كمواطن مصري، أعتز بمصريتي، ولا أشعر بانتماء كامل إلا إلى وطني. لم أعرف يومًا راية ألتف حولها كما ألتف حول علم مصر، أو أتخيل يومًا أن يخرج الهتاف من قلبي إلا باسمها، وربما لهذا السبب تحديدًا، وجدت نفسي في الأيام الماضية أقف طويلًا أمام عشرات المقاطع المصورة التي انتشرت منذ انطلاق بطولة كأس العالم وحتى انتصار منتخب مصر على أستراليا، لا لأتابع نتيجة مباراة، وإنما لأتابع مشهدًا إنسانيًا وسياسيًا استوقفني وأثار داخلي كثيرًا من الأسئلة.
رأيت عراقيًا يهتف لمصر وكأن منتخب بلاده الذي انتصر، وكويتيًا تغلبه دموع الفرح، وسوريًا يتراقص ابتهاجًا، وسعوديين وإماراتيين ولبنانيين يرددون الأغاني المصرية، ثم جاءت المشاهد الأكثر تأثيرًا، فلسطينيون من بين الركام والألم، يجدون متسعًا في قلوبهم ليشاركوا المصريين فرحتهم، ويهتفوا باسم مصر من بين كل ما يعيشونه من معاناة.
وقفت أمام هذه المشاهد طويلًا، ليس لأحتفل بها، وإنما لأفهمها.
ما الذي يجعل إنسانًا يفرح لإنجاز لا يحقق له مكسبًا مباشرًا؟ ولماذا يهتف شعب باسم شعب آخر؟ وهل نحن أمام لحظة رياضية عابرة صنعتها كرة القدم، أم أننا أمام تعبير تلقائي عن شيء أعمق بكثير من مباراة، وعن علاقة تشكلت عبر سنوات طويلة حتى أصبحت جزءًا من الوجدان؟
بالطبع لا يمكن اختزال مواقف الشعوب في مقاطع فيديو متداولة، ولا يجوز أن نزعم أن كل العرب يشعرون الشعور نفسه، فالشعوب ليست كتلة واحدة، والآراء بطبيعتها متعددة ومتباينة، لكن في المقابل لا يمكن أيضًا تجاهل هذا الكم الكبير من المشاهد التي حملت مشاعر صادقة وعفوية، لأنها في حد ذاتها تستحق التأمل، حتى لو اعتبرناها تعبر عن شريحة من الناس لا عن الجميع.
وهنا بدأت رحلتي مع السؤال.
لم أفكر في الكرة بقدر ما فكرت في الإنسان.
فالإنسان، مهما اختلفت ثقافته أو جنسيته، لا يمنح مشاعره بسهولة، قد يجامل في الكلمات، وقد يبتسم مجاملة، لكنه لا يبكي فرحًا من أجل من لا يعنيه، ولا يهتف من أعماقه باسم من لا يحمل له قدرًا من المحبة أو التقدير.
المشاعر الحقيقية يصعب تمثيلها.
ولهذا، حين ترى إنسانًا يقفز فرحًا لإنجازك، فمن الطبيعي أن تسأل نفسك ما الذي يربطه بك؟
ربما تكون الإجابة الأولى أن الشعوب، على عكس السياسة، تحتفظ بذاكرة طويلة.
فالسياسة تتحرك وفق المصالح، أما الشعوب فتتحرك وفق الذكريات.
تتذكر من علم أبناءها، ومن شاركها أفراحها، ومن دخل بيوتها بأغنية أو فيلم أو كتاب أو معلم أو طبيب أو داعية أو أستاذ جامعة.
ولهذا أعتقد أن ما رأيناه لا يمكن تفسيره من خلال البطولة وحدها، بل من خلال تاريخ طويل من التفاعل الإنساني والثقافي بين مصر ومحيطها العربي.
فمصر بالنسبة لكثير من العرب، لم تكن مجرد دولة مجاورة.
كانت مدرسة.
وكانت جامعة.
والأزهر الشريف الذي قصدته أجيال من طلاب العلم.
وكانت القاهرة التي عاش فيها آلاف العرب طلبًا للعلم، والسينما التي شكلت وجدان أجيال كاملة. الأغنية التي دخلت كل بيت. الدراما التي جمعت العائلة العربية أمام شاشة واحدة.
كانت الصحافة والكتاب والمسرح والفكر، واللهجة المصرية التي أصبحت مفهومة في كل بيت عربي من دون حاجة إلى ترجمة.
هذه الأشياء قد تبدو بسيطة، لكنها في الحقيقة تصنع ما هو أكبر من السياسة.
تصنع الذاكرة.
والشعوب لا تورث محبتها لأحد، وإنما تمنحها لمن استطاع أن يسكن ذاكرتها.
ولعل هذه أعظم صور القوة التي قد تمتلكها دولة.
ليست القوة التي تجعل الآخرين يخشونها، بل القوة التي تجعلهم يشعرون بالقرب منها.
وهنا انتقلت أفكاري من الجانب الإنساني إلى جانب آخر لا يقل أهمية.
بدأت أسأل نفسي ماذا لو لم تكن هذه المشاهد مجرد تعبير عن محبة عابرة؟
ماذا لو كانت مؤشرًا على وجود رصيد وجداني حقيقي ما زالت تمتلكه مصر في قلوب قطاعات واسعة من الشعوب العربية؟
إذا كان الأمر كذلك، فنحن لا نتحدث عن كرة قدم، بل عن أحد أهم عناصر القوة في عالم اليوم.
لسنوات طويلة، اعتدنا أن نقيس قوة الدول بما تمتلكه من جيوش، أو بما تحققه من نمو اقتصادي، أو بما تفرضه من نفوذ سياسي.
وهذه كلها معايير صحيحة.
لكن العالم خلال العقود الأخيرة اكتشف أن هناك نوعًا آخر من القوة، قد يكون أقل ضجيجًا، لكنه أكثر تأثيرًا على المدى البعيد.
إنها القوة التي تجعلك مؤثرًا من دون أن تفرض نفسك، وهي القوة التي تدفع الآخرين إلى الاقتراب منك بإرادتهم لا خوفًا منك.
إنها ببساطة.. قوة القبول.
وهذا جوهر مفهوم القوة الناعمة.
ليست القدرة على إخضاع الآخرين، وإنما القدرة على إقناعهم بأن ينفذوا ما تريد لأنهم يرون فيك نموذجًا يستحق الاحترام.
ولذلك، فإن كثيرًا من الدول الكبرى لا تستثمر فقط في الاقتصاد أو السلاح، وإنما تستثمر أيضًا في جامعاتها، وفنونها، وأفلامها، وموسيقاها، ومنحها الدراسية، وإعلامها، لأنها تدرك أن التأثير الحقيقي يبدأ من تشكيل الصورة الذهنية.
الصورة قد تسبق السياسة، والثقافة تمهد لما تعجز عنه الدبلوماسية، والفن أحيانًا يفتح أبوابًا لا تستطيع السياسة فتحها.
ولعل مصر كانت واحدة من أوضح النماذج على ذلك في منطقتنا.
لم تدخل قلوب العرب بجيوشها، بل دخلتها بأم كلثوم، وعبد الوهاب، ونجيب محفوظ، ويوسف شاهين، وعبد الحليم حافظ، وبالمعلم المصري الذي سافر ليبني مدارس، والطبيب الذي عالج المرضى، وأستاذ الجامعة الذي خرج أجيالًا، والمهندس الذي شارك في بناء المدن، والشيخ الأزهري الذي علم الدين بوسطية واعتدال.
دخلت مصر إلى البيوت قبل أن تدخلها السياسة، ولهذا بقي لها مكان في الوجدان، لكن هنا تحديدًا يجب أن نتوقف عند نقطة أراها في غاية الأهمية.
الفخر بهذا الرصيد مشروع، أما الاطمئنان إليه فخطأ، لأن المحبة، مثلها مثل الثقة، لا تعيش إلى الأبد إذا توقف أصحابها عن تجديد أسبابها، فلا يوجد رصيد حضاري يظل قائمًا لمجرد أنه كان موجودًا في الماضي، فالتاريخ يمنحك البداية، لكنه لا يضمن لك الاستمرار.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن نقع فيه الاعتقاد بأن مكانة مصر محفوظة تلقائيًا، أو أن تأثيرها سيظل كما هو من دون عمل أو تطوير أو تجديد.
إن القوة الناعمة ليست متحفًا نزوره لنفتخر بما كان، وإنما مشروع متجدد يحتاج إلى إنتاج يومي، يحتاج إلى تعليم قوي، وإعلام محترف، وفن يليق بتاريخنا، وجامعات تستقطب العقول، وبحث علمي، وسياحة، وثقافة، وريادة أعمال، وإنسان مصري يقدم أفضل ما لديه أينما ذهب.
فكل طبيب مصري يعمل في دولة عربية أو أجنبية، وكل معلم، وكل مهندس، وكل باحث، وكل فنان، إنما يضيف سطرًا جديدًا إلى صورة مصر في أذهان الآخرين، أو ينتقص منها.
وصورة الأوطان لا تُصنع في المؤتمرات فقط، بل تُصنع أيضًا في تفاصيل الحياة اليومية، وفي الطريقة التي يتعامل بها أبناؤها مع العالم.
ولهذا أرى أن مسؤولية الحفاظ على مكانة مصر ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل مسؤولية كل مصري، فكل واحد منا، شاء أم أبى، يحمل جزءًا من صورة وطنه حيثما ذهب.
ومن هنا انتقلت إلى سؤال آخر ربما يكون أكثر أهمية من السؤال الأول.
إذا كانت مصر تمتلك هذا الرصيد من المحبة والقبول، فكيف يمكن تحويله إلى قيمة حقيقية؟
في السياسة، كثيرًا ما نتحدث عن الموارد الطبيعية، وعن الموقع الجغرافي، وعن القوة العسكرية، وعن الاقتصاد، لكن هناك موردًا لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو "الثقة" التي تمنحها الشعوب لدولة ما.
فحين تحظى دولة بالاحترام والمحبة، تصبح رسائلها أكثر قبولًا، ومبادراتها أكثر تأثيرًا، وشراكاتها أكثر سهولة، وسياحتها أكثر جذبًا، وثقافتها أكثر انتشارًا، ومنتجاتها أكثر قدرة على المنافسة.
ولهذا لم يعد مفهوم القوة في عالم اليوم مقتصرًا على امتلاك أدوات الردع، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بامتلاك القدرة على الإلهام والتأثير.
كم من دولة تملك المال والسلاح، لكنها لا تستطيع أن تكسب قلوب الناس.
وكم من دولة لا تمتلك الإمكانات نفسها، لكنها استطاعت أن تصنع لنفسها مكانة عالمية لأنها نجحت في بناء صورة إيجابية عن شعبها وثقافتها وقيمها.
ولهذا فإنني أؤمن بأن المستقبل لن يكون فقط للدول الأقوى، وإنما للدول الأكثر قدرة على بناء الثقة، والأقدر على صناعة الإعجاب، والأكثر نجاحًا في تقديم نموذج يلهم الآخرين.
ولعل هذا ما يجب أن نتأمله في التجربة المصرية.
فما منح مصر مكانتها التاريخية لم يكن التفوق في مجال واحد، وإنما قدرتها على أن تكون حاضرة في مجالات متعددة في الوقت نفسه، في الثقافة، والتعليم، والفكر، والفنون، والدين، والطب، والهندسة، والإعلام، والرياضة.
كانت مصر تصدر الأفكار قبل أن تصدر المنتجات. تصدر الإنسان قبل أن تصدر المشروعات.
وكان تأثيرها يمتد إلى ما هو أبعد من حدودها الجغرافية.
ولا أقول هذا بدافع الحنين إلى الماضي، فالأمم التي تعيش على ذكرياتها وحدها لا تصنع مستقبلًا، لكنني أقول إن هذا التاريخ يثبت أن لدينا القدرة، إذا أحسنّا استثمارها، على استعادة كثير من هذا الدور.
والحقيقة أن العالم العربي اليوم يحتاج إلى نماذج أكثر مما يحتاج إلى خطابات، يحتاج إلى تجربة ناجحة يمكن أن يُلهم بها شبابه، إلى إنتاج ثقافي يحترم العقل، يحتاج إلى جامعات قوية، ومراكز أبحاث، ومبدعين، ورواد أعمال، ومؤسسات قادرة على صناعة الأمل.
وهنا تكمن الفرصة الحقيقية.
فإذا كانت الشعوب ما زالت تحتفظ لمصر بهذا القدر من الود، فإن واجبنا ألا نكتفي بالاحتفاء بهذه المشاعر، بل أن نسأل أنفسنا ماذا سنقدم لها في المقابل؟
كيف نحافظ على هذا الرصيد؟ وكيف نضيف إليه بدلًا من أن نستهلكه؟
إن الحفاظ على القوة الناعمة لا يكون بالشعارات، وإنما بالفعل.
بأن نصنع محتوى يحترمه الناس، وأن نقدم تعليمًا يثقون فيه، وأن ننتج فنًا يعيش لعقود، لا لموسم واحد.
وأن نبني اقتصادًا يجعل اسم مصر مرتبطًا بالجودة، لا بالماضي فقط.
وأن نُخرِّج أجيالًا تدرك أن الانتماء ليس كلمات تُقال، وإنما قيمة تُترجم في العمل والإتقان واحترام الإنسان.
وربما لهذا السبب لم أشاهد تلك الفيديوهات باعتبارها مجرد مقاطع انتشرت على السوشيال ميديا.
رأيتها رسالة.
رسالة تقول إن هناك شيئًا ما لا يزال حيًا، وأن هناك رصيدًا لم ينفد بعد.
وأن هناك مساحة من المحبة لا تزال موجودة في قلوب كثيرين.
لكن الرسائل لا تكون قيمتها في قراءتها فقط، وإنما في فهمها.
وأخشى أن يكون الخطأ الأكبر أن نتعامل مع هذه المشاعر باعتبارها ضمانة دائمة، بينما هي في الحقيقة فرصة تحتاج إلى من يحسن استثمارها.
فالنفوذ الذي تصنعه القوة قد يستمر ما دامت القوة قائمة، أما المكانة التي تصنعها المحبة، فتستمر ما دامت أسبابها تتجدد.
وهنا أعود إلى المشهد الأول.
إلى ذلك العراقي الذي كان يهتف لمصر.
وذلك الكويتي الذي بكى فرحًا.
وذلك السوري الذي رقص.
وأولئك السعوديين والإماراتيين واللبنانيين الذين غنوا.
وأولئك الفلسطينيين الذين، رغم ما يعيشونه من ألم يفوق الوصف، وجدوا في قلوبهم مساحة ليشاركوا المصريين لحظة فرح.
ربما لا يعرف أحد منهم أنه دفعني إلى كتابة هذه الكلمات.
وربما لم يقصدوا أن يفتحوا بابًا للتفكير، لكنهم فعلوا.
جعلوني أتذكر أن الأوطان لا تقاس فقط بمساحتها، ولا بعدد سكانها، ولا بحجم اقتصادها، بل أيضًا بمكانها في قلوب الآخرين.
وجعلوني أوقن أن مصر لا تزال تمتلك فرصة كبيرة، ليس لأن تاريخها كان عظيمًا، بل لأن هذا التاريخ لا يزال يترك أثرًا في الحاضر.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يشغلنا جميعًا، هل نريد أن يظل هذا الأثر مجرد ذكرى جميلة نستحضرها كلما انتشرت مقاطع مشابهة؟
أم نريد أن نحوله إلى مشروع وطني متكامل، يستثمر في الإنسان المصري، ويعيد الاعتبار للعلم، والثقافة، والفن، والتعليم، والإبداع، حتى تظل مصر حاضرة في الوجدان العربي، لا لأنها كانت كذلك يومًا، بل لأنها ما زالت تستحق؟
مصر، التي كانت يومًا منارة للعلم، وصوتًا للثقافة، وقلبًا نابضًا للعالم العربي، لا ينقصها التاريخ، ولا ينقصها الإنسان، ولا تنقصها القدرة.
كل ما تحتاجه هو أن تؤمن بنفسها من جديد، وأن تستثمر في أعظم ما تملك... الإنسان المصري.
وحينها، لن تكون هتافات الشعوب لمصر مجرد مشهد جميل في بطولة رياضية، بل انعكاسًا طبيعيًا لدولة استعادت مكانتها، لا بالحنين إلى الماضي، وإنما بصناعة مستقبل يليق بها.
إحنا مصر.
لسنا مجرد صفحات في كتاب التاريخ، بل مسؤولية في الحاضر، وأمل في المستقبل.
وإذا كان التاريخ قد منحنا مكانة، فإن المستقبل لن يمنحنا شيئًا إلا بقدر ما نصنعه بأيدينا.