حين يتحول "المنشن" إلى تهمة.. السوشيال ميديا تكتب محاضر وزارة الداخلية

تنشر الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية المصرية يوميًا عشرات البيانات الأمنية التي توثق ضبط الجريمة بشتى صورها، من مكافحة اعتداءات وتجارة المخدرات، وصولًا إلى المخالفات المرورية، غير أن هذه الآلة الإحصائية الضخمة لم تعد وحدها من يكتب المشهد الأمني، إذ صار المواطن العادي أداة رصد أولى، ومحققًا افتراضيًا، وقاضيًا يصدر حكمه قبل أن تنطق النيابة العامة بكلمة واحدة، فبين ضغطة "منشن" وصورة متداولة، تتقرر مصائر أشخاص، ويُعاد تعريف الجريمة والعقاب بمنطق الترند لا بمنطق القانون.

تبدأ القصة بمقطع فيديو أو منشور متداول على السوشيال ميديا، يعقبه سيل جارف من الإشارات "المنشن" لحساب الوزارة الرسمي، لتتحول بذلك حالة التفاعل الافتراضي إلى قوة ضغط وتدخل رسمي سريع، ولا تكاد تمر ساعات حتى يكتمل المشهد ببيان مستهل بعبارة "في إطار كشف ملابسات مقطع فيديو تم تداوله.. تم اتخاذ الإجراءات القانونية، وتولت النيابة العامة التحقيق". وقد باتت هذه البيانات المقترنة بصور المتهمين تمثل لحظة انتصار شعبي يعيشها رواد السوشيال ميديا، حيث تتسابق فيها عبارات الثناء من عينة "الله ينور"، بل وتولدت عنها تعليقات ساخرة تتغنى بنجاح الأمن في ضبط المتهمين بنفس الملابس التي ظهروا بها في الفيديو، كدلالة على السرعة الفائقة والاستجابة الآنية.

ورصدت مؤسسة حرية الفكر والتعبير في ورقة بحثية، قاعدة بيانات مكونة من 400 بيان رسمي منشور على الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية خلال الفترة من إبريل 2025 إلى إبريل 2026، وأظهرت نتائجها أن 62.5% من الوقائع محل الدراسة بدأت برصد محتوى متداول على السوشيال ميديا، في مقابل 5% فقط بدأت على أساس بلاغات رسمية، فيما توزعت النسبة المتبقية بين التحريات الأمنية بنسبة 19.8%، وجاءت الحملات والتنفيذ الإداري بنسبة 12.8%، وهو ما يعكس أن الرصد المباشر للمحتوى المنشور في الفضاء الرقمي هو نقطة البداية الغالبة.

غير أن هذه النشوة الجماعية بالمشاركة في تطهير المجتمع من الجريمة، أخفت وراءها وجهًا آخر أكثر قتامة، إذ انحرفت أداة "المنشن" تدريجيًا من تحجيم الخروقات القانونية الصارخة، إلى ملاحقة كل من يجرؤ على ممارسة حياة لا تشبه السائد، أو يتبنى مظهرًا أو أسلوبًا كلاميًا يكسر النمط المعتاد، الأمر الذي حول ظاهرة المنشن إلى مادة سخرية، مثلما حدث مع لاعب كرة القدم محمد هاني، الذي شارك متابعون صورته مذيلة بمنشن إلى الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية، بعد تسجيله هدفًا عكسيًا في مرمى مصر بمونديال كأس العالم 2026. لكن بشكل جاد، تجلى هذا التحول بوضوح في واقعة صعود البلوجر زينة أشرف إلى صدارة الترند في وقت سابق، ليس لجريمة جنائية تذكر، وإنما لأنها أبرزت أنوثتها في إطلالة مغايرة لما اعتاده الجمهور منها، وهنا تحركت غريزة الوصاية الجماعية، ليتحول "المنشن" من أداة لطلب الحماية إلى ما يشبه مقصلة أخلاقية تستدعي الأمن للتدخل ضد الاختلاف الشكلي.

