أطباء الامتياز في مصر.. طلاب حين يطالبون بحقوقهم وشهداء حين يفوت الأوان

في مارس 2023، أقر البرلمان تعديلًا قانونيًا جمد مكافأة طبيب الامتياز عند 2800 جنيه شهريًا، أي أقل مما يكلفه مصل الالتهاب السحائي الذي يُفترض أن تؤمّنه الدولة له مجانًا، بعدها بثلاث سنوات تقريبًا، دخل الطبيب حسام الفقي مستشفى الدمرداش لإنقاذ المرضى، وخرج منه في تابوت.

هذان الحدثان المتباعدان زمنيًا يكشفان عن معادلة واحدة متكررة، إذ تضع المنظومة الصحية في مصر طبيب الامتياز في خط النار، وتحجب عنه في الوقت ذاته ما يحميه منها، تصنّفه "طالبًا تحت التدريب" لتُسقط عنه حقوق العامل، وتُكلفه مهام الطبيب المتمرس حين يضيق العجز في الكوادر، وحين يطالب بحقه في التعلم يجد قرارًا إداريًا يُغلق في وجهه باب غرفة العمليات.

هذا بالضبط ما حدث في مستشفى الشاطبي الجامعي بالإسكندرية، حين صدر قرار يحظر على أطباء الامتياز دخول غرف العمليات حظرًا باتًا، شاملًا الطوارئ والجراحات المجدولة والمناظير ومركز الأورام، تحت طائلة المساءلة القانونية. القرار الذي أوقف المسار التدريبي لعشرات الأطباء لم يصمد طويلًا أمام موجة الاعتراضات المهنية، وانتهى بلائحة تنظيمية بديلة، لكنه فتح من جديد ملفًا أعمق بكثير من جدول مواعيد التدريب.

من طبيب الامتياز في مصر؟ وما الذي تريده منه المنظومة فعلًا؟

على أرض الواقع، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا من موقف نقابي أو فئوي. تقول "م. خ"، طبيبة امتياز بمستشفى القصر العيني بالقاهرة، إن كثافة الأعداد داخل المستشفيات الكبرى تظلم طبيب الامتياز، فالأطباء الأكبر سنًا يواجهون ضغط عمل يمنعهم في كثير من الأحيان من التفرغ للتوجيه والشرح، وتضيف في تصريحات لـ"فكر تاني"، قائلة "يضطرنا ذلك للاعتماد على جهودنا الذاتية لملاحقة الحالات الكثيرة المتكدسة في الاستقبال".

ولا يقتصر هذا الواقع على القصر العيني وحده، إذ تنقل طالبة الامتياز "ر. أ" صورة مكملة من مستشفى مدينة السنطة بمحافظة الغربية، واصفة طبيعة مهامها اليومية بأنها "مهام روتينية، مثل نقل عينات الدم بين المعامل وتوجيه المرضى في الممرات لإنهاء التكدس، وهي أمور رغم أهميتها لخدمة المريض تأتي على حساب الوقت المخصص لتعلمنا الطبي وممارستنا الحقيقية، في ظل غياب برنامج تدريبي واضح وممنهج". حسب قولها لـ"فكر تاني".

وتمتد الضغوط لتبلغ حد الابتزاز المهني الصريح، حيث ترصد الطبيبة "م. أ" من القاهرة ظاهرة إجبار الأطباء على مهام إدارية بحتة، كإنهاء إجراءات "إذن القبول" للمرضى، وهي إجراءات تتطلب أحيانًا أن يترك الطبيب بطاقته الشخصية أو هويته الجامعية رهينةً لدى الإدارة ضمانًا لإنجاز الأوراق. وتستنكر الأمر في تصريحاتها لـ"فكر تاني"، قائلة "هل ورقة إدارية أهم من بطاقتي الشخصية؟ نحن نُجبر على إجراءات ليست من صميم عملنا تحت وطأة التعنت والتهديد الإداري الصريح بتأخير التخرج وإعادة الراوند."

الأمان لمن استطاع

هذا الحرمان من التدريب الصحيح لا يُعفي طبيب الامتياز من دفع ضريبة وجوده في خط الدفاع الأول ضد الأوبئة، فقبل أشهر قليلة، لم يكن حسام الفقي يعلم أن دخوله إلى مستشفى الدمرداش لن يكون لإنقاذ المرضى كعادته، إذ تحول في غضون ساعات من طبيب يداوي الجراح إلى جسد يصارع عدوى قاتلة، بعد إصابته بالتهاب سحائي في أثناء أداء مهامه، فأدخلته العدوى في غيبوبة امتدت أيامًا قبل أن يُفارق الحياة.
وتكشف "م. خ" من القصر العيني عن أبعاد هذا الملف، قائلة لـ"فكر تاني"، نحن "نشتري سبل حمايتنا الشخصية على نفقتنا، فمصل الالتهاب السحائي يبلغ سعره نحو ألف جنيه، في حين لا تتجاوز المكافأة الشهرية 2800 جنيه، وحتى لقاح فيروس بي أصبح غير متوافر بانتظام، مما يجعلنا نواجه خطر الموت بلا درع واق".

ويضيف طبيب امتياز آخر يُعرَّف بـ"م. أ"، أن وسائل الوقاية داخل المستشفيات غالبًا ما تكون انتقائية، إذ تتوفر الكمامات والقفازات في وحدات الرعاية المركزة فحسب، بينما تظل في الأقسام الأخرى مسؤولية شخصية يتحملها الطبيب وحده، وأحيانًا يضطر إلى نقل عينات مُعدية بيديه المجردتين.

ومن داخل استقبال مستشفى طنطا الجامعي، يرسم الطبيب "ح. ف" المشهد بصورة أكثر إيلامًا قائلًا لـ"فكر تاني"، إنه "في كثير من الأحيان نطلب من أهل المريض شراء الجوانتي بأنفسهم لنتعامل مع جروح ذويهم، وإذا كان المريض وحيدًا بلا مرافق، نضطر أحيانًا للتعامل مع دمائه بأيدينا المجردة، مما يجعلنا عرضة للعدوى."

سكن غير آدمي ومكافأة تبتلعها المواصلات

ولا تنتهي المعاناة عند حدود غرفة العمليات أو ممرات الاستقبال، إذ تمتد لتطال بيئة العمل اللوجستية في مجملها، فساعات العمل لا تقل عن ثماني ساعات يوميًا، وكثيرًا ما تمتد إلى أربع وعشرين ساعة متواصلة تُعرف بـ"النبطشية"، بواقع مرتين أسبوعيًا تحت رقابة البصمة اليومية، لتبلغ في مجموعها أحيانًا 100 ساعة عمل في الأسبوع الواحد، ويصف الطبيب "ك. أ" من مستشفى المنيا الجامعي هذا الواقع قائلًا، لـ"فكر تاني"، إنه "تم إلغاء الوجبات الغذائية، والمكافأة لا تغطي مصاريف المواصلات، أما السكن فيعاني إهمالًا شديدًا، إذ تجد 5 أسرّة مخصصة لنحو ثلاثين طبيب امتياز في النبطشية الواحدة."

وتكتمل الصورة في مستشفى القصر العيني، حيث تشير الطبيبة "م. أ" إلى أزمة الوجبات التي تُقدَّم بنظام "اللي يلحق"، ففي دفعات تضم ثلاثة آلاف طبيب لا يوفر المستشفى سوى مئتي وجبة فقط، غالبًا ما تفتقر لأبسط معايير السلامة الغذائية. وقد دفع هذا التدهور المالي طالب الامتياز "ع. إ" من جامعة الأزهر بأسيوط إلى العمل في وظائف موازية بعيدة عن الطب تمامًا كخدمة العملاء، لمجرد القدرة على العيش وتوفير نفقات تكوين أسرة تعجز مهنة الطب وحدها عن توفيرها.

الهجرة للنجاة

حين تضيق كل المنافذ، يصبح الرحيل خيارًا لا ترفًا، وتبرز أرقام نقابة الأطباء لتكشف حجم هذا الواقع، إذ سُجّلت نحو 21068 استقالة من العمل الحكومي مطلع عام 2022، في هجرة جماعية بحثًا عن التقدير.

وتُسلّط دراسة صادرة عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة الضوء على البنية الطاردة للكوادر الطبية في مصر، مشيرة إلى أن معدل الأطباء تراجع ليصبح طبيبًا واحدًا لكل 1162 مواطنًا، مقارنةً بالمعدل العالمي الذي يقترب من طبيب لكل 434 فردًا.

وتبرز الدراسة ذاتها أن العنف والاعتداء يمثلان محركًا أساسيًا لظاهرة الهروب من المهنة، وهو ما تثبته دراسة أخره منشورة في مجلة "Scientific Reports" شملت 13 محافظة مصرية، كشفت أن 88% من الأطباء تعرضوا للعنف اللفظي، وأن 42% واجهوا اعتداءات جسدية بسبب غياب التنظيم وتكدس المرضى وضعف الأطقم الأمنية، فيما سجلت 13% من الطبيبات حالات تحرش داخل أماكن العمل.

وفي ظل ضعف آليات الحماية، لم تتمكن سوى أقلية لا تتجاوز 14.3% من اتخاذ إجراءات قانونية ناجحة، ما يجعل الأطباء يعيشون في حالة دائمة من انعدام الأمان المهني. ويُعبّر الطبيب "ك. أ" من المنيا عن هذا الشعور قائلًا لـ"فكر تاني"، إننا "نشعر أن ممتلكات المستشفى وجدرانها أهم عند الإدارة من كرامتنا وأرواحنا، يطالبوننا برد الجميل وكأن الطبيب يجب أن يعمل مجانًا وفي ظروف غير مهيأة."

من مرتب إلى مكافأة

وراء هذا الشعور تاريخ قانوني قصير لكنه فارق، حيث يعود أصل الأزمة المالية الراهنة إلى مفارقة وقعت في مارس 2023، حين أقر البرلمان تعديل المادة رقم 3 مكرر من القانون رقم 415 لسنة 1954، فبعد أن كانت مكافأة طبيب الامتياز مرتبطةً تلقائيًا بنسبة 80% من راتب الطبيب المقيم بما يضمن ارتفاعها مع التضخم، جاء التعديل ليُجمّدها عند مبلغ مقطوع قدره 2800 جنيه.

ولم يتأخر التحرك البرلماني في مواجهة تفاقم الأزمة المعيشية، إذ قدّم مجلس النواب طلب إحاطة رسميًا حول تدني مكافآت أطباء الامتياز وعدم مواكبتها للحد الأدنى للأجور، وهي مكافأة وصفها النواب صراحة بأنها لا تكفي حتى لتغطية مصاريف التنقل خلال فترة التدريب.

وفي تصريحات لـ"فكر تاني"، أعلن الدكتور مجدي مرشد، وكيل لجنة الصحة بالبرلمان، تضامنه الكامل مع مطالب أطباء الامتياز، مؤكدًا ضرورة تغيير نظرة المجتمع والدولة تجاه هؤلاء الشباب الذين يمثلون الصف الأول في المستشفيات الجامعية خلال فترة تدريبهم.

وكشف مرشد عن تقديمه طلب إحاطة رسميًا يطالب فيه بإصلاح جذري لوضع طبيب الامتياز، يرتكز على ثلاثة محاور أساسية هي الحماية والوقاية وتعديل المقابل المادي، وتتلخص مطالبه في العودة إلى نظام الـ80% بدلًا من المكافأة المقطوعة لضمان عدالة الأجور ومواكبتها للتضخم، ورفع بدل العدوى الذي وصفه بـ"الهزيل جدًا" مقارنة بالمخاطر اليومية التي يواجهها هؤلاء الأطباء، فضلًا عن المطالبة بأن تتحمل الدولة تكاليف التطعيمات الوقائية كاملة وبتغليظ العقوبات على كل من يعتدي على طبيب الامتياز جسديًا أو لفظيًا.

مشروع قانون

غير أن النقابة لم تكتفِ بالمطالبة، إذ أوضح الدكتور خالد الأمين، الأمين المساعد للنقابة، أن تضخم المشكلات جاء نتيجة مباشرة لزيادة أعداد الخريجين عقب تحويل سنة الامتياز الواحدة إلى سنتين، وهو ما تسبب في مضاعفة الأعداد لتبلغ نحو 40 ألف خريج سنويًا وسط توسع متسارع في الجامعات الخاصة والأهلية، مما وضع المنظومة برمّتها أمام تحديات غير مسبوقة.

وكشف الأمين، في تصريحات لـ"فكر تاني"، عن مشروع قانون متكامل يُعدّه للعرض على مجلس النقابة تمهيدًا لرفعه إلى البرلمان، يهدف إلى إنهاء حالة التخبط الراهنة من خلال إنشاء سلطة تنظيمية تعلو على المستشفيات والطلاب معًا.

ويرتكز المشروع، حسب الأمين، على ثلاثة محاور رئيسية، أولها وضع برنامج تدريبي ملزم وموحد لجميع المستشفيات الجامعية يحدد المهارات الطبية والسلوكية والإدارية المطلوبة، بدلًا من ترك الأمر للصدفة أو لحاجة كل مستشفى على حدة. وثانيها النص صراحة على منع استغلال أطباء الامتياز كبدائل للعمال والتمريض في مهام كنقل العينات أو توجيه المرضى، مع توفير سلطة رقابية تحمي الطالب من التنكيل الإداري الذي يُرغمه على قبول مهام مهينة تحت تهديد إعادة دورة التدريب. أما المحور الثالث فيتمثل في تحويل مسمى "المكافأة" إلى "مرتب" عادل يُربط بالحد الأدنى للأجور أو بنسبة الـ80% من راتب الطبيب المقيم، حتى لا يُضطر الطبيب الشاب إلى العمل في الصيدليات أو المراكز الطبية بصورة غير قانونية لتحسين دخله، أو الخروج من القطاع الصحي تمامًا.

وأشار الأمين إلى أن مشروع القانون سيخضع لحوار مجتمعي واسع، مؤكدًا أن مصلحة النقابة والمواطن معًا تقتضي أن يكون طبيب المستقبل مدرَّبًا تدريبًا حقيقيًا، لا مجرد رقم يسد فراغًا في مستشفى يعاني نقصًا في موظفيه.

لكن في الوقت الذي تتشكّل فيه هذه المقترحات وتنتظر طريقها إلى التشريع، يواصل أطباء الامتياز يومهم في المستشفيات ذاتها، بالمخاطر ذاتها، وبالمكافأة ذاتها. رحل حسام الفقي، وتتواصل تداعيات أزمة الشاطبي، لكن هذه القضايا تبقى شاهدةً على معادلة متأزمة تحتاج إلى إصلاح حقيقي، في منظومة تتأرجح بين اعتبار أطباء الامتياز "طلابًا" حين يطالبون بحقوقهم، و"شهداء" حين يفوت الأوان.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة