ليست هذه المرة الأولى التي يوجه فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي بتطوير الأداء الإعلامي، فقبل أشهر قليلة أثمرت دعوة مماثلة لجنة رسمية من 66 عضوًا، أنهت عملها بتقرير مفصل سلمته لرئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء منذ فبراير الماضي، وما زال حتى الآن حبيس الأدراج من دون أن يُعلن عن مصيره.
وفي مشهد يعيد طرح السؤال نفسه، أصدر الرئيس خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة بالعاصمة الإدارية تكليفات جديدة للحكومة بهدف تطوير الأداء في عدد من الملفات، حاز الملف الإعلامي منها على نصيب وافر، وسط تزايد الحاجة للتنسيق بين وزير الدولة للإعلام والهيئات الإعلامية التي تشرف على وسائل الإعلام وتمنحها التراخيص، الأمر الذي يطرح تساؤلًا مشروعًا عما إذا كانت هذه التوجيهات بداية مسار تنفيذي حقيقي، أم تكرارًا لدعوة سابقة انتهت إلى تقرير لم يبصر النور بعد.
وتكشف تفاصيل هذه التكليفات عن "طموح ضخم" قياسًا إلى الوضع الحالي، إذ وجه الرئيس خلال افتتاح "الأوكتاجون" بفتح المجال أمام الحوار الإعلامي الموضوعي الذي يشمل الرأي والرأي الآخر لإثراء النقاش وبناء الوعي في إطار من التفاهم، كما كلف وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان بالتنسيق مع الجهات والهيئات الإعلامية والصحفية لعقد اجتماع سنوي يوم 3 ديسمبر من كل عام، يُعقد برعاية الرئيس نفسه، لمراجعة أوضاع الإعلام المصري ومناقشة التحديات والفرص والخروج بتوصيات عملية لتطويره.
توجيهات فك الاشتباك
وبقدر ما حظيت هذه التوجيهات بالإشادة السريعة من الهيئات الإعلامية والنقابات المهنية، أثارت في المقابل تساؤلات عن توقيتها ومضمونها، في وقت لم يخف فيه مراقبون وسياسيون شكوكهم من جدية الدولة في الشروع بفتح المجال العام، سواء عن طبيعة التطوير الذي يريد أن يراه الرئيس في الإعلام، وهو الذي دأب على إظهار انتقاده لما يُطرح إعلاميًا وعدم القدرة على شرح أبعاد القرارات الاقتصادية والاجتماعية أو تعريف المواطنين بحجم التحديات الداخلية والخارجية، أو عن تسمية من يقود المشهد الإعلامي نفسه بعد عودة منصب وزير الدولة للإعلام في التعديل الوزاري الأخير.
ولم يمض يوم على حديث السيسي حتى اجتمع رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي مع وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان لمناقشة آليات تنفيذ تكليفات الرئيس، وأعلن رشوان أن الحكومة تعمل الآن على سرعة إصدار قانون حرية تداول المعلومات، مشيرًا إلى أنه يجري حاليًا تقييم أداء المكاتب الإعلامية بالوزارات المختلفة في ضوء السعي لتطوير أدائها، بما يخدم رؤية الدولة نحو تبصرة الرأي العام بمختلف القضايا.
ويُقرأ أيضًا من تكليف الرئيس لرشوان بالتحضير لمؤتمر سنوي أن الدولة تريد أن تفك الاشتباك بين وزير إعلامها والهيئات الحكومية الثلاث القائمة بحكم الدستور، إذ تشير رئيس لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب ثريا البدوي في حديثها لـ"فكر تاني" إلى أن الرئيس في تكليفه الأخير يريد أن يحصر ملف الإعلام في يد رجل واحد هو ضياء رشوان، ويمنحه الصلاحيات الكاملة في ملف التطوير وصياغة رؤية الدولة بالتنسيق مع الهيئات الأخرى.
وتعزو ثريا اهتمام الرئيس بوضع وزارة الدولة للإعلام إلى رغبته في رؤية تطوير حقيقي في المنظومة وعدم تداخل الاختصاصات بين الوزير والهيئات الحكومية، مشيرة إلى أن الرئيس أظهر في مرات كثيرة ضيقه من المسؤولين لعدم شرحهم حيثيات القرارات الاقتصادية التي تتخذها الدولة وحجم التحديات التي تواجهها، وهو ما يريد تغييره خلال الفترة المقبلة.
توصيات في الأدراج
سبق للرئيس أن دعا في اجتماعه مع رؤساء الهيئات الإعلامية والصحفية في أغسطس الماضي إلى تنفيذ الأمر ذاته، وهي دعوة استقبلها رئيس الوزراء بتشكيل "لجنة تطوير الإعلام المصري"، التي ضمت 66 عضوًا من أساتذة الإعلام والمدربين والنقابيين ورؤساء التحرير، قبل أن تنهي عملها بعد شهرين من الاجتماعات بإنجاز تقرير تضمن الكثير من التوصيات في هذا الصدد، سُلم إلى رئاستي الجمهورية والوزراء في مطلع فبراير الماضي، وللمفارقة هو الشهر نفسه الذي شهد الإعلان عن تكليف ضياء رشوان بمنصب وزير الدولة للإعلام بعد 3 سنوات من إلغاء الوزارة، الأمر الذي طرح الكثير من التساؤلات عمّا تريده الدولة، خصوصًا أن الرئيس بات يمتلك تقريرًا يشرح الوضع الإعلامي وآليات إنقاذ الصحف والقنوات التلفزيونية، أعده أكاديميون ورؤساء تحرير ومتخصصون في الإعلام الرقمي.
وسجل التقرير، الذي لم يُنشر نصه الكامل بعد وما زالت توصياته في الأدراج، وجود سياسات للسيطرة والاحتكار وهيمنة الصوت الواحد، بوصفها من العوامل المؤثرة في أزمة عدم الثقة العامة في الإعلام، كما عرج التقرير إلى تقييد الحريات الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز الاختلالات المرتبطة مباشرة ببيئة العمل الإعلامي، بما فيها استخدام العقوبات السالبة للحرية، إلى جانب غياب قانون ملزم لحرية تداول المعلومات، ومحدودية الاستقلالية المؤسسية للمؤسسات الإعلامية.
وتسبب هذا التقييد، بحسب تقرير اللجنة المشكلة من رئيس الوزراء، في فشل وسائل الإعلام في نقل سردية الإنجاز التنموي للدولة إلى الجمهور، وما نتج عنه من صعود منصات إعلامية وصفها بالمعادية أو المضللة أو الممولة من قوى خارجية تتبنى سرديات التطرف الديني، واقترح تقرير اللجنة في هذا الصدد تخفيف القيود على العمل الصحفي من خلال إعفاء بعض الصحف والمواقع من رسوم الترخيص، وتقنين الأوضاع، ورفع الحجب عن المواقع الملتزمة، مع إحالة قرارات الحجب إلى القضاء، فضلًا عن مواجهة الممارسات الاحتكارية عبر إنشاء آليات لحماية المنافسة ومنع الاحتكار الإعلامي، كما أوصت اللجنة بسرعة إصدار قانون حرية تداول المعلومات، وإلغاء الحبس في قضايا النشر.
توصيات متكررة تواجه "القوى المعطلة"
وما انتهت إليه اللجنة لا يختلف كثيرًا عمّا يطالب به نقيب الصحفيين خالد البلشي، عضو لجنة تطوير الإعلام المصري، الذي دعا رئاسة الجمهورية، في بيان أعقب خطاب الرئيس، إلى تبني إصدار قانون حرية تداول المعلومات يتضمن حرية الوصول وحق الإتاحة وتجريم المخالفة وتنظيم التوثيق الدوري والإلزامي، كما دعا إلى تحرير الصحافة والإعلام من القيود المكبلة لعملهما، ودعم الإعلام القومي ليقوم بدوره على أكمل وجه، كأداة لضبط السوق ونشر المعرفة وساحة للحوار المتنوع.
وجدد البلشي الدعوة كذلك إلى إصدار قانون إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر والعلانية، إنفاذًا للمادة 71 من الدستور المصري، واعتماد مشروع القانون الذي رفعته نقابة الصحفيين ضمن مخرجات المؤتمر العام السادس وأقرته لجنة تطوير الإعلام، على أن يُطبق على كل قضايا النشر للصحفيين ولأي قائم بالنشر، مطالبًا بالإفراج عن جميع الصحفيين المحبوسين وتبييض السجون من المحبوسين على ذمة قضايا رأي.
ويقول الكاتب الصحفي عصام كامل، عضو اللجنة التشريعية المنبثقة عن لجنة تطوير الإعلام المصري، إن أعضاء اللجنة تأكد لهم تسلم ديوان رئاسة الجمهورية التقرير الخاص بوضع الإعلام المصري، وأنه حظي بإشادة من المسؤولين، مؤكدًا أن إصلاح مسار الإعلام يستلزم إرادة سياسية من صانع القرار.
وأوضح كامل في حديثه لـ"فكر تاني" أن لجنة تطوير الإعلام ركزت على تشخيص المرض وتقديم روشتة لعلاجه، تبدأ من إصدار قانون حرية تداول المعلومات المقدم من نقابة الصحفيين لتسهيل عمل الصحفيين وإطلاع المواطنين على الحقائق، وتعديل المواد السالبة للحريات في قانون العقوبات، إلى جانب إصدار مدونات سلوك تلتزم بها الهيئات والكيانات الإعلامية، فضلًا عن مشروعات تفصيلية لتطوير المؤسسات والانتقال إلى التحول الرقمي داخل ماسبيرو والمؤسسات القومية.
وتابع كامل "التقرير انتقد احتكار شركات إعلامية السوق والاستحواذ على كعكة الإعلانات، ما يهدد باستمرار صحف ومواقع وقنوات، وهو ما حاول علاجه بإعادة تنظيم السوق ومواجهة الممارسات الاحتكارية".
وهنا تحديدًا يكمن جوهر الإجابة عن سؤال "المقدمة"، إذ يعتقد عصام كامل أن رئيس الجمهورية لديه قناعة بأن هناك مشكلة تقوض قدرة الإعلام على سرد ما تقوم به الدولة من تنمية وخلق قنوات تواصل مع المواطنين، غير أنه أشار إلى وجود ما أسماه "قوى معطلة" لا يعلمها، تتسبب في عدم اتخاذ خطوات عملية حتى الآن، أي أن التقرير لم يبق حبيس الأدراج بقرار من الرئيس نفسه، بقدر ما تعطل بفعل جهات أخرى لم تحدد هويتها بعد.
تنشيط الأحزاب استعدادًا للمحليات
وفي الملف السياسي، الذي طالته التكليفات الرئاسية بالقدر ذاته، وجه رئيس الجمهورية بتنشيط الحياة الحزبية والانتهاء من الاستعدادات اللازمة لإجراء انتخابات المجالس المحلية المتوقفة منذ 18 عامًا، وهي رسالة حاول البعض استغلالها لحث الدولة على اتخاذ قرارات تعيد الحياة إلى العمل السياسي، فيما شكك آخرون في جديتها واعتبروها تمهيدًا لتعديلات دستورية تسمح للرئيس بالترشح لدورة رابعة بعد انتهاء مدته الرئاسية في 2030.
وكان عمرو موسى، الأمين الأسبق لجامعة الدول العربية، أبرز الداعمين لتوجيه الرئيس بتنشيط الحياة الحزبية، مؤكدًا أن مصر تحتاج اليوم إلى إيقاظ نظامها السياسي، وإعادة الحيوية إلى أحزابها السياسية وتركها لتصبح ذات حضور وتأثير وقدرة على التعبير عن المواطنين وطرح البدائل وتقديم الكوادر.
واعتبر موسى أن تنظيم انتخابات المجالس المحلية بعد توقف طويل يمثل نقطة البداية الطبيعية لهذا المسار، باعتبارها ركنًا في بناء حياة سياسية حقيقية والمدرسة الأولى لإعداد القيادات، والوسيلة الأقرب لربط المواطن بصناعة القرار على المستوى المحلي صعودًا إلى المستويات الأعلى.
فيما ثمن حزب العدل توجيهات الرئيس، وأكد أن الإصلاح السياسي الضروري يجب أن يشمل الإنهاء الكامل لملف المحبوسين على ذمة قضايا رأي، وكذلك دعم تغيير قانون مباشرة الحقوق السياسية، وقانون الانتخابات، وقانون تقسيم الدوائر الانتخابية، بما يضمن نزاهة العملية الانتخابية وعدالة التمثيل. وأشار الحزب إلى أن مسار الإصلاح لا يكتمل دون إصلاح إعلامي مواز يقوم على ترسيخ حرية الرأي والتعبير، وضمان حرية تداول المعلومات، بما يمكّن المواطن من الوصول إلى الحقيقة ويحد من الشائعات، في تقاطع واضح بين مطالب الملفين الإعلامي والسياسي معًا.
محاولة استنساخ الحوار الوطني
وعلى عكس هذا الترحيب، لم تتعامل أحزاب الحركة المدنية الديمقراطية مع دعوات تنشيط الحياة الحزبية بالجدية ذاتها، واعتبرتها محاولة لاستنساخ ما حدث في الحوار الوطني الذي انتهى بتوصيات لم تلتزم بها السلطة، في تكرار لنمط الشك ذاته الذي رافق ملف الإعلام.
ويقول سيد الطوخي، رئيس حزب الكرامة، إن الدعوة إلى تنشيط الحياة الحزبية في هذا التوقيت لا تكتسب مصداقية عند أحزاب المعارضة، في ظل تجارب سابقة تبين منها عدم رغبة السلطة في تحريك المياه الراكدة وإقصاء الأصوات المعارضة خارج المشهد السياسي.
وأضاف الطوخي لـ"فكر تاني" أن أي حديث عن إصلاح سياسي دون غلق ملف المحبوسين على ذمة قضايا رأي، وتعديل قوانين الانتخابات، والسماح للأحزاب المعارضة بالعمل في مناخ سياسي، يذهب إلى أدراج الرياح، مشيرًا إلى أن الدولة مطالبة بإثبات حسن نواياها حتى تنخرط المعارضة مجددًا في أي نقاش سياسي.
والموقف ذاته اتخذه حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، الذي أشار رئيسه طلعت فهمي إلى تجربة الحوار الوطني التي "استهلكت جهد ووقت القوى المدنية ولم يتم الاستجابة لمخرجاتها على المستوى السياسي والاقتصادي"، معتبرًا الدعوة الجديدة لتنشيط الحياة الحزبية فرصة جديدة لاستهلاك الوقت وإطالة عمر النظام.
وأشار فهمي في حديثه لـ"فكر تاني" إلى أن الحديث عن انتخابات المحليات يأتي في وقت تستعد فيه أحزاب الموالاة للسيطرة على الأغلبية مجددًا على غرار مجلسي النواب والشيوخ، مؤكدًا أن أي انتخابات تتم في ظل قوانين لا تسمح بإتاحة التمثيل الحر، وتتم في بيئة أمنية بامتياز، هي والعدم سواء.
وهناك من ذهب إلى أبعد من ذلك في تفسير دوافع هذه الدعوة، إذ يرى القيادي في حزب المحافظين مجدي حمدان أن الحديث عن تنشيط الحياة الحزبية يتزامن مع دعوات من أصوات داخل معسكر الموالاة لتعديل الدستور بزيادة مدة الرئيس، مشيرًا إلى عدم وجود أي مؤشرات حقيقية على نية الدولة في فتح المجال العام طالما بقي المشهد كما هو، بانفراد أحزاب الموالاة وإقصاء الأصوات المعارضة، بحسب تعبيره.
وفي السياق ذاته، أطلق عدد من السياسيين، ومنهم الناشط السياسي زياد العليمي، هاشتاج "لا تعديل الدستور" استباقًا لأي تحركات رسمية معلنة لإجراء تعديلات دستورية تمنح الرئيس الحق في مدد جديدة بعد انتهاء ولايته الحالية في 2030، وهي الدعوة التي تجاوب معها بعض السياسيين وكرروا كتابة الهاشتاج ذاته، محذرين من خطورة أي خطوات في مسار تعديل بهذا الشكل.
وما بين توجيهات تطوير الإعلام وتنشيط الأحزاب، يبقى السؤال الذي فتحته هذه التكليفات معلقًا بلا إجابة حاسمة، فالتقرير الذي أنجزته لجنة الـ66 عضوًا لم يُفصح بعد عن مصيره منذ فبراير الماضي، والقوى التي وصفها عصام كامل بـ"المعطلة" لا تزال مجهولة الهوية، وأحزاب المعارضة لا تخفي شكوكها في أن دعوة تنشيط الحياة الحزبية قد تسير على الدرب ذاته الذي سارت عليه توصيات الحوار الوطني من قبل. ولذلك يترقب السياسيون التحركات في الفترة المقبلة، التي قد تثبت جدية الخطاب بإجراءات تنفيذية حقيقية، أو تثبت شكوك المعارضة ومخاوفها، لتحدد بذلك ما إذا كانت هذه التكليفات بداية مسار مختلف عن سابقاتها، أم تكرارًا آخر ينتظر دوره في الأدراج.