنما يصبح هناك تشجيع للأحزاب ودعم من جانب قانون الأحزاب وتشكيل الأحزاب من ناحية السماح للأحزاب بالتواجد والاشتباك مع كل القضايا الوطنية مع الناس. كل ذلك إلى الآن لم يكن هناك دعوة تفاعلية وتنفيذية للتوجيه الرئاسي الذي حدث.
- ما أهم عقبة تراها تواجه الأحزاب الآن؟
أرى أن العقبة التي تواجه الأحزاب هي الأحزاب ذاتها، تلك هي العقبة الحقيقية؛ التنافس والتناحر والوجاهة الاجتماعية.
- إذن الأمر ليس في يد الحكومة؟
لا، الحكومة تمثل جزءًا صغيرًا في مشاكل الأحزاب إنما واقع الأمر هو أن الأحزاب من داخلها تحتاج إلى أن تراجع نفسها وتعيد النظر، لكي نكون منصفين.
- دائمًا ما تشكو الأحزاب من تضييقات أمنية ويقولون إنهم ممنوعون من التحرك وبناء القواعد الجماهيرية بحرية، فما تعليقك؟
لا نقول إنه لا يحدث لكنه ليس السبب الرئيسي لتراجع دور الأحزاب على الأرض وفي الشارع.
الأحزاب من داخلها تمتلك مشاكلها؛ مشاكل متعلقة بتنافس داخلي وغيره وأوضاع متعلقة بتمويل الأحزاب ذاتها، هناك مشاكل كثيرة، وأيضًا دور الدولة وأجهزتها في تقييد حركة الأحزاب.
- ماذا عن محاباة أحزاب على حساب أخرى؟
هذا أمر طبيعي أن يكون هناك أحزاب تمتلك حظوة أكبر ولها وضعية متميزة، وكل هذا يحدث، لكن هل كل هذا سيتم إعادة النظر فيه من خلال الحوار الذي نتحدث عنه بناءً على توجيه الرئيس؟ هذا ما ننتظر.
حدث بيننا كأحزاب في الأيام الماضية حوارات حول ما يجب؛ هل ننتظر أم نبادر نحن ونجلس معًا لنتحدث؛ نتحدث عن اندماجات لبعض الأحزاب التي تتبنى نفس الرؤى والأفكار والأيديولوجيات، ولا ننتظر لكي يكون هناك دعوة من الحكومة أو أن يكون من تفوضه، ونجلس نحن ونتحاور في هذا لكي نصل لتوصيات تُرفع لرئيس الجمهورية وتكون دفعة حقيقية للأحزاب.
ملاحظات دولية
- بصفتك نائبًا لرئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، لماذا نحتاج لتعديل قانون المجلس؟
الهدف من تعديل قانون المجلس هو إعطاء المجلس استقلالية أكثر وصلاحيات أكثر لممارسة دوره، وهي كانت مطالب من داخل المجلس على مدى سنوات ومن ضمن الملاحظات التي وردت للمجلس خلال تقييمه كمجلس وطني مستقل بناءً على المعايير الدولية لكل المجالس الوطنية، لذلك كنا حريصين على المطالبة بتعديل بعض المواد لتعطي دفعة أكبر للمجلس في ممارسة دوره.
- قدم النائب طارق رضوان رئيس لجنة حقوق الإنسان مشروع تعديل قانون المجلس القومي، وأنتم شاركتم في أول اجتماع لمناقشته، ما أهم ملامح هذا المشروع؟
مشروع القانون الذي تقدم به النائب طارق رضوان ومعه مجموعة من الأعضاء. حضرنا معهم جلستين في لجنة حقوق الإنسان في البرلمان، وتوجد بعض المواد نرى أنها تمثل نقلة نوعية وهناك مواد أخرى متحفظون عليها.
- ما المواد التي ترى فيها نقلة؟
مثل أن يكون اختيار الأعضاء أكثر شفافية عن طريق إعلان دور مجلس النواب أن يصوت عليها بناءً على الترشيحات التي ترد إليه من كثير من مؤسسات المجتمع المدني والمجلس الأعلى للجامعات، نقابات، اتحادات.
