فتحت كلمات الرئيس السيسي خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة الباب أمام نقاش سياسي واسع حول مستقبل الإصلاح السياسي في مصر، وأعادت إلى الواجهة ملفات ظلت لفترة طويلة تدور في دائرة التأجيل أو البحث غير المكتمل، وفي مقدمتها ملف الأحزاب السياسية والمجالس المحلية.
ولم يكن هذا النقاش وليد اللحظة فقط، بل جاء امتدادًا لمسار بدأ قبل سنوات مع الدعوة إلى الحوار الوطني في عام 2022، ثم ما تلاها من محاولات متفرقة لإعادة تنشيط المجال العام، وإن كان أثرها العملي أقل من سقف التوقعات التي عُلقت عليها.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الحوار الوطني لعب دورًا مهمًا في منع الحياة السياسية من الوصول إلى حالة شلل شبه كامل. فقد كانت المساحة العامة قبل ذلك تعاني من قدر ملحوظ من الجمود، وتراجعت فيها آليات التفاعل السياسي المنظم، وتصلبت فيها الشرايين التي يفترض أن تنقل نبض المجتمع إلى المؤسسات.
ومن هذا المنظور، يمكن القول إن الحوار الوطني لم يكن غاية في ذاته بقدر ما كان وسيلة لتفادي انهيار أكبر في مناخ العمل العام، أو ما أحب أن أصفه مجازًا بـ"الجلطة السياسية" التي توقف معها تدفق السياسة في شرايين العمل العام وتتعطل فيها آليات التعبير والمشاركة ويكون العزوف هو القرار الغالب للجميع.
غير أن الأهم اليوم هو أن مؤشرات جديدة بدأت تظهر، توحي بأن الدولة قد تتجه إلى مرحلة مختلفة من إعادة ترتيب المجال السياسي. فعودة الحديث عن المجالس المحلية، وطرح أسئلة مرتبطة بالأحزاب، وتزايد الاهتمام بالمسار الدستوري والانتخابي، كلها عناصر تشير إلى أن هناك محاولة لاختبار أرضية جديدة لبناء النظام السياسي من القاعدة الصغرى إلى القمة، لا العكس.
وهذه النقطة بالذات تكتسب أهمية خاصة، لأن أي إصلاح سياسي جاد لا يبدأ عادة من القمة، بل من البنية التحتية للحياة العامة: من الأحزاب، ومن المحليات، ومن آليات تمثيل المجتمع فعليًا، لا شكليًا.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس هل نحن أمام مبادرة جديدة، بل هل نحن أمام خارطة طريق فعلية لإصلاح سياسي قابل للحياة والتنفيذ؟
في تقديري، ما يجري اليوم أقرب إلى رسم ملامح خارطة جديدة تُبنى على أنقاض المرحلة السابقة، لكنها ما زالت في طور التشكل ولم تكتمل بعد.
والمهم هنا ليس كثرة التصريحات أو كثافة الإشارات، بل مدى الجدية في ترجمة هذه الإشارات إلى إجراءات قابلة للتنفيذ، وإلى قواعد سياسية مستقرة نفتقدها منذ زمن طويل تستطيع أن تنتج حياة حزبية حقيقية ومجالس محلية فاعلة.
إن صدور هذه الدعوات بصورة واضحة، وفي هذا التوقيت تحديدًا، ومن أعلى مستوى سياسي وفي مثل هذه المناسبة، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تصريح عابر أو رسالة بروتوكولية. فالتوقيت والمكان والسياق كلها عناصر تمنح الخطاب دلالة سياسية أوسع.
وعندما يتحدث الرئيس عن الأحزاب السياسية بهذا الوضوح، فإن ذلك يؤشر إلى إدراك متزايد بأن إعادة بناء المجال العام لا يمكن أن تتم عبر أدوات فردية أو عبر شبكات ولاء غير مستدامة، بل عبر مؤسسات سياسية منظمة تمتلك القدرة على تمثيل المواطنين، وتجميع مطالبهم، وتحويلها إلى برامج ومواقف وقواعد عمل وخلق حالة مستمرة من التفاوض السياسي.
والأحزاب السياسية، بحكم موقعها الدستوري، ليست عنصرًا ثانويًا في النظام السياسي المصري، بل أحد أعمدته الأساسية. فـالمادة الخامسة من الدستور تنص بوضوح على قيام النظام السياسي على أساس التعددية السياسية والحزبية، وهو ما يعني أن تقوية الأحزاب ليست ترفًا سياسيًا، بل شرطًا ضروريًا لأي بناء مؤسسي مستقر. ومن هذه الزاوية، فإن دعم الأحزاب لا يفيد الداخل فقط، بل يرسل أيضًا رسالة إلى الخارج بأن الدولة تتجه إلى توسيع المشاركة وتنظيمها، وإلى إضفاء قدر أكبر من الشرعية على العملية السياسية من خلال مؤسسات أكثر تمثيلًا وأقل فردية.
داخليًا، يمكن أن تسهم الأحزاب القوية في الحد من الاعتماد على الشخصيات المستقلة أو الكيانات الفردية التي قد تنشط في لحظات معينة لكنها تفتقر إلى الاستمرارية. كما أنها توفر قناة منظمة لتجميع المطالب الاجتماعية وتحويلها إلى مطالب سياسية قابلة للتداول والمنافسة.
أما خارجيًا، فإن وجود حياة حزبية أكثر تماسكًا يقوي صورة الدولة بوصفها دولة تسير في اتجاه توسيع المشاركة السياسية، حتى لو كانت هذه الخطوات لا تزال في بدايتها أو تتسم بالحذر والتردد خوفًا من تكرار ما حدث في 2011 وما تلاها.
ومن ثم، فإن فرصة الانتخابات المحلية المقبلة تبدو مهمة للغاية، ليس فقط باعتبارها استحقاقًا دستوريًا، بل باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على إعادة الاعتبار للأحزاب. فالمجالس المحلية هي الحلقة الأقرب إلى الناس، وهي المكان الذي يمكن أن تتدرب فيه الأحزاب على التنظيم والتمثيل والتواصل مع القاعدة الاجتماعية. وإذا أُحسن توظيف هذه الفرصة، فقد تكون الانتخابات المحلية بوابة فعلية لإعادة إدخال الأحزاب إلى قلب الحياة السياسية، لا إلى هامشها، وأن تكون فاعلة وليست شكلًا دون روح.
لكن هذا المسار لن يكون ناجحًا ما لم يُبنَ على إصلاح انتخابي جاد، وفي مقدمته التمسك بنظام القوائم النسبية أو ما يقرب من هذا المنطق التمثيلي، بما يضمن حضورًا حقيقيًا للأحزاب ونقاشًا موسعًا لبرامجها، ويمنع تحويل الانتخابات إلى مجرد سباق فردي منفصل عن العمل السياسي المؤسسي. فالنظام الانتخابي ليس تفصيلًا تقنيًا، بل هو أداة تأسيسية تحدد شكل السياسة نفسها، وتؤثر في منطق التمثيل، وطبيعة الأحزاب، ومسار العلاقة بين المجتمع والدولة.
هنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله، هل هذا كله مقدمة لتعديل دستوري؟
الواقع أن أي محاولة جادة لتفعيل المجالس المحلية على نحو يراعي التمثيل المنصوص عليه دستوريًا ستصطدم، على الأرجح، بإشكالات تتعلق بنسبة تمثيل المرأة، والشباب، والفئات الأخرى، وهي نسب قد يصعب تحقيقها عمليًا وفق الصياغات القائمة، ما قد يفتح الباب أمام ضرورة مراجعة بعض المواد الدستورية حتى لا تتعرض المجالس المنتخبة لاحقًا للطعن بعدم الدستورية. وهذه نقطة فنية لكنها شديدة الأهمية، لأن الإصلاح السياسي إذا لم يُحسم من البداية على أساس دستوري سليم، فسيبقى عرضة للتعطيل أو التراجع أو الطعن القانوني.
غير أن القلق الأكبر لا يتعلق بهذا الجانب الفني وحده، بل بما قد يرافق أي تعديل دستوري من مخاوف سياسية أوسع، خاصة إذا ما امتد النقاش إلى المواد المرتبطة بمدد الرئاسة. فهذه المسألة، بحساسيتها المعروفة، تمثل اختبارًا حقيقيًا لصدق المسار الإصلاحي كله. فإذا جرى التعديل في إطار يركز على توسيع المشاركة السياسية وتطوير بنية النظام الانتخابي والحزبي دون المساس بمدة الرئاسة، فإن ذلك قد يُقرأ بوصفه خطوة إيجابية نحو ترسيخ الانتقال السياسي الهادئ وإعادة بناء الثقة في المؤسسات. أما إذا انفتح الباب على تعديل جديد في المواد المتعلقة بالمدد الرئاسية، فإن ذلك سيعيد إنتاج القلق الذي يرافق عادة أي نقاش دستوري من هذا النوع، داخليًا وخارجيًا على السواء.
وفي حال تحقق مسار إصلاح دستوري لا يمس مدة الرئاسة، فقد يدخل الرئيس السيسي التاريخ بوصفه القائد الذي رعى تحولًا سلميًا في بنية السلطة، وفتح المجال أمام انتقال سياسي منضبط داخل إطار الدولة نفسها، من دون صدام أو انهيار أو فراغ. أما إذا اتجهت الدولة إلى مشروع دستوري أوسع، يشمل إعادة صياغة بعض المواد المتعلقة بمدة الرئاسة ضمن تصور شامل للإصلاح السياسي، فإن ذلك سيحتاج إلى قدر كبير من الشفافية والنقاش المجتمعي والوضوح السياسي حتى لا يتحول الإصلاح إلى مصدر جديد للقلق بدل أن يكون مدخلًا للاستقرار.
وفي كل الأحوال، إن أي مسار للإصلاح السياسي يمكن أن يتحقق بشكل أسهل إذا دعمته الدولة بأدواتها الهائلة، أو على الأقل لم تعرقله، أما إذا عرقلته فإن الإصلاح السياسي لن يتحقق وسنظل عرضة للخطر وعدم الاستقرار.
مصر اليوم تقف عند لحظة سياسية مهمة، يجب أن تتشبث بها المعارضة قبل المؤيدين، هي لحظة قد لا تكون نهائية، لكنها بلا شك لحظة قابلة لأن تؤسس لمسار مختلف.
فالإصلاح السياسي لا يُقاس بالشعارات، بل بقدرة الدولة على تحويل الإشارات إلى قواعد، والوعود إلى مؤسسات، والفرص إلى بنية دائمة للحياة العامة. وإذا ما أُحسن استثمار هذه اللحظة، فقد تكون بداية لمرحلة أكثر اتساعًا في المشاركة، وأكثر نضجًا في التمثيل، وأكثر استقرارًا في المستقبل السياسي للدولة.
وللحديث بقية.