كشفت ورقة بحثية جديدة أن فوائد الدين استحوذت على قرابة نصف مصروفات موازنة العام المالي 2026/2027، في مؤشر يكشف عن برلمان ناقش الأرقام لكنه لم يملك القدرة على تغييرها، فبقيت "الكلمة بلا تعديل، والفحص بلا مساءلة، والتوصية بلا التزام".
وترى الورقة البحثية الصادرة عن "فكّر تاني" أن الموازنة العامة للدولة تمثل أحد أهم الاختبارات السنوية للعلاقة بين السلطة التنفيذية والبرلمان، وهو ما يوضحه الباحث محمد سعد الذي أعد الورقة تحت عنوان "برلمان تحت سقف الدين، كيف مرّت موازنة 2026/2027 بلا معركة سياسية؟"، مشيرًا إلى أن إقرار موازنة العام المالي يكتسب أهمية خاصة لسببين مترابطين، يتعلق أولهما ببنية الموازنة نفسها، ويتصل ثانيهما بالمسار البرلماني الذي مرت به هذه الموازنة.
فوائد الديون تلتهم الموازنة
استند الباحث في ورقته إلى بيان تحليلي صادر عن وزارة المالية لموازنة 2026/2027، إلى جانب تقارير برلمانية رسمية، موضحًا أن البيان التحليلي لوزارة المالية يقدر الفوائد في مشروع موازنة 2026/2027 بنحو 2419.8 مليار جنيه، مقارنة بإجمالي مصروفات يبلغ نحو 5176.5 مليار جنيه، أي أن الفوائد وحدها تمثل نحو 46.7% من المصروفات العامة، وبذلك تقترب الفوائد من نصف المصروفات، وهو ما يجعل النقاش البرلماني حول أولويات الإنفاق محكومًا، بدرجة كبيرة، بالتزامات مالية سابقة على لحظة المناقشة نفسها.
من هنا تنبع إشكالية الورقة البحثية في التساؤل التالي، كيف ناقش البرلمان المصري موازنة مثقلة بقيود الدين والالتزامات المالية، ولماذا بقي أثر هذا النقاش محدودًا رغم أهمية القضية المطروحة؟
وتقول الورقة البحثية، إنه "لا يمكن القول إن النقاش حول موازنة العام المالي الجاري كان غائبًا في مجلس النواب، فقد شهدت الموازنة عرضًا حكوميًا، وفحصًا من لجنة الخطة والموازنة بالبرلمان، ومداخلات نيابية، وتوصيات، ثم تصويتًا نهائيًا، غير أن هذا الحضور ظل أقرب إلى انتظام إجرائي منه إلى ممارسة سياسية".
ويرى الباحث محمد سعد أن ورقته البحثية تنظر للإطار المالي شديد التقييد باعتباره نتيجة تراكمية لسياسات حكومية سابقة لم تخضع لرقابة تشريعية قوية، حيث هيمنت الالتزامات السابقة، وفي مقدمتها فوائد الدين وسداد القروض، على بنية الموازنة، بما حدّ من المساحة المتاحة لإعادة توزيع الموارد أو تعديل الاختيارات الجوهرية.
4 مسارات لبرلمان محدود التأثير
ويوضح سعد من خلال 4 مسارات أن إقرار الموازنة العامة حالة كاشفة لطبيعة العمل البرلماني في مصر، وهذه المسارات الأربعة هي التي تقود الباحث إلى استنتاج مفاده أن مناقشة موازنة العام المالي 2026/2027 تكشف عن مفارقة أساسية في عمل البرلمان المصري، إذ إن المشكلة لا تكمن في غياب الإجراءات أو انعدام النقاش، وإنما في محدودية قدرة هذا النقاش على التأثير في الاختيارات المالية الكبرى.