"لم يضربني في يومنا الأول، ولا في شهرنا الأول، لو فعلها لربما كان رحيلي أسهل"، بهذه الكلمات فتحت إيمان (30 عامًا) باب حكايتها التي بدأت قبل خمس سنوات كقصة حب عادية في سنتها الجامعية الأخيرة. تقدّم لها "أحمد"، الشاب الطموح والوسيم، وسارعت عائلتها المقيمة في طنطا إلى مباركة الزواج في سوهاج، من دون أن يدري أحد أن الفستان الأبيض كان الخطوة الأولى رحلة نحو علاقة سامة يصعب الفكاك منها.
كثيرًا ما تبدأ العلاقة السامة بواجهة اجتماعية مثالية يحرص الجميع على مباركتها والحفاظ على صورتها اللامعة أمام الجيران والأقارب، فتجد المرأة نفسها تتبرع بحريتها وصحتها النفسية قطعةً تلو الأخرى، كفاتورة مدفوعة مقدمًا لصيانة ما لا يعدو كونه ديكورًا، فتصنع سجنها الخاص بمحض إرادتها.
تقول إيمان لـ"فكر تاني"، إنه "كان يغلف ساديته باسم الخوف والحب، فطلب مني بلطف أن أترك عملي في شركة الشحن لأن مواعيده متأخرة وهو يغار علي، فاستقلت، ثم أقنعني أن صديقاتي يحسدن استقراري ويجب أن أقطع علاقتي بهن، ففعلت، ومع كل خطوة كنت أتنازل فيها عن جزء من استقلالي، كان يقلص مساحة جديدة من وجودي، حتى استيقظت يومًا لأجد نفسي وحيدة تمامًا، بلا مال أو أصدقاء أو سند".
وتكشف إيمان أن الحصار المعنوي تحول تدريجيًا إلى عنف جسدي صريح، إذ بدأت الصفعات والإهانات اللفظية قبل عامين بذريعة النكد والضيق. وتوضح كيف كانت تبرر غضبه، قائلة "حين بدأ يضربني، لم أصرخ. لوم الذات الذي زرعه في داخلي كان أقوى من الألم. كنت أجلس على الأرض وأبكي وأنا أقنع نفسي أنني أنا المخطئة والنكدية، وأنني التي خربت مزاجه. صرت أفتش عن عذر له كي لا ينهار السقف فوق رأسي ورأس أطفالي".
وفي ليلة من ليالي الشتاء الماضي، انهار ذلك السقف بالفعل، فصدم أحمد رأسها بجدار الصالة الخرساني في شقتهما، وسقطت بمحاذاة سجادة ملطخة ببقع دم طازجة، بينما كان طفلاها ذوا الثلاث والأربع سنوات يكتمان صراخهما بكفوفهما الصغيرة في زاوية الغرفة. وكان أحمد يلهث فوق رأسها من فرط الغضب، ملقيًا كلماته بثقة تامة "اطلعي برة، وريني أنهي راجل في أهلك هيشيلك إنتي وعيالك، وروحي خليهم يفرحوا بطلاقك".
عند الفجر، هرعت إيمان واحتضنت صغارها كمن يهرب من حريق، لتقف بعد ساعة على عتبة منزل والدها في طنطا، ووجهها المتورم يلخص كل شيء وهي تركع عند قدميه باكية مستجيرة، غير أن رد شقيقها الأكبر جاء من خلف الأب ليوجه الصفعة الأقسى "إحنا معندناش بنات تطلق وترجع لنا بجرة عيال. لمي نفسك وارجعي لبيتك، الست المتربية تموت في فرشتها ولا تجرجر اسم عيلتها في المحاكم".
انتهت محاولات الهروب، ودخلت إيمان في مرحلة التعايش مع الخطر بوصفه بديلًا من الوصمة المحتومة، وذات يوم قرأت خبرًا في صحيفة عن فتاة قتلت على يد زوجها بعدما رفض أهلها استقبالها إثر شكاوى متكررة، فتقول "نظرت إلى صورة تلك الفتاة، كانت تشبهني كثيرًا، نفس العينين المطفأتين ونفس الابتسامة المكسورة. قرأت التعليقات على الخبر، كان الجميع يترحمون عليها ويصبون اللعنات على الزوج، ورأيت صورة لشقيقها وهو يبكي في الجنازة ويتلقى العزاء".
وتختتم إيمان حديثها بما هو أشد وطأة "في تلك اللحظة بالذات فهمت كل شيء. تذكرت كلام أخي على عتبة البيت، وعرفت أنني لو تطلقت وجلست في قفاهم سأكون عبئًا وعارًا ولقبًا يتحاشاه الجميع ويراقب حركاتي وسكناتي. أما لو قُتلت، فسأتحول فجأة إلى المرحومة الضحية، وسيرتدي أخي ثوب الشرف الرفيع، وسينالون جميعًا تعاطف المجتمع ومغفرته. أنا الآن أعيش مع هذا الخيار كل ليلة، أنام بجوار الرجل الذي قد يقتلني في أي لحظة، وأنا أعلم يقينًا أن موتي سيكون أرحم لعائلتي من قسيمة طلاقي".
لماذا تتعايش النساء مع الخطر؟
المعاناة الصامتة خلف الجدران ليست فصلًا معزولًا عن الواقع، فالصمت الذي يبتلع صرخات النساء تتسع رقعته ويتداخل فيه الوعي المشوه مع غياب آليات الحماية العاجلة. وتشير دراسة "انتشار العنف المنزلي وعوامل الخطر والآثار الصحية المترتبة عليه لدى الإناث في سن الإنجاب" إلى أن العنف ضد المرأة من شريك حياتها ليس استثناءً، إذ يتعرض له أكثر من ربع النساء في سن الإنجاب (15 - 49 عامًا) حول العالم، مرةً واحدة على الأقل في حياتهن.
وفي مصر تبدو الصورة أكثر حدة، فيكشف المسح الديموغرافي والصحي لعام 2021 أن 43.8% من النساء في مصر تعرضن لشكل من أشكال العنف. وفي عمق هذا الجحيم المنزلي، يتصدر العنف النفسي المشهد بوصفه السلاح الأكثر شيوعًا وضراوة بنسبة بلغت 96%، في حين سُجل العنف الجنسي بنسبة 13.5% بوصفه الأقل شيوعًا.
والأرقام لا تتوقف عند هذا الحد، ففي يوليو 2025 وثقت مؤسسة "إدراك للتنمية والمساواة" 120 جريمة قتل لنساء على يد الزوج أو أحد أفراد العائلة خلال النصف الأول من عام 2025 وحده، وهذا الرقم الصادم لم يأت من فراغ، إذ جاء في سياق تصاعد خطير بدأت مؤشراته تتضح منذ عام 2023 حين رُصدت 140 جريمة قتل أسري، ثم قفز العدد إلى 261 جريمة في عام 2024.
وجه آخر للأزمة
في أغلب الأحيان يُلقى باللوم على قسوة الأهل في إجبار النساء على البقاء داخل جحيم العلاقات السامة، لكن حكاية مريم (31 عامًا)، أخصائية التحاليل الطبية من الإسكندرية، تكسر هذا القالب تمامًا وتكشف عن الوجه الآخر للأزمة.
تتذكر مريم اللحظة الفاصلة التي ظن الجميع أنها نهاية عذابها مع زوجها "خالد"، قائلة لـ"فكر تاني"، إن "أهلي لم يكونوا قساة، كانوا ملائكة. عندما علم أبي وأخي بإهانتي الأخيرة التي دخلت على إثرها المستشفى مصابة بارتجاج في المخ، جاءوا إلى بيتي. أخي شحن كل حقائب ملابسي وملابس أطفالي في سيارته، وأبي وقف في وجه زوجي وقال له بحسم بنتنا مش هترجع لك تاني، والشرع والمحاكم بيننا".
عاشت مريم في بيت أبيها ثلاثة أشهر، وكان الجميع يدعمها، وأمها تقول لها كل صباح "فلوسك معاكي وشقتنا تساعك إنتي وعيالك، ارمي الأيام السودة ورا ظهرك"، كانت تملك كل مقومات النجاة، لكنها أضاعتها بيدها.
طوال تلك الأشهر الثلاثة كان خالد يبكي تحت نافذة منزل أهلها، يرسل رسائل استعطاف يومية، ويستغل الأطفال وسيلة ضغط مرعبة، كان يتصل بالصغار ويقول لهم بنبرة مكسورة "أنا هموت من الحزن من غيركم، أمكم عاوزة تخرب البيت وتشتتكم"، هنا بدأت إرادة مريم تتآكل من الداخل، لا بفعل ضغط عائلي، وإنما بفعل ذنب جارف غرست بذوره في وعيها منذ الصغر، مفاده أن المرأة الأصيلة هي التي تحافظ على بيتها.
تصف مريم لحظة اتخاذها القرار، قائلة "أنا اللي اخترت العودة، ولم يجبرني أحد. في إحدى الليالي، نظرت إلى أطفالي وهم يبكون 'عاوزين بابا'، فشعرت بذنب قاتل، شعرت أنني أنانية لأنني قدمت سلامتي الجسدية على استقرار عائلتي"، وتضيف أن ذاكرتها انتقائية في تلك اللحظة "تذكرت كل الأوقات الجميلة مع خالد وتناسيت الدم والضرب، وكأن عقلي محى الأذى. وفي الفجر، دون علم أبي أو أخي، اتصلت بخالد وجاء ليأخذني. كانت صدمة أهلي تفوق الوصف، وقال لي أخي احنا حميناكي وانتي اخترتيه، متلجأيش لينا تاني".
خسرت مريم عائلتها بإرادتها، وسلمت نفسها لخالد وهي تعرف أنه سيعود إلى ضربها سريعًا، لكن وعيها المشوه كان يقنعها بأن أن تكون امرأة مهانة داخل بيتها أرحم لنفسيتها من إحساس الذنب الناجم عن هدم حياة أطفالها، ولم يمض شهر واحد حتى عادت الصفعات والإهانات أشد ضراوة من ذي قبل.
الحصار النفسي الذي فرضته مريم على نفسها هو الدائرة المفرغة نفسها التي تدور فيها آلاف النساء في مصر. وقد رصدت دراسة عن تصورات النساء للعنف الأسري في مصر تفشي هذا العنف بوصفه "وسيلة للتنفيس" عن ظروف هيكلية وعوامل ضغط نفسي خانقة، إذ ربطت 79% من عينة الدراسة العنف الأسري بالفقر، و65% بنقص الموارد الاقتصادية، فيما اعتقدت الكتلة الأكبر المتمثلة في 90% من النساء أن تدني مستوى التعليم يعد عاملًا محفزًا ومباشرًا للاعتداء. في المقابل، لم تربط سوى 14% من النساء العنف بطبقة اجتماعية بعينها، مما يثبت أن الأذى عابر للطبقات وإن اشتدت ضراوته في قاع المجتمع.
استقرار أم مقبرة نفسية؟
مها (30 عامًا)، ربة منزل وأم لثلاثة أطفال، تعيش في زواج من "شريف" يبدو من الخارج نموذجًا للاستقرار، لكنه من الداخل "مقبرة نفسية" على حد وصفها. تتحدث مها عن حياتها، قائلة لـ"فكر تاني"، "لو سألت جيراني عن شريف سيقولون إنه رجل محترم هادئ لا تفارق الابتسامة وجهه، لكن خلف بابنا يتحول إلى شخص آخر. شريف لا يرفع يده علي، لكنه يمارس ضدي ما هو أقوى من الضرب، الصمت العقابي".
يمكن أن يمر شهر كامل دون أن ينطق معها بكلمة واحدة، يتجاهل وجودها كأنها هواء، ويضع مصروف البيت على الطاولة دون أن ينظر في عينيها. تقول مها "صرت أعيش في رعب دائم من نوبات مزاجه، وأقضي يومي أفتش عن أي خطأ ارتكبته. هل الأكل لم يعجبه؟ هل صوت الأطفال ضايقه؟ عشت سنوات أستجدي منه كلمة رضا واحدة، وشعرت أنني أتلاشى".
وعن أسباب قبولها بهذا الوضع، تقول مها "أنا التي أرفض الخروج، بكامل إرادتي. في كل مرة كنت أحزم حقيبتي وأقرر أن أنجو بما تبقى من صحتي، كنت أنظر إلى وجوه أطفالي وهم يذاكرون دروسهم في غرفهم المستقرة فأتراجع. المجتمع والتربية أقنعونا أن المرأة الصالحة هي التي تضحي بصحتها وعمرها لكي ينشأ أطفالها في بيت يحمل لافتة أب وأم"، وتمضي مستطردة "صرت أقول لنفسي لو تطلقت، سأكسر قلوبهم، سيتشتتون بين بيتين، وسينظر إليهم زملاؤهم في المدرسة الخاصة نظرة شفقة. قبلت أن أحترق أنا من الداخل وأعيش مع رجل يهين كرامتي وإنسانيتي كل يوم بصمته وإهماله وتحقيره لي، فقط لكي يحمل أولادي شهادات تخرجهم ويُقال عنهم أولاد ناس محترمين وبيوتهم مستقرة. تبرعت بعمري وصحتي ثمنًا لديكور زواج ناجح أمام الناس".
وما تعيشه مها من معاناة صامتة تحت سقف بيتها العادي تترجمه دراسة حول قياس العنف المنزلي ضد المرأة المصرية وتكلفته المترتبة، إذ تلخص العنف الأسري في أربعة أشكال متداخلة، هي العنف الجسدي والنفسي والجنسي والاقتصادي، وتجمعها في متغير كامن واحد يقيس "العنف الأسري". وبالمثل، تُلخص الدراسة التكلفة المترتبة على ذلك العنف في ثلاثة أشكال متشابكة، هي التكلفة الاقتصادية والتكلفة على الأطفال والتكلفة على جودة حياة المرأة، مما يعكس الطبيعة متعددة الأبعاد لهذه الظاهرة.
هل يكفي الاستقلال المادي؟
يُعتقد دائمًا أن الاستقلال المادي والوظيفي يمثل درعًا حامية للمرأة ضد العنف الأسري، لكن رشا (35 عامًا)، مهندسة تصميمات، تقلب هذا الاعتقاد رأسًا على عقب، وتكشف عن وجه آخر للعنف الذي يُمارس على النساء العاملات، حيث يتحول راتب المرأة ونجاحها المهني من وسيلة نجاة إلى سبب لاستعبادها.
تقول رشا لـ"فكر تاني"، "تزوجت وأنا في قمة نجاحي المهني، وكان دخلي يفوق دخله. وبحسن نية تامة، وتحت شعار نحن نبني مستقبلنا معًا، وافقت من الشهر الأول على دمج مرتباتنا، كان يطلب مني بلطف أن أعطيه راتبي ليدير مصاريف البيت والجمعيات، وقبلت بكامل إرادتي. لم أكن أرى في ذلك قهرًا، كنت أراه منتهى الحب والمشاركة الديمقراطية، ولم أستوعب إلا متأخرًا أنه كان يستدرجني".
ومع مرور السنوات تحولت تلك "المشاركة" إلى حصار اقتصادي خانق وممنهج، إذ تقول رشا "تحولت إلى أداة لإنتاج المال فقط. كنت أعمل 10 ساعات يوميًا، وفي نهاية الشهر أرى تعبي يذهب إلى حسابه ليدفع أقساط الشقة والسيارة اللذين كتبهما باسمه الشخصي بحجة أن الرجل هو واجهة الأسرة"، وحين بدأت تعترض، تغير وجهه الحنون، وبدأ يمارس ضدها عنفًا معنويًا لا يطاق، يتهمها بالأنانية، ويقول لها إن "المرأة التي تحسب مالها منفصلًا عن زوجها امرأة غير أصيلة ولا تصلح".
قررت رشا أن تسترد ما أعطته، لكنه هددها بتدميرها، فبسبب مواقفها المرنة السابقة أوقعها في التوقيع على شيكات وإيصالات أمانة باسمها لبعض التزاماته التجارية، مستغلًا ثقتها العمياء. وتختتم رشا "أنا الآن أستمر معه بكامل إرادتي، لكنها إرادة مكبلة بالرعب. لو قررت الطلاق أو الرحيل اليوم، سأخرج مديونة وقد أُسجن بسبب إيصالات الأمانة التي وقعت عليها له بحسن نية".
واقع العنف الأسري وأسبابه
في تصريحاتها لـ"فكر تاني"، تتحدث عزة سليمان، رئيسة مجلس الأمناء بمؤسسة قضايا المرأة المصرية، عن الجانب الميداني لهذه القصص، مؤكدة أن المؤسسة تتعامل مع حالات كثيرة لنساء يعشن في علاقات زواج سامة ويستمررن فيها لأسباب متعددة، من بينها الخوف من فقدان الحضانة، أو عدم امتلاك الموارد المالية اللازمة للانفصال، أو غياب الدعم الأسري والاجتماعي.
وتقول سليمان إن "الواقع أصبح أقوى من الخيال"، مشيرة إلى أن المؤسسة تستقبل حالات لنساء فضلن التضحية بسعادتهن واستقرارهن النفسي من أجل الاحتفاظ بحق حضانة أطفالهن، سواء عبر الاستمرار في علاقة زوجية مؤذية أو بالانفصال دون المطالبة بحقوقهن القانونية. وتلخص أسباب موافقة النساء على العيش في مثل هذه العلاقات بقولها "النساء يعجزن عن اتخاذ قرار الانفصال لعدم امتلاكهن دخلًا مستقلًا أو مكانًا آمنًا يلجأن إليه، بينما تقتنع أخريات بأنهن غير قادرات على النجاح أو الاستمرار في الحياة خارج إطار العلاقة الزوجية، نتيجة سنوات من التهميش والعنف النفسي".
وتؤكد سليمان أن ضغوط الأسرة والعادات والتقاليد تمثل أحد أهم أسباب استمرار النساء في علاقات مؤذية، لافتة إلى أن بعض الأسر ترفض استقبال بناتها بعد الانفصال أو تشترط عودتهن دون أطفالهن، فيما ترفض أسر أخرى فكرة الطلاق من أساسها تحت شعارات من قبيل "معندناش طلاق". وتشدد على أن هذا الضغط يمثل شكلًا من أشكال العنف المركب ضد النساء، مضيفة أن "الثقافة أحيانًا تصبح أقوى من الدين، ويتم تحميل النساء وحدهن الوصمة والعار الناتجين عن الطلاق، بينما تُهمَل معاناتهن وحقوقهن".
وفيما يخص مناقشات قانون الأحوال الشخصية، قالت سليمان، إن تحقيق العدالة للنساء لا يتوقف عند إدخال تعديلات محدودة على النصوص الحالية، وإنما يتطلب تغييرًا في الفلسفة التشريعية الحاكمة للقانون بأكمله. وترى أن النظرة إلى النساء يجب أن تنطلق من اعتبارهن مواطنات كاملات الحقوق يتمتعن بمركز قانوني متساوٍ مع الرجال.
أما عن العلاقة بين العنف والأوضاع الاقتصادية، فأوضحت أن المؤسسات الحقوقية ليست مسؤولة عن معالجة الفقر أو توفير السكن، وإنما يقع هذا الدور على عاتق الدولة والحكومة من خلال تبني سياسات اقتصادية واجتماعية تستجيب لاحتياجات المواطنين.
لماذا تستمر المرأة في العلاقة السامة؟
يرى الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، أن كثيرًا من النساء يدخلن الحياة الزوجية ثم يكتشفن مع الوقت جوانب سلبية لم تكن ظاهرة في شخصية الزوج قبل الزواج، ما يدفع بعضهن إلى العيش داخل علاقات مرهقة نفسيًا ومؤذية لفترات طويلة.
ويقول، لـ"فكر تاني"، إن "بعض الأزواج يتسمون بسمات نرجسية تجعلهم يسعون إلى السيطرة الكاملة على الزوجة من خلال استنزاف طاقتها النفسية وتقليص استقلاليتها وفرض نوع من العزلة الاجتماعية عليها، بما يخلق حالة من التبعية الكاملة".
ويؤكد هندي أن الاستمرار في مثل هذه العلاقات يرتبط في بعض الحالات بعوامل نفسية معقدة تجعل المرأة تتقبل الأذى أو تتعايش معه لفترات طويلة، فبعض النساء يقعن تحت تأثير ما يُعرف بـ"متلازمة ستوكهولم"، حيث تميل الضحية إلى تبرير سلوك الطرف المؤذي والدفاع عنه وتقديم الأعذار المستمرة لتصرفاته رغم تعرضها للإساءة المتكررة.
غير أن العامل النفسي ليس وحده المسؤول، وفقًا لهندي، إذ تلعب الظروف الاجتماعية والاقتصادية دورًا حاسمًا، فالخوف من نظرة المجتمع للمطلقة، والقلق من المستقبل، وصعوبة توفير حياة مستقرة للأبناء، وثقل الإجراءات القانونية، كلها عوامل تدفع بعض النساء إلى البقاء في علاقات غير صحية. ويزيد غياب الدعم الأسري أو فقدان السند الاجتماعي من تعقيد الموقف، خاصة حين تشعر المرأة بأنها لن تجد مكانًا آمنًا أو مصدر دعم حقيقي بعد الانفصال. ويختتم هندي بالإشارة إلى أن ضعف الاستقلال الاقتصادي يمثل أحد أهم أسباب التردد في اتخاذ قرار الانفصال، لأن كثيرًا من النساء يخشين تراجع مستوى المعيشة أو فقدان الاستقرار المالي بعد الطلاق.
أسباب تحول دون مطالبة المرأة بحقوقها
في حديثها لـ"فكر تاني"، تؤكد نهى الجندي، المحامية بالنقض والمتخصصة في قضايا الأحوال الشخصية، أن قضايا العنف الزوجي والأسري لا تزال حاضرة بقوة داخل أروقة المحاكم، مشيرة إلى أنها تتعامل مع حالات كثيرة لنساء تعرضن للضرب والإيذاء على يد أزواجهن واضطررن إلى اللجوء إلى القضاء للحصول على حقوقهن أو إنهاء العلاقة الزوجية.
وتوضح الجندي أن كثيرًا من النساء يحاولن في البداية إنهاء العلاقة بصورة ودية، لكن بعض الأزواج يرفضون الطلاق أو التسوية، وهو ما يدفع الزوجة إلى اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة. وتشير إلى أن إجراءات التقاضي في قضايا الأحوال الشخصية شهدت تحسنًا ملحوظًا في سرعتها مقارنة بما كان عليه الوضع في السابق.
وتشدد المحامية على أن العنف ضد المرأة مرفوض في جميع الأديان والقوانين، مؤكدة أن القانون المصري يوفر آليات لحماية المرأة في حال تعرضها للاعتداء أو الإيذاء الجسدي. وتحلل الموقف القانوني للمتضررات قائلة لـ"فكر تاني" إنه "في حال تعرض الزوجة للضرب أو التعنيف، يحق لها التوجه إلى قسم الشرطة وتحرير محضر بالواقعة، مع ضرورة الحصول على تقرير طبي يُثبت الإصابات الناتجة عن الاعتداء، لما يمثله من عنصر أساسي في سير التحقيقات وتحديد التكييف القانوني للجريمة"، لافتة إلى أن مدة العلاج الواردة في التقرير الطبي تلعب دورًا مهمًا في توصيف الواقعة، إذ قد تُصنف القضية جنحة أو جناية وفقًا لطبيعة الإصابات ومدى خطورتها، وهو ما ينعكس على العقوبات المقررة قانونًا. وتختتم الجندي بالتأكيد على أن اللجوء إلى الجهات القانونية المختصة وتوثيق واقعة الاعتداء بصورة رسمية يُعدّان من أهم الخطوات التي تضمن للمرأة الحفاظ على حقوقها وملاحقة مرتكب العنف.
غير أن القانون وحده لا يُفضي إلى نجاة، ما لم تكن ثمة امرأة قادرة على الإفلات أولًا من الأسر غير المرئي الذي يحكمه المجتمع حولها. فإيمان ومها ومريم ورشا لم يقفن عند عتبة قسم الشرطة، لأن عتبة أخرى أقسى كانت تسبقها في كل حالة، عتبة الأهل الذين أعادوا إرسال ابنتهم إلى جلادها، وعتبة الأطفال الذين صاروا رهائن تحكم بهم القبضة، وعتبة الوعي المشوه الذي علم النساء منذ الصغر أن بقاءهن في البيت المهدّد أكرم من خروجهن إلى الحرية المتهمة.
أمام هذا كله، يبقى السؤال حاضرًا بثقله الكامل، إلى متى ستنظر المرأة إلى أن كسر "الديكور" أشد وطأة عليها من البقاء في بيئة تقيدها؟ ومتى يدرك المجتمع أن نجاة الفتيات بكرامتهن أوجب بكثير من صيانة بيت، مهما فُعل من أجله، يسير حتمًا نحو الخراب؟