جاء قرار الحركة المدنية بتجميد عملها لحين تجديدها وإعادة بلورة دورها، كآخر مساعيها للخروج من تحت ركام أزمة قصر أكمل قرطام، وكأنها، للمفارقة، احتاجت أزمة كتلك لتتعرف على الهوة التي صارت تفصلها عن المواطن والشارع، حتى وصل بها الأمر إلى المساواة بين هدم قصر (فخم) وهدم مقابر وبيوت تؤوي جدرانها أفرادًا ربما لا يقدرون على سداد إيجارها الشهري، وهي الهوة ذاتها التي لم تستطع الحركة حتى الآن، وبعد ما يقرب من شهر على اتخاذ موقفها، صياغة أي تصور حقيقي لردمها، رغم تجاوزها المهلة التي قررتها لنفسها بثلاثة أسابيع لتحقيق ذلك.
وكانت الحكومة قد بدأت إجراءات هدم القصر قبل عيد الأضحى في إطار عملية إزالات لتعديات على أراضي وزارة الري، وهو ما نفاه قرطام عبر عدة فيديوهات دافع فيها عن قصره مشددًا على ملكيته له وللأرض المقام عليها، وداعيًا للتبرع به للدولة المصرية بدلًا من هدمه، في حين نفى بيان لوزارة الري والموارد المائية ما جاء على لسانه، معتبرًا أن القصر مبني على أراض مملوكة للوزارة.
وتحت عنوان "الخروج على الدستور وتجاهل أحكام القانون يُفاقمان أسباب الاحتقان، ويهددان السلم الاجتماعي"، أفادت الحركة المدنية في بيان أعقب قرار الهدم بأنه "تعددت في الفترة الأخيرة الأنباء المؤسفة عن هدم مقابر المصريين، والعدوان المتكرر على حرمة المواقع التاريخية، وأزمات الجزر النيلية في الوراق والقرصاية، كما تتجدد بين حين وآخر مشكلات انتزاع أراض بحجج متعددة"، على حد قولها، وهو ما أثار جدلًا سياسيًا واسعًا، حاولت الحركة الخروج منها عبر تجميد موقف الحركة وتكليف المهندس أكرم إسماعيل، رئيس حزب العيش والحرية (تحت التأسيس) بتشكيل لجنة التجديد التي يقع على عاتقها وضع مقترح هيكلي جديد للحركة، انتهت فعليًا منذ خمسة أيام بينما لا يزال المقترح متعثرًا.
ويقول أحمد بهاء شعبان، أمين عام الحركة المدنية الديمقراطية، إن لجنة التجديد لم تضع مقترحاتها بعد على طاولة مجلس الأمناء، وإن توقيت تقديمه غير معلوم بالنسبة له، لكن الأمر يدور حول "في أقرب وقت"، حسبما صرح لـ"فكر تاني".
وعلى الرغم من مرور فترة على الموعد المحدد لتسليم المقترح، وهو ما يزيد من حالة تجميد موقف الحركة في المشهد السياسي، فإن أكرم إسماعيل لا يزال لا يمتلك موعدًا محددًا لتسليمه إلى مجلس الأمناء كما قال لـ"فكر تاني"، وإن كان يرجح مناقشته في أقرب فرصة.
ويوضح أكرم إسماعيل ملامح ما دار خلال أكثر من 3 أسابيع، قائلًا لـ"فكر تاني"، إنه "في مقترحات اتقدمت من أعضاء الحركة ومن براها كمان، يعني في ناس مقدمين أوراق من برا الحركة وكاتبين حاجات من برا الحركة"، من دون أن يعلن عن الأسماء المشاركة. ، رغم ذلك تغيب الأسماء عن المشهد سواء تعلق الأمر بأصحاب المبادرة في تنفيذ المقترح أو بمن سيلحق بالحركة في شكلها المستقبلي، إذ يقول وليد العماري، المتحدث باسم الحركة المدنية الديمقراطية، لـ"فكر تاني"، إنه "مفيش أسماء محددة هتلتحق بالحركة، ومش مخططين نلحق أشخاص محددين، ومنتظرين نتفق على الهيكل المستقبلي للحركة".
وتضم الحركة المدنية الديمقراطية، التي تأسست في 2017، 149 شخصية عامة، وعدد من الأحزاب السياسية، هي التحالف الشعبي الاشتراكي والدستور والكرامة ومصر الحرية والعيش والحرية (تحت التأسيس)، والإصلاح والتنمية الذي جمَّد نشاطه عام 2020، والعدل والمصري الديمقراطي الاجتماعي اللذان جمَّدا نشاطهما عام 2024، وفي عام 2022، انضمت إليها تباعًا أحزاب المحافظين والوفاق القومي والشيوعي المصري
جيل الوسط يأخذ فرصته
وسط الحديث عن مساعي الحركة للتخلص من انفراد مجلس الأمناء -الجيل الأكبر سنًا- بالقرار، ومدى تأثير ذلك على علاقة الحركة المدنية بما يحدث في الشارع، يضع أكرم إسماعيل ملامح الهيكل المستقبلي للحركة في مقترحه على أساس عدم استمرار مجلس الأمناء والاعتماد بدلًا منه على الأمانة العامة، التي تتكون كما وصفها لـ"فكر تاني"، "من عدد ممثلي الأحزاب والشخصيات العامة المؤسسة للحركة، كل حزب ليه عدد من الممثلين، وبعدين في الشخصيات العامة المؤسسة للحركة".
ويتصدر جيل الوسط، ومن بعده الشباب، مقترح أكرم إسماعيل القائم على الاعتماد على مكتب تنفيذي يقوده جيل الوسط بشكل أكبر، ويتكون أعضاؤه من عدد منتخب من الأمانة العامة، اعتبارًا بأن هذين الجيلين أقرب صلة بالشارع وأكثر دراية بهموم الناس.
الأدوار تبادلية
ويرفض أكرم إسماعيل طرح عملية التجديد على أنها صعود لأمانة الشباب على حساب مجلس الأمناء، ويقول "أمانة الشباب هتلعب دور في إنها تكون إحدى حلقات الوصل بين الحركة والأجيال الشابة، لكن مش بالضرورة معناه صعود رموز لجنة الشباب على حساب مجلس الأمناء، لأن إحنا بنستهدف ناس مش في الأمانة، وهنستهدف ناس من خارجها أو من خارج الحركة، يعني حوالين الأحزاب والنماذج المعروفة في القوى السياسية يعني، هيبقى فيه طبعًا ناس من جوه الأحزاب ومن براها".
ويطرح دخول شباب الأحزاب إلى تحالف سياسي شامل للفئات العمرية تساؤلات عن اختلافات وجهات النظر التي قد تحدث تبعًا لاختلاف الرؤية بناءً على الخبرة السياسية، وفي هذا السياق توضح وفاء صبري، ممثلة حزب الدستور داخل الحركة المدنية، أن العمل السياسي في النهاية قائم على مبادئ تتفق عليها الأجيال، وتختزل الاختلافات في حديثها لـ"فكر تاني" في "الاختلاف في وجهات النظر على آليات التنفيذ بسبب الرؤى المختلفة التي يتحكم فيها العامل العمري بعض الشيء". وتدعم وفاء صبري تواجد شباب الأحزاب داخل الحركة، بما في ذلك تواجد أعضاء الدستور من جيل الوسط والشباب داخل الحركة المدنية.
الأمل الأخير
يضع أكرم إسماعيل قضية استقطاب أعضاء جدد كفكرة ذات جدوى، ويقول إن "الاستقطاب بالأساليب الجديدة هي أفكار مطروحة، إزاي نستخدم السوشيال ميديا وإزاي نستخدم التيك توك وإزاي نستخدم الفيديوهات وإزاي نفكر الناس بالتطور اللي لعبته الحركة". أما عن آليات تفعيل تلك الأفكار، فيقول "لجان نوعية أو مكاتب، يعني هو ده جزء من النقاش الدائر، والنقاش دائر حوالين خلق أشكال تنظيمية أكثر كفاءة وأكثر قدرة على العمل، ومنها أكيد العمل الإعلامي والعمل على السوشيال ميديا".
وكلما طرح أحد السياسيين كلمة الشباب في مقترح أو كحل لأزمة سياسية ما، يبقى السؤال قائمًا عن مكان الشباب، باعتبارهم عازفين عن العمل السياسي بسبب القبضة الأمنية التي تحول بين السياسة والحياة.
لا حل من دون الشارع
تعلق ليلى الشامي، عضو المجلس السياسي بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي وعضو مكتب الشباب في الحزب، على طرح أكرم إسماعيل وجود الشباب كحل للأزمة، قائلة إن "الشباب في السجون". لذلك ترى ليلى الشامي أن وجود الشباب داخل الحركة بشكل أكبر لن يحل أزمة طالت الحياة السياسية بأكملها، مما يجعل وجود الشباب في عمل سياسي مع استمرار الفصل بينهم وبين الشارع سياسة بلا جدوى، وتقول لـ"فكر تاني"، "موقفنا من الحركة المدنية ومن التحالفات هنحدده كلنا كحزب ومناقشات قريب"، مضيفة أن رؤيتها كحل للأزمة تبدأ من أن "الحركة السياسية والمدنية ترجع تتصل بالشعب عشان يبقى الشعب حتى منظم ومعبر عن نفسه"، معتبرة أن موقف الشباب داخل حزب التحالف، على الرغم من انقسامه حاليًا بين مؤيد ومعارض للانضمام إلى الحركة، يتوقف على مدى فعالية الهيكل الجديد للحركة وإيمانهم بأن تلك الفعالية لن تتحقق بدون تواصل فعال مع الشارع. وتتعامل ليلى الشامي مع الحل باعتباره ذا كفتين يجب أن تعملا سويًا، الأولى اتصال الحركات السياسية بالقواعد الشعبية المختلفة، والثانية تخفيف القبضة الأمنية التي تجعل كل من تسول له نفسه بالعمل السياسي يتراجع بسبب قسوة المشهد، مستنكرة استمرار الاعتماد على المستعدين لإلقاء أنفسهم في نار السياسة.
وتضع تلك الكفتان الحركة المدنية أمام اختبار أكبر من مجرد إعادة ترتيب هيكلها الداخلي أو توزيع مقاعد أمانتها العامة، فالهوة التي اعترفت الحركة بوجودها بينها وبين الشارع، حين ساوت في بيان واحد بين هدم قصر رجل أعمال وهدم بيوت فقراء، لن تُردم بمجرد الاتفاق على من يمثل جيل الوسط أو من يتصدر المكتب التنفيذي، وإنما بقدرتها على أن تعيد الاتصال الفعلي بذلك الشارع نفسه الذي تحدثت باسمه دون أن تسأله. وإلى أن تحسم الحركة موقفها من هذا الاختبار، تظل مهلة الأسابيع الثلاثة التي حددتها لنفسها، والتي تجاوزتها بالفعل دون نتيجة، أقرب إلى مرآة تعكس المسافة ذاتها التي بدأت منها الأزمة.