كتب جلال البحيري ديوانه الأول قبل عشر سنوات، ووسمه بعنوان يشبه نبوءة لم يقصدها "سجن بالألوان"، أو يظن وقتها أنه يكتب سيرته المقبلة بقدر ما يكتب قصيدة، فالشاعر الذي أصدر هذا الديوان عام 2016، صار بعد سنوات قليلة نزيلًا دائما للسجون، من طرة إلى وادي النطرون وصولا إلى بدر، وكأن كل سجن جديد لونا إضافيًا يضاف إلى ديوانه الأول، والفارق الوحيد أن النبوءة هذه المرة لم تكتب على الورق، وإنما فرضت عليه بمنعه من الورق نفسه، إذ قرر سجانوه في الأيام الأخيرة حرمانه من القلم والكتاب والورقة، فلم يجد الشاعر أمام هذا المنع سوى إضرابه عن الطعام، الذي أعلنه في 2 يوليو الجاري.
ويروي تفاصيل هذا المنع والده عبد الفتاح البحيري لـ"فكر تاني"، قائلًا "أول وآخر شهر يونيو اللي فات، زرت ابني مرتين، وفي المرتين ما رضيوش يدخلوله الأقلام والورق والكتب واللبس، وده خلاه يضرب عن الطعام يوم 2 يوليو الحالي، بعد أيام من مرور عيد ميلاده التاسع عليه وهو في الحبس، ولسه مكمل في الإضراب".
ويحمل هذا المنع، إلى جانب قسوته الإنسانية، مخالفة قانونية واضحة، إذ يشكل خرقًا للمادة 15 من اللائحة الداخلية للسجون المصرية، التي تنص على أنه "يجوز للمحكوم عليهم والمحبوسين احتياطيًا أن يستحضروا على نفقتهم ما يشاؤون من الكتب والصحف والمجلات المصرح بتداولها للاطلاع عليها في أوقات فراغهم، وعلى إدارة السجن أن تطلع على ما يستحضره المسجونون من كتب وصحف ومجلات ولا تسلمها لهم إلا بعد التأكد من خلوها مما يخالف النظام أو يثير الشعور أو الحواس أو يخل بالأمن والعقيدة والتوقيع عليها بما يفيد ذلك وختمها بخاتم الليمان أو السجن".
الجريمة الشعر
وُلد جلال البحيري في 27 يونيو 1990، بإحدى قرى بنها في محافظة القليوبية، وحصل على بكالوريوس تربية قسم اللغة الإنجليزية، وعمل في أكثر من مهنة، وشارك في ثورة 25 يناير 2011، التي أعطته أملا في إدراك أحلامه المعلقة، لكنه لم يكن يعلم آنذاك أن كتابة الشعر ستكون جريمة يعاقب عليها القانون، وأنه سيستحق الحبس بسببها لما يزيد على ثماني سنوات.
وتعود بداية معاناة الشاعر جلال البحيري إلى 3 مارس 2018، حين تم توقيفه في مطار القاهرة، ليظهر في اليوم التالي كمتهم في القضية رقم 480 لسنة 2018 أمن دولة عليا، بتهمة نشر أخبار كاذبة وإهانة رئيس الجمهورية، وهي قضايا أخلي سبيله منها لاحقًا في 17 إبريل 2019 على الورق فقط، ذلك أنه في أثناء حبسه احتياطيًا على ذمة القضية الأولى كان قد تم التحقيق معه من قبل النيابة العسكرية بالاتهامات نفسها، وحكم عليه بالسجن 3 سنوات في 31 يوليو 2018 بتهمة الإساءة للمؤسسة العسكرية وإهانة رموزها، على خلفية ديوان شعر منشور له، وفي 21 يوليو 2021 انتهى من تنفيذ العقوبة المقررة عليه من المحكمة العسكرية، لكن بدلا من الإفراج عنه كما يقر القانون، تعرض للاختفاء القسري من 16 أغسطس إلى 5 سبتمبر 2021، حتى ظهر مجددًا في نيابة أمن الدولة، وتم تدويره في قضية ثالثة بالاتهامات نفسها التي أخلي سبيله على ذمتها في القضية الأولى، وهي نشر أخبار كاذبة، في القضية رقم 2000 لسنة 2021، وهو الوقت الذي كان محتجزا فيه ومن قبله بسنوات، ما يجعل ارتكابه أي جريمة نشر من داخل السجن أمرًا مستحيلا، وعلى الرغم من أن البحيري تجاوز الحد الأقصى للحبس الاحتياطي، فإنه لا يزال محبوسا حتى الآن، ففي 10 يونيو الماضي قررت محكمة جنايات القاهرة، الدائرة الثانية جنايات، تأجيل نظر قضيته إلى جلسة 15 سبتمبر المقبل للاطلاع، وقد أنكر البحيري أمام المحكمة الاتهامات الموجهة إليه، وهي "الانضمام إلى جماعة إرهابية مع علمه بأغراضها، والاشتراك في اتفاق جنائي الغرض منه ارتكاب جريمة إرهابية".