- ماذا يفرق عن الآلية الحالية، حيث تأتي للمجلس قائمة ويتم طرحها في جلسة عامة والتصويت عليها؟
ستكون أكثر شفافية وأكثر وضوحًا في الاختيار، حيث تأتي قائمة ببعض الترشيحات، لكن أتاحوا الترشيحات لتشمل منظمات ومؤسسات مجتمع مدني ومجلس أعلى للجامعات وما إلى ذلك.
وأصبح هناك توسع لجهات الترشح، وثانيًا هناك مادة أو اثنتان نرى أنهما يمنحان دفعة جيدة وطمأنينة في عملية الاختيار والترشيحات.
حذف اشتراط النواب على منح المجلس القومي
- ما أهم المواد التي تعترضون عليها؟
رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان دعا لاجتماع لمجلس حقوق الإنسان وتشاورنا في مشروع القانون بشكله الذي تم تقديمه وكان هناك ملاحظات من بعض الأعضاء.
أعددنا مذكرة بالملاحظات وتم إرسالها إلى اللجنة لكي تأخذها في الاعتبار حين إقرار مشروع القانون المقترح بشكل نهائي.
مذكرة الملاحظات تتضمن عودة قانون المجلس القومي كما كان عند إنشائه في 2003 و2004؛ حيث نص وقتها على أن أي شراكات مع أي جهات أجنبية أو منح لا تمر على مجلس النواب، الآن يتم الموافقة عليها بثلثي أعضاء مجلس النواب.
- صحيح. عُدلت في 2017 تقريبًا
بالضبط، قلنا لهم المفترض أن يتم التعديل لهذه المادة لتعود كما كانت وقت إنشاء المجلس. تكلمنا أيضًا في المذكرة عن حق الأعضاء في الحماية القانونية خلال ممارسة دورهم واشتباكهم مع القضايا الحقوقية.
- ما الحماية القانونية المقصودة؟
ليست حصانة لأن الحصانة محدودة ومرتبطة بمجلس النواب والشيوخ، إنما الحماية القانونية مثل عدم اتخاذ إجراء ضده إلا بعد موافقة المجلس وبموافقة محامٍ عام، كل ذلك يعطي رسائل طمأنينة للأعضاء ويؤكد على استقلالية المجلس أمام التحالف الدولي للمؤسسات الوطنية في جنيف.
- ما مدى الاستجابة لهذه المطالب؟
أرسلنا مذكرة بوجهة نظرنا في هذه المواد، لكن إلى الآن لم نُستدعَ ولم يتم إدراج القانون لإقراره في مجلس النواب، وإلى الآن لم نُخطر بعرض مشروع القانون على النواب.
- هل تتوقع أن يدخل مشروع القانون الأدراج؟
لابد أن يتم إقرار القانون أيًا كان شكل المواد لأنه مطلب أساسي مرتبط بالتصنيف الخاص بالمجلس فلابد أن يرى النور، وإن لم نستطع أن ننتهي منه خلال الأسبوعين المقبلين سيكون مع بداية دور الانعقاد الثاني في أكتوبر ونوفمبر على الأكثر لأن لدينا مراجعة أخرى لتصنيف المجلس في نهاية العام.
لم نطالب بتعديلات تتعلق بزيارات السجون وتنظيمها يتم ببروتوكولات مع "الداخلية"
- هل المطالب التي تطالبون بها، والتعديلات الحالية، تمنح المجلس استقلالية حقيقية؟ إذ لم نسمع مثلًا عن مطلب يخص تنظيم زيارات السجون بشكل معين؟
صحيح. لكن هذه النقطة موجودة من خلال بروتوكول تم عقده مع وزارة الداخلية، وتحديدًا مع قطاع حقوق الإنسان بالوزارة، والذي ينظم علاقتنا بزيارة السجون. وهذه المسألة ستشهد في الأيام القادمة عدة زيارات للسجون، وهي زيارات مفاجئة، أو يمكن تسميتها زيارات بدون إخطار، حيث سيتم لقاء بعض الأشخاص المحبوسين.
- زيارات بدون إخطار؟
نعم.
- لكن ما معنى بدون إخطار؟
دعنا نتحدث بشكل عملي. لكي تدخلي أي سجن أو مكان احتجاز؛ وأخص بالذكر السجون، لأن أماكن الاحتجاز كأقسام الشرطة يسهل الدخول إليها ولا تمثل مشكلة. لكن السجون لها تدابير أمنية ومواعيد معينة، فلا بد أن تكون إدارة السجن على علم مسبق، وإلا كيف ستستقبلك؟
- إذن، كيف تكون بدون إخطار؟
ما أقصده هو أن الإخطار قد يتم توجيهه لهم قبل الزيارة بـ 24 ساعة على سبيل المثال، بمعنى أنني أُخطرهم ولكن لا أنتظر الموافقة. والمدة الزمنية لا تكون قبلها بشهر، بل ربما قبلها بيوم أو يومين، هذا هو المعنى المقصود. الهدف الأساسي هو أن تتاح لكِ الفرصة لتفقد السجن، ولقاء الأشخاص، والوقوف على حالة المحبوسين. وهذا ما حققناه من خلال بروتوكول تعاون مع وزارة الداخلية، ممثلة في قطاع حقوق الإنسان وقطاع الحماية المجتمعية (مصلحة السجون سابقًا)، وسنشهد خلال الأيام المقبلة زيارات لعدة سجون تلقينا بشأنها شكاوى.
- مثل ماذا؟
مثل سجن بدر وسجن العاشر، بالإضافة إلى بعض السجون الأخرى التي تردنا منها شكاوى من الأهالي، تفيد بغياب الرعاية الصحية أو انعدام التريض، أو وجود صعوبات تواجه الأهالي أثناء الزيارة كالانتظار لساعات طويلة. نقوم بحصر كل هذه الشكاوى ونحدد السجون المستهدفة بالزيارة. وكما ذكرت لكِ، وبناءً على حالات منع الزيارات؛ إذ لا يزال هناك الكثيرون الممنوعون من الزيارة بحسب ما يرد إلينا، نقوم بحصر ذلك ووضع خطة للتحرك، ونكلف الأعضاء المتاحين من المجلس بمرافقة بعض الباحثين للنزول ومعاينة الأوضاع على الطبيعة. هذا من ناحية. الموضوع الثاني والأهم، هو أننا بالتنسيق مع النيابة العامة والنائب العام، أبرمنا بروتوكولًا مشابهًا؛ لأن النيابة العامة، وفقًا لقانون السجون، هي الجهة التي تمتلك صلاحيات واسعة للتفتيش على السجون. وحاليًا، إذا كنتِ تتابعين، يقوم وكلاء ورؤساء النيابة بإجراء زيارات متتالية وتفتيش دوري لكافة السجون الواقعة في نطاق محافظاتهم أو حدود صلاحياتهم، للاطمئنان على أوضاع المسجونين ومستوى الرعاية الصحية المقدمة لهم. ما أقصده هو أننا نحاول، بقدر الإمكان ومن خلال صلاحياتنا كمجلس، القيام بدورنا، بالتوازي مع ما تقوم به النيابة العامة من خلال صلاحياتها الواسعة، لإحداث التوازن المطلوب في هذه المسألة.
الدولة تضع يدها في كل شيء والمجلس القومي ليس بعيدًا عن مجالسنا الوطنية والبرلمانية
- هل يمكن الوصول إلى استقلال حقيقي وفعلي للمجلس القومي لحقوق الإنسان؟ أم أن السياق يشير إلى أن هذا الكلام ليس له علاقة بالواقع، وأن الواقع يؤكد تدخل يد الدولة بشكل أو بآخر وفي أوقات كثيرة؟
الدولة تضع يدها في كل شيء، فهي في النهاية الجهة المسؤولة عن إدارة شؤون الحكم، ومن الطبيعي ألا نغفل دور الدولة أبدًا. المجلس مثله مثل كافة مجالسنا الوطنية والبرلمانية، من الطبيعي والضروري أن يكون هناك تنسيق وتفاهمات مع كافة مؤسساتنا والوزارات المعنية. هذا هو الوضع الطبيعي. لكن المجلس القومي يتميز بأنه منشأ بموجب قانون خاص وفقًا لـ "مبادئ باريس"، فوضعه على سبيل المثال يختلف عن المجلس القومي للمرأة أو المجلس القومي للأمومة والطفولة، فتلك مجالس أنشأتها الحكومة، بينما المجلس القومي لحقوق الإنسان يختلف.
- يمتلك آلية دولية وسندًا دوليًا لإنشائه، وبالتالي حرية الحركة أكبر بكثير من باقي المجالس الموجودة. ولأنه يمتلك هذه المساحة والحرية، فهل استطاع استغلالها؟
يحاول بقدر المستطاع.
تصنيف المجلس
- ماذا كنت تتمنى تحقيقه في المجلس خلال سنوات عضويتك الماضية، وخلال الأشهر الأخيرة التي شغلت فيها منصب نائب رئيس المجلس؟ ماذا أردت أن تفعل ولم تتمكن من تحقيقه؟
أحدثك عما كنت أتمنى تحقيقه وتحقق بالفعل، وهو الحفاظ على تصنيف المجلس في الفئة "ألف"، وهذه مسألة هامة.
- وهل يخص تصنيف المجلس المواطن العادي؟
لا، هو لا يخصه بشكل مباشر، ولكنه يخص كيان المجلس وصورته الذهنية، وهذه مسألة مهمة، وهذا ينعكس في أن حفاظنا على تصنيف الفئة "ألف" يمنحنا القدرة على أن يُستمع إلينا حينما نطلب أمرًا أو نطرح رؤية معينة؛ لامتلاكنا تصنيفًا متميزًا، ويجب الحفاظ على هذا التصنيف حتى تضطر الدولة ومؤسساتها وأجهزتها لتقديم يد العون لنا. ويد العون هذه تتمثل في الاستجابة لمظالم ومطالب وشكاوى المواطنين. ففي النهاية، أنتِ تعملين على حل هذه المظالم من منطلق موقف قوي يسمح بالتحدث مع الدولة ومؤسساتها، لتتمكني من مساعدة الناس والإفراج عنهم.
- بالتأكيد كانت هناك أشياء تتمنى تحقيقها ولم تتحقق
الطبع، لا يزال بداخلي الكثير، لا شك أن بداخلي الكثير بعد، ولدي طموح كبير، ببساطة، أن تصبح السجون المصرية خالية من أي محتجزين على ذمة قضايا رأي، وأن يتم تبييض السجون تمامًا من هؤلاء. بالتأكيد أتمنى الكثير، لكن الأمور لا تُحل دفعة واحدة. وأتمنى أيضًا أن يعود كل من يرغب في العودة إلى وطنه آمنًا سالمًا، وأن تُحل أزمات الممنوعين من السفر. أتمنى أشياء كثيرة، لكنني لا أفقد الأمل على الإطلاق. نحن ننجح في بعض الحالات، بينما تستغرق حالات أخرى بعض الوقت، لكن الأهم هو أن نستمر في الدفع بهذا الاتجاه، وأنا بطبعي شخص متفائل.
لا يوجد تعطيل في ملف سجناء الرأي وسننشئ وحدة للعفو في المجلس القومي
- كنت طرفًا أصيلًا وأساسيًا في عملية حلحلة ملف سجناء الرأي، ما الذي عطل استكمال مسار سجناء الرأي الذي كنت وسيطًا مهمًا فيه؟
لا يوجد تعطيل ولكن رُئي أنه يتم الآن بطريقة مؤسسية. سنشهد خلال الفترة القادمة أن المجلس القومي من ضمن الدور الذي سيقوم به بالإضافة إلى لجنة الشكاوى الموجودة، سيكون هناك وحدة للعفو.
- كنت عضوًا في الحركة المدنية وتم تجميد العضوية منذ الانتخابات الرئاسية، هل تعتبر الحركة المدنية منتهية؟
ليس هناك ما يدعو لعدم إعطاء فرصة، فإذا استطاعوا التماسك والوقوف على أقدامهم فهذا شيء يسعدنا ولا يضايقنا. لكن بالطبع المسألة صعبة. من خلال المتابعة وما نسمعه، ونحن لا نحضر أي فعاليات أو لقاءات، كنت حريصًا على نجاح التجربة، لكن من الواضح أنها صعبة.
- هل نحن بحاجة إلى تحالف بهذا الشكل في التوقيت الحالي؟
نعم، نحن بحاجة إلى تحالف قوي، وكنت متفائلًا بحزب الوفد، خاصة بعد رئاسته الجديدة. كوعاء ليبرالي، كان من الممكن أن يصبح هو المظلة التي تجمع الأحزاب. وبغض النظر عن فترات التراجع في السنوات الماضية، فإن حزب الوفد يظل علامة مسجلة لا يختلف عليها أحد. وأتصور أنه لو نجح في استقطاب الأحزاب ذات التوجهات المماثلة، فمن الممكن أن يشكل كيانًا وتحالفًا قويًا في الانتخابات البرلمانية عبر تشكيل قوائم مشتركة، أو الاتفاق على مرشح في الانتخابات الرئاسية. لا أعرف إن كنا سنشهد ذلك أم لا.
- هل الرهان مقتصر على الوفد، أم أن هناك رهانات أخرى؟
في رأيي، يمثل الوفد تاريخيًا المعارضة الوطنية العاقلة، وأرى أنه يمتلك فرصة إذا أحسن إدارة المشهد. لا زلنا في بدايات تولي رئاسته الجديدة وسنرى ما سيحدث.
المواءمات ليست عيبًا ولن تتوقف
- هل المواءمات التي تعقدها أحزاب المعارضة أحيانًا، هي ما يضرب التحالفات والأفكار التي تقوم عليها؟
المواءمات لن تتوقف وستظل موجودة دائمًا، لنتحدث بصراحة. المواءمات في المواقف أو الانتخابات، والتفاهمات في مشروعات القوانين لن تتوقف، فهذه هي السياسة عمومًا. هذا الأمر ليس عيبًا ويحدث في كل دول العالم بين الأحزاب الحاكمة وأحزاب الأقلية، وهو في علم السياسة ليس خطًا ولا عيبًا. لكن المهم في النهاية أن تكون المواقف واضحة؛ فهذه كتلة معارضة بحق وصوت مستقل بحق، وتلك كتلة معروف أنها موالية أو داعمة لسياسات الدولة.
- هل الأحزاب مستعدة لانتخابات المحليات؟
الكل الآن يسعى للتواصل مع أعضائه وكوادره ونوابه استعدادًا، لأن الجميع - ونحن منهم - يشعر الآن أن هناك جدية لإصدار قانون الإدارة المحلية وإجراء انتخابات المحليات في نهاية العام.
- هل تشعر أن هناك جدية؟
نعم، أشعر أن هناك جدية، لكن الانتخابات لن تكون قبل النصف الثاني من عام 2027.
- النصف الثاني من 2027؟
نعم، بالطبع ليس قبل ذلك، حتى يتم إقرار القانون.
- ماذا سنفعل خلال هذا العام إذن؟
لكي نبدأ بالاستعداد، وقد بدأنا بالفعل بمراسلة كافة الأعضاء والداعمين لنا.
- كم عدد الأعضاء لديكم؟
لدينا 1200 عضو فاعل، لكن هناك الكثير من المتعاطفين. فالموضوع لا يُقاس بالعدد فقط؛ قد يكون لديك أعضاء فاعلون، وفي وقت الانتخابات تجدين الكثير من المحبين والمتعاطفين. لقد تواصلنا مع الجميع وأخبرناهم أن كل من لديه الرغبة والاستعداد للترشح على مستويات المحليات (قرية، مركز، مدينة، محافظة) عليه أن يبدأ بالاستعداد والتقدم لنا، وقد شكلنا لجنة ستبدأ في فحص الأسماء.
- هل ستتلقون منهم أموالًا؟
هذه محليات ولن تُدفع أموال. سنبدأ في الفحص والتصنيف، وسنقوم بتعريفهم بدور المحليات. ولا ننسى أننا محكومون بـ "كوتة" حسب نص الدستور للمرأة والشباب والعمال والفلاحين.
النص الدستوري قابل للتطبيق ولا يجب أن نعيش أسرى لتجربة الإخوان القاسية
- هل النص الدستوري قابل للتطبيق؟
نعم، قابل للتطبيق، ولا نحتاج إلى تعديل دستوري لإجراء الانتخابات. البعض اعتبرها فرصة للحديث عن تعديل الدستور، لكن هذا ليس ضروريًا الانتخابات ستجرى كما نص عليها الدستور بقوائم مغلقة للأغلبية، وجزء بالقوائم النسبية.
- هل توافق على القوائم المغلقة؟
نعم، لكي أستطيع تحقيق النسب الدستورية المطلوبة.
- كانت هناك مخاوف بشأن هذه النسب، خاصة أن لدينا أكثر من 50 ألف مقعد.
أكثر من 60 ألف مقعد.
- رقم ضخم جدًا، وهناك مخاوف من دخول عناصر محسوبة على الإخوان المسلمين، هل الإخوان ما زالوا متواجدين؟
أرى أن هذا التخوف في غير محله، ولا يجب أن نتحدث مجددًا عن الإخوان المسلمين وتأثيرهم. يجب ألا نعيش أسرى لتجربة قاسية انتهت. علينا أن نعمل من أجل البلد، ونجري انتخابات لمجالس محلية تضمن المشاركة والمحاسبة المجتمعية دون الالتفات للوراء.
- هل الإجراءات الأمنية التي اتُّخذت على مدار السنوات الماضية كافية؟
نرى أنها قضت على تنظيمات الإخوان، لكن قد يظل هناك متعاطفون معهم أو يحملون الفكرة داخلهم لسبب أو لآخر، وهذا أمر ليس له حل جذري. الفكرة قد تظل موجودة في النفوس، تمامًا مثل من يتبنى الأفكار اليسارية أو الشيوعية، فهذا لا يمكنني تجريمه. لكنني أُجرّم وأُحاسب من يحرض أو يدعو إلى العنف. عدا ذلك، فنحن جميعًا مصريون وعلينا البدء في تنفيذ الاستحقاقات التي يحتاجها المجتمع المحلي، من متابعة لما يحدث في القرية والمركز، وتحقيق المساءلة مع الجهاز التنفيذي سواء المحافظ أو مجلس المدينة، لتبدأ مشاركة مجتمعية حقيقية.
- هل تعتقد أن قانون الإدارة المحلية سيصدر متضمنًا صلاحيات استجواب المحافظ وعزله؟
ليس بالضرورة أن يتضمن العزل أو الاستجواب، لكن أيًا كان شكل القانون الذي سيصدر، فهو أفضل من غياب المجالس والقانون. نحن بحاجة إلى أصوات في القرى، وإلى خلق كوادر مؤهلة تتدرج لتحصل على فرصة في مجلس النواب أو الشيوخ أو في مناصب تنفيذية كنواب محافظين أو محافظين. هذا ما نحتاجه ويجب أن يحدث.
- ذكرت أن انتخابات المحليات ستكون في النصف الثاني من 2027
نعم، هذا ما أراه.
- هل سنجري انتخابات المحليات قبل إجراء تعديلات دستورية؟
لا أرى أن موضوع التعديلات الدستورية سيحدث قريبًا رغم الأحاديث المتداولة عنه. لا أعتقد أننا سنشهد أي طرح لتعديلات دستورية قبل عام 2028، أي بعد الانتهاء من انتخابات المحليات ومعرفة كيف ستتم وما سيُطرح فيها. كل ما يثار حاليًا هو أحاديث وتكهنات سابقة لأوانها، ولا يوجد شيء مؤكد.
- هل توافق على تعديلات دستورية تمد أو تفتح مدد الرئاسة؟
في عام 2019 عندما رفضت التعديلات الدستورية، وقلت إنه يجب احترام الدستور وما انتهى إليه من تحديد مدد الرئاسة بمدتين. موقفي واضح، فلم أوافق عليها سابقًا ولن أوافق عليها مجددًا، لكننا لا نعلم إذا كان هذا الأمر سيُطرح أم لا، والحديث عنه سابق لأوانه.
- ما توقعاتك، هل ستحدث التعديلات أم لا؟
من الوارد حدوثها، لكنها ستكون حزمة متكاملة من التعديلات وليست مجرد تعديل واحد.
- مثل ماذا؟
قد تشمل تعديلات تخص أمورًا كثيرة، مثل منح صلاحيات أكثر لمجلس الشيوخ، أو أمور متعلقة بالقضاء، أو الوضع الاجتماعي والاقتصادي، أو القوات المسلحة. في المرة السابقة شملت التعديلات القوات المسلحة والقضاء، وقد تكون التعديلات القادمة لزيادة أو إنقاص صلاحيات، لا أحد يعلم تحديدًا.
