فتنة قصر قرطام تضرب الحركة المدنية.. تبرؤ وانتقادات وترتيب أوراق

جدل سياسي واسع صاحب بيان أصدرته الحركة المدنية الديمقراطية لمطالبة السلطات المصرية بوقف إجراءات إزالة القصر الخاص برئيس حزب المحافظين أكمل قرطام في منطقة منيل شيحة بالجيزة، بدعوى صون الملكية الخاصة للمواطنين، وكان لافتًا أن أغلب معارضي هذا البيان ممن ينتمون إلى صفوف الحركة بالفعل أو من المحسوبين على تيار المعارضة، ما أعاد طرح تساؤلات عن مستقبل الحركة في ظل تراجع أدائها خلال الفترة الماضية.

كانت الحكومة بدأت إجراءات هدم القصر قبل عيد الأضحى، على خلفية عملية إزالات لتعديات على أراضي وزارة الري، وهو ما نفاه قرطام عبر عدة فيديوهات ظهر خلالها مدافاعًا عن قصره، مشددًا على ملكيته للقصر والأرض، داعيًا للتبرع به للدولة المصرية بدلًا من الهدم، فيما نفى بيان لوزراة الري والموارد المائية ما جاء على لسان قرطام معتبرًا أن القصر مبني على أراض مملوكة للوزارة.

قصر قرطام ومقابر المصريين

تحت عنوان "الخروج على الدستور وتجاهل أحكام القانون يُفاقم أسباب الاحتقان ويهدد السلم الاجتماعي" جاء بيان الحركة المدنية الذي ساوى بين أفعال السلطة في هدم مقابر المصريين، وما وصفه بالعدوان المُتكرر على حُرمة المواقع التاريخية الخالدة، مرورًا بنضال أهالي الجزر النيلية كالوراق والقرصاية دفاعًا عن حقهم القانوني، وصولًا إلى هدم مبنى سكني من أملاك قرطام رغم حيازته لكافة الشهادات القانونية والوثائق الرسمية، وتسديده كل الالتزامات المالية التي تمنحه الحق في الملكية والحيازة، والاستغلال الشرعي للأرض المُستأجرة، بحسب البيان.

البيان الذي جاء بعد سجال ممتد بين رئيس حزب المحافظين والحكومة المصرية ممثلة في وزارة الري، أدى لظهور بعض الخلافات في الحركة المدنية الديمقراطية التي تضم عددًا من أحزاب اليسار إلى جانب حزبي الدستور والمحافظين، خصوصًا أن البيان يضع سكان الوراق والقرصاية الذين يخوضون معارك قانونية مع الحكومة لمنع طردهم من منازلهم تحت شعار المنفعة العامة، في موقف واحد مع رجل الأعمال أكمل قرطام، وهو ما دفع البعض إلى انتقاد البيان بل والتبرؤ منه بعد الهجوم الشديد الذي تعرضت له الحركة، قبل أن يتبرأ حزب المحافظين نفسه من البيان لاحقًا، يوجه الشكر للحركة المدنية، ويؤكد على قضية القصر يجب أن تُناقش في إطارها الحقيقي، بوصفها قضية قانونية محددة، وأن تُترك القضايا العامة الأخرى لتُناقش في سياقاتها الطبيعية، بما يحقق الإنصاف للجميع ويحافظ على وضوح الحقائق أمام الرأي العام.

كيف خرج بيان الحركة؟

علم "فكر تاني" أن البيان المنشور على الصفحة الرسمية للحركة صدر،  بعد خضوعه للتصويت وموافقة الأغلبية في مجلس الأمناء وممثلي الأحزاب، في وقت أيده حزبا المحافظين والدستور اللذين اندمجا في تحالف انتخابي من قبل، شهد معارضة من حزبي الكرامة والعيش والحرية، وسريعًا خرجت الانتقادات إلى العلن إذ صرح سامح حسنين القيادي في حزب الكرامة وعضو الهيئة العليا بأن الحزب لم يوقع على البيان الأخير للحركة المدنية الديمقراطية الخاص بموقف قصر أكمل قرطام، مشيرًا إلى أنه لم يتم استشارة ممثلي الحزب ولم يعرض عليهم من الأساس.

فيما تحدث مصدر قيادي بالحركة -رفض ذكر اسمه- عن كواليس إصدار البيان، قائلًا لـ "فكر تاني" إنه كان هناك رغبة عند بعض أعضاء الحركة المدنية لإظهار بعض التعاطف السياسي مع قضية قرطام في ظل تكرار مناشدات رئيس حزب المحافظين للحكومة بوقف هدم قصره أو التصالح بشأن المخالفات التي أشارت لها وزارة الري إلى جانب دوره طوال الفترة الماضية في استضافة اجتماعات وفعاليات الحركة المعارضة بأحد قصوره الخاصة بمنطقة جاردن سيتي، إلا أن هذه الرغبة قوبلت باعتراضات داخلية، وانتهت بالبيان الذي تعرض لانتقادات.

غير أن طلعت فهمي رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي أوضح في تصريحاته لـ"فكر تاني" أن البيان رغم التوافق حوله من الأغلبية كتب بصيغة غير مُرضية الكثيرين داخل الحركة، وتسببت في انتقادات بسبب الربط بين أزمة قصر أكمل قرطام مع الحكومة ونضال سكان الجزر متوقعًا أن يصدر بيان آخر لإزالة اللبس على حد قوله. وحاول "فكر تاني" التواصل مع المتحدث باسم الحركة المدنية وليد العماري للاستفسار منه عن طريقة صياغة البيان الأخير، إلا أنه لم يرد على اتصالاتنا حتى نشر هذا التقرير.

نفوذ قرطام وسداد الفواتير

فتحت أزمة بيان القصر الباب للحديث عن نفوذ قرطام ومدى هيمنته على الحركة وقرارتها التي عادًة ما تجتمع في قصر حزب المحافظين، ورد طلعت فهمي رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي على ما أثاره البيان من تساؤلات عن طبيعة دور قرطام في الحركة وانفراده باتخاذ القرار، قائلًا في تصريحات لـ"فكر تاني": "لسنا حركة أكمل قرطام، بالطبع الحركة بها أحزاب وشخصيات وطنية مستقلة، ليس حقيقيًا أن المحافظين وحده من يستضيف الفعاليات، التحالف الشعبي استضافها في فترات، وسبقه الكرامة، والمصري الديمقراطي، لكن لا توجد فواتير أو ديون نسددها في مواقفنا السياسية كما يدعى البعض".

كانت مصادر في الحركة ربطت في تصريحات لـ "فكر تاني" بين صدور البيان الداعم لقرطام في معركة القصر، ومساندته للعديد من الأحزاب والشخصيات الشريكة في الحركة، ما دفعهم لـ "رد الجميل ومساندته في معركة القصر"، وأشارت المصادر إلى دور قرطام في دعم جناح جميلة إسماعيل في حزب الدستور سواء في معركتها الداخلية إزاء الانقسامات التي شهدها الحزب، أو معركتها القضائية مع لجنة الأحزاب السياسية التي اتخذت قرارًا بخلو مقعد رئيس الحزب والدعوة لمؤتمر عام.

في هذا السياق كشف مصدر أن منسق عام الحركة طلعت خليل قد طلب منذ فترة بإعفائه من منصبه وإفساح المجال لتعيين شخصية أخرى، إلا أن خليل أوضح في تصريحات لـ"فكر تاني" أن طلبه جاء لتكريس مبدأ تداول السلطة في ظل تدوير المناصب القيادية كرئيس مجلس الأمناء الذي آل مؤخرًا إلى أحمد بهاء الدين شعبان وليس لاعتراضه على أمور تنظيمية.

غضب داخلي ونظرة للمستقبل

جاء الغضب الداخلي إزاء البيان من جانب عدة أطراف شريكة في الحركة، منهم إلهام عيداروس، وكيلة مؤسسي حزب العيش والحرية، أحد الأحزاب اليسارية المنضوية في الحركة، التي أوضحت لــ"فكر تاني" أن الحزب رفض خلال عملية التصويت على صدور البيان كونه يمثل إحراجا للحركة المدنية وأحزابها، لكن القرارات يتم اتخاذها بالأغلبية لذا تم الموافقة على نشر البيان.

رغم الجدل الذي أثاره البيان، تؤكد عيداروس أن الخلافات واردة بين مكونات الحركة ودائمًا ما تشهد الغرف المغلقة خلافات وتباينات في وجهات النظر بشأن قضايا بعينها من بينها المواقف حول الانتخابات والخلاف بين الناشر هشام قاسم والقيادي العمالي كمال أبو عيطة، حيث انقسمت الحركة على نفسها في هذه القضية بعد إصرار أبو عيطة على مقاضاة قاسم، مستنكرة في الوقت نفسه الأصوات التي تطالب بإعلان تجميد نشاط الحركة وانتهاء عملها بسبب تراجع دورها في السنوات الأخيرة أو لنشوب خلافات بين مكوناتها.

تعتبر عيداروس أن وجود الحركة المدنية مازال مهمًا في الحياة السياسية، وحلها أو تجميدها يعني ترك المجال للسلطة: "الحركة تلعب دورًا في العمل العام تشتبك مع قضايا جماهيرية تدافع عن قضايا المعتقلين وتطرح رؤيتها في الأحداث لكن حلها لتصبح السلطة وحيدة في الملعب بلا أي شكل من أشكال المعارضة لن يكون صائبًا على الإطلاق خصوصًا أن المناخ الحالي لا يسمح بإفراز تكتلات معارضة جديدة".

في السياق نفسه، قد تفرض أزمة القصر إعادة صياغة طريقة اتخاذ القرار داخل الحركة المدنية وتفعيل أدوات الديمقراطية كما تقول وكيل مؤسسي العيش والحرية عيداروس، وهو ما ركز عليه بيان أصدره مدحت الزاهد القيادي بالحركة والرئيس السابق لحزب التحالف الشعبي الاشتراكي بدعوته للالتزام الكامل بميثاق الحركة المدنية الديمقراطية والآليات المنظمة لعملها.

وقال الزاهد إن الحركة المدنية الديمقراطية تأسست باعتبارها إطارًا جامعًا للقوى السياسية والمدنية المؤمنة بالدولة المدنية الديمقراطية، وهو ما يفرض على جميع مكوناتها احترام القواعد التي ارتضتها لنفسها، وفي مقدمتها التشاور الكافي والحوار الجاد بين الأطراف المختلفة قبل اتخاذ أي مواقف أو إصدار بيانات تعبر عن الحركة.

مع تأكيد الشخصيات والكيانات المستمرة في الحركة على ضرورة استمرارها، يأتي البيان الصادر عن حزب العدل معلنًا انسحابه الكامل من الحركة المدنية، بعدما كان قد جمد عضويته في الحركة من الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي جرت في 2023 بعد تباين موقفه مع مواقف أحزاب الحركة إزاء الانتخابات الرئاسية، ما دفعه والحزب المصري الديمقراطي حينها لتجميد عضويتهما في الحركة.

وأوضح الحزب في بيانه أن قرار تجميد نشاطه داخل الحركة، الذي اتخذه منذ سنوات، لم يكن مرتبطًا بخلاف عابر أو موقف ظرفي، وإنما جاء انعكاسًا لتقييم سياسي لمسار الحركة وقدرتها على الاستمرار كمنصة فاعلة للتنسيق والعمل العام. وقد كان تقديرنا آنذاك أن الحركة بدأت تفقد تدريجيًا قدرتها على التجدد والتأثير، وأن الفجوة بين أهدافها المعلنة وممارساتها الفعلية أخذت في الاتساع بصورة يصعب تجاهلها.

كما دعا الحزب الأطراف المشاركة في هذه التجربة إلى تقييم موضوعي لمسيرتها ومستقبلها، ويرى أن الحفاظ على رصيد الحركة وتاريخها يقتضي التفكير الجاد في إنهاء التجربة بصورتها الحالية بدلًا من استمرار شكلي لم يعد يعكس واقعها. فالحل المنظم والمسؤول قد يكون أكثر احترامًا لإرث الحركة من الإبقاء على كيان فقد قدرته على الفعل والتأثير.

في نهاية المطاف، تجاوزت أزمة قصر منيل شيحة حدود النزاع القانوني بين رجل أعمال وجهة حكومية، لتتحول إلى معركة سياسية بطلتها المعارضة المدنية، فالبيان الذي استهدف التعاطف مع قرطام قد يكون نقطة تحول في الحركة أو يتوقف عند نقطة الخلاف العابر كذوبعة في فنجان.

1 تعليق

  1. الحركة المدنية ضرورة تقتضيها ظروف الواقع الخالي من اي صوت معارض ودعمها واستمرار وجودها له اهميته حتي لاينفرد النظام وحكومته بالقرار فصوت المعارضة يجب ان يبقي ولو كان لم يسمع او يستمع اليه وحتي لو كان واهنا فشرف المحاولة في فتح ملف سجناء الرأي والحبس الإحتياطي وتدوير المحبوسين احتياطيا او من صدرت ضدهم احكام وملف الإقتصاد وكلها قضايا يجب ان يكون للأحزاب وللحركة المدنية رأيها ومواقفها لذا وجب دعم وجودها واستمرار عملها والتجاوز عن هفوة لا تستدعي إنهاء وجودها او الإنسحاب منها فيكفي اعتذار اعضاءها في بيان
    فالشعب المغلوب علي امره لاصوت له واخصاء الحياة السياسة للأخر لمصلحة من ؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة