مركب صغير لا يتعدى طوله ثلاثة أمتار، غير أن قيادته تتطلب ذراعين قويتين وعقلًا حكيمًا وقلبًا لا يخشى غدر النهر المليء بالمخاطر. فوق ذلك المركب تجلس فتاة صغيرة تقبض على المجاديف بثبات وثقة، تروّض النيل كأنه يسمعها ويفهم ما تقول، وتعبر به شرقًا وغربًا بحثًا عن الرزق والأحلام.
عزة سيد طفلة لم تتجاوز ربيعها الثالث عشر، وقعت في غرام النيل منذ نعومة أظافرها، حتى باتت تعرفه ويعرفها جيدًا، في السابعة من عمرها اختبرت العوم في مجرى النهر الخطر وأتقنته بمساعدة والدها الصياد، ثم طلبت منه أن يتركها تجرب قيادة المركب بمفردها فنجحت في ذلك رغم صعوبة الأمر.
لم يتخيل أبوها قط أن ذراعيها الصغيرتين ستحتملان مشقة مصارعة التيارات المائية بالمجاديف لتوجيه المركب، لكن التحدي كان وقودها لتجاوز الصورة النمطية لتقسيم العمل بين الجنسين في بيئتها الريفية.
تقول عزة لـ"فكر تاني"، "احنا خمس أخوات ترتيبي بينهم الرابعة، بعد ولد وبنتين وآخرنا أخويا الصغير، لكن كلهم محبوش النيل ولا بينهم وبينه عمار، اتعلموا وقرروا يعيشوا حياتهم على البر، بس أنا كنت غيرهم. من أول مرة أبويا خدني فيها على المركب معاه، حبيت النيل واتعلقت بيه ومخوفتش منه زي الباقي. واللي زوّد إصراري إني أتعلم وأساعد أبويا هو إني لقيت مهنته اللي ورثها من جدي هتروح، وهيبدأ يكبر ومحدش معاه يساعده".
الإبحار مثل فتاة

تسترجع عزة نقطة التحول في قصتها وكيف انقلبت نظرة المجتمع المحيط بها إلى دافعٍ إيجابي، فتقول "مكنتش في الأول واخده الموضوع جد أوي عشان كنت صغيرة، بس بدأت أركز فيه جامد من وقت ما واحد من قرايبنا شاف أبويا وهو بيعلمني وقالي: أنتي بت يعني مش هتعرفي لا تجدفي ولا تصطادي وإن دي شغلانة ولاد ورجاله بس. وقتها حسيت إني خدتها تحدي وقولت محدش هيساعد أبويا غيري. وبعدها أتفوقت عليهم كلهم وبقيت بصطاد بالغزل وأرفعه، واتعلمت مواعيد الصيد وأمتى ألاقي البلطي وإزاي ألم المبروكة، وإزاي كمان أبيع وأشتري".
تسكن عزة مع والديها في "عزبة الأهالي" الواقعة بالقناطر الخيرية، تلك المنطقة الريفية التي بدأ تأسيسها في عهد محمد علي باشا عام 1847 لتنظيم ري الأراضي الزراعية في الدلتا، والتي تحوّلت على مدار عقود إلى مجتمعٍ عامر يعيش سكانها تاريخيًا على الزراعة والصيد والرعي، غير أنه مؤخرًا، ومع تيار الحداثة، اتجه كثير من أبناء العزبة للعمل في مهنٍ مختلفة هربًا من شقاء المهن التقليدية، لتقف عزة بمفردها سابحةً عكس هذا التيار، متمسكة بركوب النهر الذي طالما احتكره رجال العزبة.
وهي تمسك المجدافين بإحكام محاولة أن ترفع نبرة صوتها لتغطي على الهدير المنبعث من الشلال القريب، تتابع حديثها قائلة "الأول كنت بنزل مع أبويا وأتعلم وأساعد، لكن دلوقتي بقيت بعرف أنزل لوحدي. وأبويا وأمي بقوا واثقين فيا بعد ما شافوني بأقوّم المركب لوحدي مرة واتنين وعشرة، ومعملتش ولا غلطة، مع إن رجاله كبار بيعملوا غلطات كتير. أنا وخداها تحدي عشان مش عايزة حد يعاير أبويا إن بنته عملت حاجة مش صح في مركبه".
أحلام الريس عزة
حين سألناها عن أحلامها نظرت إلى الأفق البعيد في النيل وفكّرت طويلًا، كأنها انتقلت إلى مكانٍ آخر بينما تطوّق مجدافيها بإحكام، ثم قالت: "أنا دلوقتي في تانية إعدادي لسه وبذاكر كويس، بس مش عشان أشتغل بالشهادة وأبعد عن النيل زي ما أخواتي عملوا. أنا نفسي أفضل مراكبية بس أحوش فلوس كتير وأشتري مركب كبيرة وأبقى أنا الريّس بتاعها، لأني مش شايفة إنه عيب بنت تشتغل الشغلة دي مادام شاطرة وعارفة بعمل إيه".
تجسد عزة نموذجًا حيًا لظاهرة "التضامن الأسري المبكر"، التي تشكّل النسبة الأكبر من عمالة الأطفال، إذ تشير أحدث التقديرات العالمية الصادرة عن منظمة العمل الدولية واليونيسف في يونيو 2025 إلى أن نحو 138 مليون طفل حول العالم لا يزالون منخرطين في عمالة الأطفال. أما على الصعيد المحلي، فتوضح بيانات "المسح الصحي الأسري المصري" لعام 2010 المستخدمة في أحدث النشرات الإحصائية الصادرة عام 2024 أن نحو 1.3 مليون طفل في مصر يندرجون ضمن هذه الفئة.
وتكشف الأرقام الرسمية أن النسبة الأكبر من هؤلاء الأطفال، والبالغة 52%، يعملون في إطار العمل العائلي غير المأجور داخل مشروعات أو أنشطة الأسرة كقطاعَي الصيد والزراعة لدعم الدخل الأسري، في مقابل 18.9% في القطاع الصناعي و17.6% موزعين على قطاعات الخدمات.
وتتجلى قوة نموذج عزة في كونها تتحدى المؤشرات السلبية لهذه التقارير، فبينما يهدد العمل الاستمرار في المنظومة التعليمية ويحرم ملايين الأطفال من فرصهم المستقبلية، تصر عزة على الحفاظ على تفوقها في المرحلة الإعدادية، متجاوزة الخيار الصعب بين مساندة والدها وحقها في التعليم، لتثبت أن دعم الأسرة في مجتمعات الصيد يمكن أن ينبع من الشغف والتحدي لا من الاضطرار وحده.
"عندي مخ ولسان"

بوقوفها الشجاع على دفة المركب، تفتح عزة ملف العاملات غير المرئيات في قطاع الصيد بمصر، فرغم غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة التي ترصد أعدادهن بشكل تفصيلي نظرًا لطبيعة المهنة العشوائية، فإن الدراسات الحقوقية والعمالية تُقدر أن النساء يشكلن نسبة غير قليلة في سلاسل إنتاج الصيد لحساب الأسر.
وتكمن الأزمة الحقوقية في أن الغالبية العظمى من هؤلاء النساء والفتيات يعملن بلا أي غطاء تأميني أو حماية قانونية أو رعاية صحية تجاه مخاطر المهنة الشاقة، وأحيانًا بلا أجرٍ أيضًا، مما يجعلهن الفئة الأكثر هشاشة وعرضة للمخاطر الاقتصادية والجسدية في مجتمعات الصيد المحلية. وهكذا تظل مجاديف عزة الصغيرة صرخة مبكرة من أجل الاعتراف والتمكين والمساواة.
رغم ذلك تختتم عزة حديثها لـ"فكر تاني" بنبرةٍ تملؤها القوة والثقة، قائلة "كل ما أنزل أصطاد أو أجدف، حد من المراكبية أو قرايبي يرمي كلمة إنه على آخر الزمن بنت بتقوّم مركب لوحدها وكمان صغيرة، لكن أنا كلامهم مبقاش يزعلني قد ما بيخليني أصر إني أتعلم أكتر وأعرف عن النيل والتيارات وأنواع السمك الموجود والمد والجزر وكل حاجة أكتر. حتى إني أنزل بالمركب في الشتا وبحاول أتعلم إزاي أتصرف في الريح وكل حاجة، لأني مش ناقصة حاجة عن أي ولد. أنا عندي مخ ذكي وعندي دراع قوي، وكل ما أجدف أكتر يزيد قوة. وهفضل في النيل لآخر يوم في حياتي لأني أتعلقت بيه أوي".