في عام 2023 احترق جزء من المبنى القديم لوزارة الأوقاف بوسط المدينة، وهو مبنى يعود إلى العصر المملوكي ومسجل كأثر، ولم يُعرف حجم خسائره حتى الآن، وعلى بعد كيلومترات منه، تدفع الدولة كل عام مليارات الجنيهات لصيانة مبانٍ جديدة في العاصمة الإدارية لم يمر على تاريخ إنشائها أكثر من بضع سنوات، وبين المبنيين تكمن مفارقة فادحة، فثمة أصول قديمة قيمتها بمئات المليارات لا تزال بلا استثمار أو "اعتناء" حقيقي رغم استمرار الإنفاق عليها، بينما تتضخم فاتورة الانتقال إلى العاصمة الجديدة عامًا بعد آخر من دون أن يلوح في الأفق قرار حاسم لاستثمار ما تم التخلي عنه.
فمع بدء العام المالي الجديد، يوم الأربعاء الماضي، رصدت وزارة المالية 3.8 مليار جنيه نفقات صيانة لمباني الحي الحكومي بالعاصمة الإدارية الجديدة، في مقابل 3.2 مليار جنيه بالعام المالي المنتهي، و2.2 مليار جنيه في 2024/2025، و100 مليون جنيه فقط في 2023/2024، وهي أرقام تُحمّل في الموازنة العامة للدولة على باب شراء السلع والخدمات، المصنف بدوره ضمن "المصروفات العامة" التي تصل مخصصاتها إلى 288.7 مليار جنيه هذا العام، مقابل 217.5 مليار جنيه في 2025/2026، بزيادة تناهز 32.7%.
ولم تتوقف وتيرة الصعود عند هذا الحد، فمعدل التغير في نفقات الصيانة بالعاصمة الإدارية يواصل الارتفاع في الموازنات الأخيرة، إذ زاد هذا العام بنسبة 18.7%، وفي العام السابق بنسبة 45.5%، بينما شهد عام 2024/2025 أكبر قفزة على الإطلاق حين ارتفعت النسبة إلى 2100%، وهو رقم اعتبرته لجنة الخطة والموازنة بالبرلمان حينها أمرًا إيجابيًا، على اعتبار أن الصيانة المدخل الأساسي للحفاظ على أصول الحكومة ورفع كفاءة تشغيلها.
لكن المفارقة لا تتوقف عند حدود العاصمة الجديدة وحدها، فالدولة لا تزال تنفق على مباني الوزارات القديمة ضمن بند الصيانة أيضًا رغم أن أصحابها انتقلوا بالفعل، ففي منشور إعداد الموازنة الحالية، طالبت وزارة المالية الجهات الإدارية بالالتزام بتعليمات مجلس الوزراء فيما يخص استمرار عقود الصيانة والأمن للمباني والمقرات الحكومية التي أُخليت في إطار الانتقال، بما يعني أن الخزانة العامة تتحمل صيانة مبانٍ مزدوجة، القديمة والجديدة معًا، لحين إتمام إجراءات الاستفادة من الأولى.
ولم تبدأ الدولة حتى الآن في استثمار تلك المباني القديمة، باستثناء وحيد يتمثل في مجمع وزارة الداخلية القديم في لاظوغلي، الذي يضم 7 مباني، وتحول إلى مشروع استثماري وسياحي ضخم يشمل فندق "ماريوت"، ووحدات تجارية، ومكاتب، ومساحات ثقافية، ومن المقرر الانتهاء منه في النصف الأول من عام 2027، وفي الوقت ذاته، طالب منشور إعداد الموازنة الجهات المنتقلة إلى العاصمة الجديدة بثلاثة أمور عند وضع تقديرات مشروع موازنتها والإطار الموازني متوسط المدى للسنوات الثلاث التالية، أولها مراعاة تكاليف الانتقال، وثانيها موافاة وزارة المالية ببيان مستقل بهذه التكاليف، وثالثها حسن استغلال التجهيزات الموجودة في المباني القديمة، كالأجهزة التي لم تعد هناك حاجة لاستخدامها في العاصمة الجديدة، وذلك عبر إتاحتها للجهات التي لم تنتقل بعد، بدلًا من أن تلجأ هذه الجهات إلى شراء تجهيزات مماثلة لها.
أصول قديمة مهملة
وبينما تنتظر تلك المباني قرارًا يحدد مصيرها، تبقى تجهيزاتها عُرضة للمخاطر، بسبب قلة أعداد الأمن المسؤول عنها وغياب إجراءات السلامة، وهو ما تجسد بوضوح في حريق وزارة الأوقاف القديم عام 2023، الذي دفع لتشكيل لجنة هندسية لفحص المبنى ومعرفة مدى تأثره، خاصة أنه مبني على الطابع المملوكي ومُسجل كأثر، غير أن حجم الخسائر لم يُعلن حتى الآن.
وحسب مسؤول بوزارة المالية، فإن هذه المباني القديمة تمثل أصولًا فريدة من نوعها تقدر قيمتها بمئات المليارات، ولا يجب أن تُهمل لحين الاستفادة منها، خاصة أن غالبيتها مسجلة كأثار أو ذات طابع خاص، مثل وزارة التربية والتعليم (قصر الأميرة فائقة سابقًا)، ورغم ذلك، لم تضع الحكومة تقديرًا رسميًا بقيمة الأصول القديمة التي تركتها بعد الانتقال، كمباني الوزارات ومجلس النواب بشارع قصر العيني، فيما تقدر جهات مستقلة حجم تلك الأصول بما لا يقل عن 700 مليار جنيه.
وتعاني تلك المباني من تضارب واضح في التوجه الحكومي بشأن استغلالها، فبعد أن كانت الفكرة الأولى تقضي بمنح إدارتها لشركة العاصمة الإدارية للتسويق والتطوير نظير إنشاء مقرات الوزارات الجديدة، بدلًا من حصول الشركة على حق انتفاع، تغيرت الرؤية لاحقًا لتُمنح للصندوق السيادي، الذي يتولى الآن إعداد مخططات التصرف فيها.
ارتفاع بدل الانتقال وتكاليف الطاقة
وإلى جانب فاتورة الصيانة، ترتفع أيضًا فاتورة الانتقال نفسها، إذ زادت مخصصات بدل الانتقال للموظفين المنتقلين للعاصمة بنسبة 3.9% تقريبًا هذا العام، لتبلغ 678.1 مليون جنيه، مقابل 652.8 مليون جنيه في 2025/2026، و641.2 مليون جنيه في العام الذي يليه، و660.5 مليون جنيه في 2023/2024، و55.7 مليون جنيه فقط في 2022/2023، وقبل بداية العام المالي، طالبت وزارة المالية الوزارات ببيان تفصيلي بأعداد العاملين المستحقين لبدل السكن وبدل الانتقال، مع تحديد الأعداد وفقًا للدرجات الوظيفية، من الدرجة الأولى فما دونها، وحتى مدير عام فما فوق.
وتمنح الحكومة موظفيها المنتقلين بدل انتقال شهريًا بقيمة 2000 جنيه للدرجة الأولى فما دونها، و2500 جنيه للدرجة الممتازة والعالية ومدير عام، بينما يحصل شاغلو الدرجات الأعلى، كرئيس القطاع ومساعد الوزير ورئيس الإدارة المركزية، على البدل فقط في حال عدم تخصيص سيارة لهم وعدم حصولهم على بدل سكن، أما إذا خُصصت لهم سيارة أو حصلوا على بدل سكن، فلا يحصلون على بدل الانتقال إطلاقًا.
وفي مفارقة أخرى تكشفها بيانات الجهاز المركزي للإحصاء، تراجع إجمالي السيارات المملوكة للحكومة والمحافظات والقطاع العام إلى 84.2 ألف سيارة في 2025، مقابل 139.6 ألف سيارة في 2010، بتراجع يناهز 40%، لكن على النقيض، قفز استهلاكها من الوقود من 79.6 مليون جنيه في 2010 إلى 939 مليون جنيه في 2025، بمعدل يتجاوز 1079%، ويرجع مسؤول بوزارة المالية، تحدث إلى "فكر تاني" هذا الارتفاع، وكذلك ارتفاع استهلاك الكهرباء في جهات الموازنة، بشكل أساسي إلى ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء وليس إلى الاستهلاك ذاته، نافيًا ارتباطه بالعاصمة الإدارية الجديدة، بل يرى أن ما كانت تستهلكه المباني القديمة كان أعلى، في ظل عدم اعتمادها على أنظمة إنارة ذكية ومتطورة وموفرة كتلك المعتمدة في العاصمة.
ويشهد العام الحالي ارتفاعًا مفرطًا في استهلاك الكهرباء بجهات الموازنة، إذ يبلغ 7.1 مليار جنيه، مقابل 4.3 مليار جنيه للعام السابق، و5.6 مليار جنيه في 2024/2025، و3.3 مليار جنيه في 2023/2024، فيما ارتفعت المواد البترولية التي تستهلكها أجهزة الموازنة إلى 6.7 مليار جنيه هذا العام، مقابل 4.7 مليار جنيه في العام السابق، و3.6 مليار جنيه في 2024/2025، ويضيف المسؤول، الذي تحدث إلى "فكر تاني" شريطة عدم الكشف عن هويته، أن الحكومة تعمل على معالجة هذا الملف عبر خطة تدريجية للاعتماد على السيارات الكهربائية داخل الجهاز الإداري بدلًا من المركبات التقليدية، بهدف تعزيز كفاءة الموارد وترشيد استهلاك الطاقة وخفض الإنفاق الحكومي وتقليل الانبعاثات.
ورغم كل هذه الزيادات، يرى موظفو العاصمة أن بدل الانتقال أصبح غير كافٍ أصلًا، بعد رفع أسعار المحروقات أخيرًا، فضلًا عن تسعيرة المونوريل التي تفوق كثيرًا قدرتهم اليومية على التحرك، خاصة القادمين من مناطق وسط البلد.
بدل السكن
ولا يقتصر الأمر على بدل الانتقال، فبدل السكن أيضًا يواصل الصعود، بارتفاع نسبته 11.2% هذا العام ليبلغ 554.8 مليون جنيه، مقابل 498.7 مليون جنيه في 2025/2026، و457.7 مليون جنيه في العام الذي يليه، و132.9 مليون جنيه في 2023/2024.
وتمنح وزارة المالية دعمًا لبدل السكن للمستفيدين من شقق مشروع زهرة العاصمة بمدينة بدر، يختلف بحسب الدرجة، فالدرجة الأولى فما دونها تحصل على 4000 جنيه شهريًا، ودرجة مدير عام فأعلى تحصل على 5000 جنيه شهريًا، تُخصم هذه القيمة كدعم من قيمة القسط الشهري للوحدة طوال مدة الخدمة، بحد أقصى 7 سنوات.
ورغم هذا الدعم، اعترفت الوزارة بوجود فجوة تقدر بـ10 آلاف موظف يحتاجون لوحدات إضافية في مشروع زهرة العاصمة، الذي يتراوح سعر الوحدة فيه في المراحل الأولى بين 500 و800 ألف جنيه، وإن كانت الدولة توفر تقسيطًا لفترات طويلة لتخفيف العبء المالي عن الموظفين.
لكن فاطمة فؤاد، رئيسة اللجنة النقابية للعاملين بالضرائب المصرية، ترى أن الانتقال للعاصمة الإدارية فرض أعباءً مالية جديدة على الموظفين، فرغم إعلان وزارة المالية توفير سكن بديل بالقرب من العاصمة مع تسهيلات لموظفي الوزارة، وجد العاملون أن أسعار الشقق، حتى بعد الدعم، مرتفعة للغاية.
وتوضح فاطمة، أن سعر المتر في الشقق المخصصة لموظفي الضرائب بمدينتي بدر وحدائق العاصمة منطقة "R3" قفز من 11.5 ألف جنيه في المرحلة الأولى إلى 17.5 ألف جنيه في المرحلة الثانية فقط.
ويأتي هذا رغم استبعاد الحكومة حالات الانتداب المؤقت أو الوظائف غير المستقرة من دعم السكن، بدعوى ضمان وصوله لمستحقيه المقيمين فعليًا، كما تتضمن عقود استلام الوحدات شروطًا وقيودًا تمنع التصرف فيها، سواء بالبيع أو الإيجار أو تغيير النشاط، بحيث يصبح السكن فيها التزامًا لا خيارًا، وتضيف فؤاد أن نسبة من استلموا شققًا بالفعل لم تتجاوز 10% من إجمالي العاملين، بينما تصاعدت في المقابل تكلفة المواصلات، إذ يصل اشتراك الباص إلى 2600 جنيه، فضلًا عن تسعيرة الباصات الداخلية بالعاصمة التي تقدر بعشرة جنيهات للذهاب وعشرة أخرى للعودة.
مقابل حق الانتفاع
وفي فصل آخر من فصول الفاتورة المتصاعدة، تتضمن الموازنة العامة للعام 2026/2027 مخصصات مقابل حق الانتفاع لمباني الحي الحكومي بقيمة 7 مليارات جنيه، مقابل صفر مخصصات في 2025/2026، و4.16 مليار جنيه في 2024/2025، و5.8 مليار جنيه في 2023/2024، و2.2 مليار جنيه في 2022/2024، ومنذ تدشين المشروع، اتفقت شركة العاصمة الإدارية مع الدولة، ممثلة في وزارة المالية، على تأجير الحي الحكومي بعقد يمتد 49 عامًا قابل للتجديد بالمدة نفسها، بحسب تصريحات إعلامية أدلى بها رئيس شركة العاصمة الإدارية خالد عباس في مايو 2023.
وأضاف عباس حينها أن الشركة استثمرت في المباني وأجرتها للحكومة بعائد سنوي، دون أن يُحدد قيمة الإيجار في حينه، لكن الحكومة كشفت لاحقًا أنه بلغ 4 مليارات جنيه سنويًا كحق انتفاع لمقرات الوزارات، قبل أن يقفز هذا المبلغ في 2026/2027 إلى 7 مليارات، وحين حاولت "فكر تاني" الوصول إلى تفسير لسبب غياب أي مخصصات في العام المالي المنتهي 2025/2026 مقابل ظهور 7 مليارات هذا العام، رفض مسؤول بوزارة المالية الخوض في التفاصيل، مبديًا استغرابه من إثارة ملف العاصمة الإدارية بشكل متكرر، على اعتبار أن الشركة مملوكة بالكامل للدولة، وأن أرباحها وعوائدها تعود في النهاية إلى الخزانة العامة.
ورغم وضوح مخصصات العاصمة في الموازنة، يرى البعض أن هناك مخصصات أخرى مستترة، ضمن موازنة هيئة المجتمعات العمرانية التي تمتلك 49% من أسهم الشركة، وهي هيئة اقتصادية عامة تُضم موازنتها إلى الموازنة العامة عبر قانون ربط الموازنة، وتبلغ استخدامات الهيئة هذا العام نحو 34.8 مليار جنيه، فيما يبلغ الفائض المتوقع منها والعائد للموازنة 5.1 مليار جنيه في 2026/2027، مقابل 3.5 مليار جنيه في 2025/2026، و8.5 مليار جنيه في 2024/2025، و8.8 مليار جنيه في 2023/2024.
وفي مؤشر آخر على حجم الأرباح المتداولة في هذا الملف، حققت شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية عام 2024 أرباحًا قبل الضرائب بقيمة 35 مليار جنيه، بزيادة 9 مليارات جنيه عن العام السابق، أي بنسبة 35%، فيما بلغ إجمالي إيرادات النشاط 48 مليار جنيه، ويتردد أن العاصمة أنفقت 17 مليار جنيه من موازنة هيئة المجتمعات العمرانية خلال عامي 2015/2016 و2016/2017 لاستكمال ترفيقها وتنفيذ حي سكني بها، غير أن الدولة والشركة نفتا هذه المعلومات أكثر من مرة.
ويختتم مسؤول وزارة المالية بالإشارة إلى أن إجمالي الاستثمارات في المرحلة الأولى لمشروع العاصمة الإدارية بلغ نحو 700 إلى 800 مليار جنيه، لم تتحمل الدولة منها شيئًا، وأن ما تدفعه من نفقات هو فقط لصيانة أصولها وبدلات انتقال العاملين بها، في مشروع يصفه بأنه الأهم في تاريخ مصر خلال 10 سنوات.
ورغم هذا التبرير، تبقى العلاقة بين الموازنة العامة والعاصمة الإدارية مثار تساؤل دائم، فالخزانة العامة تتحمل نفقات المباني الجديدة صيانة وبدلات، بينما يتأخر استثمار المباني القديمة دون تفسير واضح، في تناقض صريح مع حديث الحكومة المتكرر عن ضرورة الترشيد والتقشف، لتصل حصيلة ما تدفعه الموازنة على العاصمة الإدارية وحدها إلى أكثر من 12 مليار جنيه، كمصاريف مباشرة لإيجار المباني وبدل انتقال وسكن للموظفين ومصروفات الصيانة.