- من الطرف الذي سيقود التعديلات الدستورية الجديدة في مجلس النواب؟ سابقًا كان هناك ائتلاف دعم مصر، من سيقودها الآن؟
أعتقد أن البداية ستكون من أحزاب الأغلبية إذا حدث ذلك.
- مستقبل وطن أم الجبهة الوطنية؟
مستقبل وطن، والجبهة الوطنية وحماة الوطن، الشعب الجمهوري، جميعهم وارد.
- من سيكون صاحب الخطوة الأولى؟
أعتقد أنهم سيقومون بها مجتمعين. فتقديم تعديلات دستورية يتطلب تقديمها من ثلث الأعضاء وموافقة الثلثين لطرحها للاستفتاء، فالموضوع ليس بسيطًا لكن سهل تمريره.
- تمريره سهل؟
لا أعتقد أن هناك صعوبة في تمريره حتى مع وجود معترضين ومتحفظين، ففي النهاية الأغلبية تحكم. الشعب المصري، في رؤيتي، ليس لديه بدائل في أمور كثيرة، كما أنه يميل إلى الاستقرار بسبب التجربة القاسية التي مر بها لسنوات. ليس لديه استعداد للمغامرة مع أي مجموعة، وهناك عوامل نفسية مهمة تؤثر على المصريين وتجعلهم لا يفضلون التغيير لمجرد التغيير. لذلك من الوارد جدًا أن نشهد إقبالًا شعبيًا داعمًا لفكرة التغييرات الدستورية، ولا أستبعد ذلك.
- إذا كان لك الحق في توجيه توصية واحدة فقط لتحسين حالة حقوق الإنسان في مصر، ماذا ستقول لصناع القرار؟
رسالتي لصناع القرار هي: استمعوا إلينا، لأن ما نطرحه يخدم المواطن وبالتالي يخدم الدولة، ويمنح مزيدًا من الثقة والاستقرار الذي تحتاجه بلدنا أكثر من أي شيء آخر.
- ما الإجراء العاجل الذي يجب تنفيذه الآن؟
الأمر لا يقتصر على إجراء واحد، بل إجراءات كثيرة جدًا.
- اذكر لي ثلاثة إجراءات
أولًا، أن يتم الاستماع إلى الطرح الذي نقدمه وأخذه بجدية، وأن يكون هناك التزام بالتنفيذ والتخفيف عن الناس؛ لأن مظالمهم وشكاواهم كثرت، ونحن بحاجة حقيقية لذلك.
- ما التوصية التي تتمنى أن تُسمع أكثر من غيرها؟
هناك أمور كثيرة يجب أن يسمعوها
- ما التوصية الأقرب لك والتي ترى أنه يجب تنفيذها فورًا؟
سأقولها بوضوح: اشعروا بالناس وفرِّجوا عنهم. هناك الكثيرون يعانون، وبيوت كثيرة خُربت وظُلمت، وتحتاج إلى أن تشعر أن هذه بلدها التي تصون كرامتها.
- لماذا لا تقول صراحة "سجناء الرأي" حديثك يتجه نحو هذا المسار؟
المسألة لا تحتاج إلى ترديد المصطلح؛ فنحن نعيش يوميًا مع قضايا سجناء الرأي وهذا أصبح كلامًا تقليديًا. الموضوع أكبر من مجرد ترديد مصطلحات كالمعتقلين وسجناء الرأي كما يفعل الكثير من السياسيين. أنا أعمل على هذا الملف فعليًا على أرض الواقع، ولست بحاجة لترديد شعارات حول سجناء الرأي والحق في التعبير.
- لكنك تقول "اشعروا بالناس"
نعم.
- ما أكثر شيء تشعر أنه يوجع الناس الآن؟ هل الأزمة الاقتصادية أم السياسية؟ ما الوجع الحقيقي؟
الأزمة الاقتصادية و"أكل العيش"، ورغبة الناس في عيش حياة كريمة ومستورة. هذه هي الأولوية وما يجعل الكثيرين يعانون. مجموعات صغيرة فقط هي من تهتم بالسياسة، بينما غالبية المصريين مهمومون بيومهم وغدهم، بمستقبل أبنائهم، وبأحوالهم وكرامتهم التي يجب أن تُصان وحقوقهم التي يجب أن تُحترم. هذا هو الهم الأكبر الذي يشغل الناس، وليس أي شيء آخر.