وقد انطبع الأمر نفسه على مفهوم المراقبة الرسمية، فبحسب الورقة البحثية المشار إليها، فإن الوقائع محل التدخل تركز على صناع المحتوى، و"ترتبط بتقييم على أساس طبيعته الأخلاقية أو أسلوب تقديمه أو اللغة المُستخدمة فيه، كما تكشف البيانات، على مدار عام، عن نمط متكرر من التدخل يستهدف المحتوى الترفيهي الذي يرتبط بالرقص، وطريقة الحديث، والمظهر، حيث تبدأ الإجراءات القانونية فور تداول المقطع أو انتشاره، ثم تباشر الجهات المختصة فحصه وتقييمه، ومن ثم تحديد هوية القائمين عليه وملاحقتهم قضائيًا". وفي المقابل، "تكشف البيانات أيضًا عن وقائع أخرى ترتبط بجرائم إلكترونية بعيدة عن منظومة صناعة المحتوى، كالابتزاز، والتشهير، والتحرش، لتتحول الأدلة والوسائط الرقمية إلى أداة إثبات أساسية تتيح الوصول إلى ملابسات الواقعة وتحديد هوية مرتكبيها".

بين السلوك الطبيعي والجريمة

وتشير الباحثة والحقوقية لمياء لطفي، في محاولة لتفكيك هذه الظاهرة وتحليل أبعادها الاجتماعية والقانونية،  إلى انطلاق عدوى المنشن من مساحات النزاعات التقليدية التي تنشأ بين كيانات أو فئات تثير لغطًا واسعًا في المجتمع، كالخلافات بين الأطباء والنقابات، أو الصراعات الجندرية بين النساء والرجال، وهذه التركيبة، وفق لمياء، تبدو مفهومة ومفسرة في سياق رغبة الأطراف في حسم المعركة، وتدفع بالتبعية الأجهزة الأمنية للتحرك السريع لضبط المشهد. "لكن الأمر استفحل وتجاوز الحدود المنطقية"، تتابع لطفي لترصد كيف تحولت هذه الأداة إلى سلاح يشهر ضد السلوكيات الإنسانية الطبيعية أو الاختلافات الفردية، وتقول لـ"فكر تاني"، إن "المنشن بقى لملاحقة بنت بترقص، أو رجل دين يتبنى طريقة مغايرة في التعبير، بل وحتى في المواقف الاجتماعية اليومية".

أما ما تراه إشكالية ممتدة، فيتعلق باعتماد الوزارة في كشف ملابسات هذه الوقائع على إظهار الصور الخاصة بطرفي النزاع معًا على الصفحة، أي مساواة المجني عليه بالجاني، وتستشهد هنا بواقعة مؤخرة لفتاة تعرضت للاعتداء على سلم مترو الأنفاق من قِبل شقيقها، لتنتهي الواقعة بالصلح بينهما، وتتساءل "ليه بيتم تصوير الجاني والمجني عليه بنفس الدرجة؟ إن كانت الوزارة شايفة أن الحق المجتمعي يقتضي عدم القبول بالصلح، فليكن ده واضح ليعلم المجتمع أن المعتدي على أنثى ينال عقابه وتُنشر صورته، أما إذا انتهى الأمر بالصلح، فما الداعي لنشر صور الطرفين؟"، معتبرة أن هذا التساوي يمثل انتهاكًا ضد حق المجني عليه، خاصة وأنه يلحق وصمًا مجتمعيًا مضاعفًا في بيئة تتربص بالنساء وتوصمهن.

وتتفق الورقة الصادرة عن مؤسسة حرية الفكر والتعبير، مع لمياء في أن رصد وزارة الداخلية للمحيط الرقمي يمتد إلى مراقبة أنماط السلوك والتعبير، خاصة حين "يرتبط المحتوى بفئات اجتماعية بعينها أو بأنماط حياة لا تنتمي إلى الأنماط الاجتماعية المقبولة رسميًا"، وبحسب الورقة "يتضح ذلك بشكل خاص في الوقائع التي تستند فيها البيانات الرسمية إلى توصيفات فضفاضة، مثل مخالفة القيم الأسرية أو خدش الحياء أو التعدي على قيم المجتمع، دون الإشارة دائمًا إلى ضرر مباشر أو إلى ضحايا محددين".