إضرابان سابقان ومحاولة انتحار
ولم يكن هذا الإضراب الأخير الأول من نوعه، فقد سبق للبحيري أن أضرب عن الطعام مرتين سابقتين، كما أقدم على محاولة الانتحار في سبتمبر 2023، بعد مرور 4 أيام على إضرابه الثاني، احتجاجًا على استمرار حبسه رغم انتهاء مدة الحكم الصادر ضده، وفي أوائل شهر يونيو من العام نفسه امتنع عن تناول أدوية الاكتئاب والقلب، بسبب سوء ظروف حبسه.
ويقول مختار منير، محامي البحيري، لـ"فكر تاني" إن فريق الدفاع "تقدم بعريضة (حصلت فكر تاني على صورة منها) للنائب العام بسبب منع دخول الكتب والملابس للشاعر جلال البحيري، بعد ما يزيد على 8 سنوات حبس، وطالبنا فيها بالتحقيق في المنع عن جلال، رغم أنه مسموح لسجناء آخرين".
ومن جانبه طالب والد البحيري، في حديثه لـ"فكر تاني"، بإجراء الكشف الطبي على ابنه، خاصة أن فمه عاد للتورم مرة أخرى، رغم خضوعه لعملية جراحية سابقة للتخلص من هذا الورم.
مطالبات حقوقية ودولية للإفراج عن البحيري
ولم يتوقف التضامن الحقوقي المحلي والدولي مع البحيري منذ حبسه وحتى اليوم، ففي 26 يوليو 2018 حث عدد من خبراء الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الجهات المعنية على الإفراج عن البحيري، مؤكدين أنه كان يمارس حقه في التعبير والإبداع، وأطلق برنامج "فنانون معرضون للخطر" عريضة إلكترونية موجهة لوزير العدل ووزير الداخلية والنائب العام والمدعي العام العسكري، يطالبون فيها بالإفراج عن البحيري، دون أن يتلقوا ردا، وفي 13 مارس 2023 تقدمت 7 مؤسسات حقوقية، من بينها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ببلاغ إلى النائب العام لإخلاء سبيل البحيري، مشددة على أن استمرار حبسه يمثل انتهاكا دستوريا للمواد رقم 65 و70 و71، وفي 30 مارس 2023 أعلنت 30 منظمة حقوقية في بيان مشترك تضامنها مع البحيري، وطالبت بالإفراج عنه فورا ودون قيد أو شرط، كما انضمت منظمة القلم الأمريكية إلى الدعوة للإفراج عن الشاعر فورا ودون قيد أو شرط، دون أن تلقى هذه المطالبات أي رد أيضا.
وبين هذا المنع وذاك الحبس، وبين إضرابات متكررة ومطالبات لم تلق ردا، يظل جلال البحيري رهين زنزانته، تمنع عنه الكتب والملابس، ويستمر إضرابه عن الطعام، فيما الورم يهاجم فمه من جديد، وتنتظره جلسته القادمة، ليرى هل تنصفه المحكمة أم لا.