محامية في مرمى "المنشن"

وحين توجهنا بالحديث إلى فيروز الصافي، محامية بالاستئناف العالي، تجلت لنا أولى المفارقات، فالقانونية التي يُفترض بها الدفاع عن ضحايا هذه الممارسات، لم تسلم هي نفسها منها، وتبتسم الصافي قائلة "أنا شخصيًا أتعرض بشكل متكرر للمنشن وبلاغات كيدية موجهة لوزارة الداخلية أسفل منشوراتي، لمجرد أفكار أو آراء أطرحها".

وتتابع الصافي في حديثها لـ"فكر تاني" عن هذه الظاهرة التي تصفها بالغرابة الشديدة "في الفترة الأخيرة، بات أي محتوى يثير اختلافًا في وجهات النظر، أو لا ينال إعجاب البعض، يواجه بمنشن جماعي لصفحة وزارة الداخلية أو دعوات صريحة للإبلاغ، حتى استبدل قطاع من المستخدمين بأدوات التفاعل الرقمي الطبيعية مثل الرد أو التجاهل أو الحظر، سلاح البلاغ الأمني، وهو ما يعكس سوء فهم عميق وجسيم لطبيعة البلاغات والدور الدستوري والأمني للجهات الشرطية".

وترى أن صفحة وزارة الداخلية ليست منصة لتصفية الخلافات الشخصية، "فاستخدام آليات الإبلاغ بشكل كيدي، أو في غياب تام لأي شبهة جنائية، يمثل استنزافًا وإهدارًا متعمدًا لوقت وجهد الجهات المختصة، ويشغلها عن ملاحقة بلاغات ووقائع حقيقية تستدعي التدخل العاجل لحماية الأرواح والممتلكات، ويجب أن يدرك الجميع أن الاختلاف في الرأي ليس جريمة، وليس كل منشور أو فيديو يثير حفيظة البعض يستدعي الزج باسم وزارة الداخلية في التعليقات".

علامات تفسر الظاهرة

ويعد استشاري الطب النفسي مايكل النميس، ظاهرة المنشن شكلًا من الأنماط السلوكية التي أصبحت تتكرر بصورة لافتة، ويرجعها إلى تنامي الخوف من الآخر، ليس بالضرورة الآخر الذي يمثل تهديدًا حقيقيًا، وإنما أي شخص يختلف في أفكاره أو مظهره أو أسلوب حياته. وبحسب حديث الدكتور مايكل لـ"فكر تاني"، فإن هذا الخوف يتقاطع مع مستويات مرتفعة من الغضب والإحباط، الذي يحول السوشيال ميديا إلى مساحة لتفريغ الانفعالات، يصبح معها المختلف الهدف الأسهل لإسقاط مشاعر الغضب عليه، وهو ما يفسر في رأيه، حالة الاندفاع والحدة التي تصاحب الكثير من حملات "المنشن" والمطالبة بمعاقبة الآخرين.

ويربط الطبيب النفسي هذه الظاهرة أيضًا بالمنظومة التعليمية، التي "لم تنجح في تنمية التفكير النقدي، أو ترسيخ قيم الحوار، أو بناء الذائقة الثقافية والجمالية، وهي عناصر تساعد الفرد على فهم الاختلاف والتعامل معه باعتباره جزءًا طبيعيًا من المجتمع، وليس تهديدًا ينبغي التخلص منه" بحسب قوله. ويضيف "شعور الأفراد بالتهميش وانعدام التأثير في المجال العام قد يدفعهم إلى البحث عن أي وسيلة تمنحهم إحساسًا بممارسة سلطة على الآخرين، أو لمحاولة فرض تصورهم الخاص عن المجتمع المقبول من وجهة نظرهم".

"المنظومة الاجتماعية والقانونية ككل تحتاج إلى إعادة تفكير شاملة"، تقول الحقوقية لمياء لطفي، مضيفة أن "الآلية الحالية تسمح لأي شخص ليس له صفة أن يتطوع بالبلاغات، قد يكون مدير شركة يمتلك وحدة قانونية يوجهها لرفع قضايا كي ينصب نفسه حارسًا للفضيلة، ويتقدم ببلاغ ضد فتاة لم يعجبه مظهرها أو نمط حياتها". وتؤكد لـ"فكر تاني"، أن هذه الوصاية على حريات الأفراد ليست وليدة اليوم، وإنما هي امتداد لسنوات طويلة مضت، وتقول "هذا المناخ من التربص يعيد إلى الأذهان حقبة تكفير المفكر فرج فودة، والقضية الشهيرة للمفكر نصر حامد أبو زيد الذي حُكم فيها بتفريقه قسرًا عن زوجته بسبب آرائه"، معتبرة المنظومة الاجتماعية والقانونية الحالية تعيد إنتاج نفس الممارسات التاريخية بآليات تكنولوجية جديدة.

ويتفق مايكل النميس مع لمياء لطفي في حاجتنا إلى تعريفات قاطعة تميز بين ما الجريمة التي تستوجب العقاب، وبين ما يقع ضمن نطاق الحق الشخصي والحرية الفردية للأشخاص، بينما تحذر فيروز الصافي، من البعد الأكثر خطورة في المشهد، وهو تحويل المنشن إلى أداة للضغط والترهيب النفسي ضد صناع المحتوى وأصحاب الآراء، ما يساهم في خلق مناخ يفرض الصمت ويشجع على خنق الأفكار بدلاً من التشجيع على مناقشتها وتفنيدها بطريقة عقلانية، الأمر الذي أكدته "حرية الرأي والتعبير"، بالإشارة إلى امتداد أثر ممارسات التضييق ليس على الحالات التي تنتهي باتخاذ إجراءات قانونية فعلية فحسب، وإنما قد يمتد إلى ما يعرف بـ"الأثر التقييدي"، حيث يؤدي الخوف من المراقبة أو من احتمالات المساءلة القانونية إلى دفع الأفراد لتعديل سلوكهم الرقمي أو الامتناع عن بعض أشكال التعبير أو النقاش أو إنتاج المحتوى بصورة استباقية.

وإذا كان هذا الأثر التقييدي هو ما تخشاه الأصوات الثلاثة، فإن الورقة البحثية ذاتها، التي بُني عليها جزء كبير من هذا التشخيص، لم تكتف برصد الظاهرة، بل اختتمت بعدة توصيات، وهي قصر استخدام إجراءات المراقبة أو تتبع البيانات الرقمية على الحالات المرتبطة بتحقيقات جنائية قائمة أو بوجود دلائل جدية على وقوع جريمة، وعدم التوسع في تفسير نصوص قانون الإجراءات الجنائية باعتبارها سندًا للرصد العام أو المستمر للمحتوى المتداول على منصات التواصل الاجتماعي، ووضع إطار قانوني يجرم بشكل واضح وصريح أي ممارسات للمراقبة الجماعية، وحظر حصول الأجهزة الأمنية على بيانات مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي وتخزينها واستخدامها، وإلغاء المادة 25 من القانون رقم 175 لسنة 2028 لمكافحة جرائم تقنية المعلومات، التي تجرم بالحبس والغرامة كل من اعتدى على "المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري"، وأخيرًا إلغاء المادة رقم 178 من قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937 المتعلقة بخدش الحياء العام.

ولعل هذه التوصيات، في جوهرها، محاولة لاسترداد "السلاح" -بحسب توصيف لمياء لطفي- من يد كل من لا صفة له، وحصره من جديد في يد القانون وحده. فبين "منشن" يطلب الحماية من جريمة حقيقية، وآخر يلاحق فتاة لمجرد اختيارها إطلالة مختلفة، أو صانع محتوى لأسلوبه في الرقص أو الحديث، تتضاءل المسافة يومًا بعد آخر، حتى صار من الصعب التمييز بين الدور الأمني المنوط بحماية المجتمع، والوصاية الجماعية التي حولت أداة رقمية بسيطة إلى ما يشبه المقصلة الأخلاقية. ويبقى السؤال الذي طرحته لمياء لطفي ومايكل النميس وفيروز الصافي، كل من زاويته، معلقًا بلا إجابة حاسمة حتى الآن، وهو من يملك حق تعريف الجريمة، ومن يملك حق تعريف الاختلاف؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة