تزوّجت سميّة* قبل خمسة وعشرين عامًا، وبعدما رزقت بطفليها، استحالت الحياة مع زوجها المعنِّف الذي كان يتلذّذ بضربها أمام أطفالهما، وحين هربت من عنفه وغادرت المنزل، اتصلت بها جارتها لتُخبرها أنه أفرغ شقّتهما من الأثاث كلّه.
تتذكّر سميّة، التي تعمل معلمة، خلال حديثها مع "فكر تاني"، ما عانته مع زوجها من إهانة وسب وحبس وإذلال، وضرب انتهى بكسر في ذراعها وأحد أضلعها، وهو ما جعلها تطلب الطلاق خوفًا على حياتها، غير أنّ الزوج واجهها بردٍّ قاطع "مش هطلقك، هخليكي زي البيت الوقف، وخدت العفش بتاعك وهتجوز عليكي"، فلجأت إلى القضاء مستجدية الطلاق وحقوقها ونفقة صغارها، فوجدت في مقابل ذلك إنذار طاعة رفعه الزوج ضدّها، ومضت الدعاوى بينهما في المحاكم أكثر من خمس سنوات قبل صدور الحكم.
ولم يقف الزوج عند هذا الحدّ، إذ لجأ إلى التلاعب بمسار القضية تلاعبًا مقصودًا، تقول سميّة "رفعت دعوى نفقة، وتمكين شقة عشان أنا حاضنه، لما عرف عمل محضر إنه بيدفع إيجار مسكن تاني، وكتب عنوان مزيّف، ومعرفتش بمعاد الجلسة، واتحفظت غيابي". أما فيما يخص النفقة، فالتفّ الزوج حولها بأسلوبٍ آخر، إذ طلب من مديره في العمل استقالة صورية أرفقها بأوراق القضية، فحكم القاضي في نهاية المطاف بنفقة قدرها 50 جنيهًا للطفلين، وذلك عام 2010، ولم تحصل سميّة حتى اليوم على قائمة منقولاتها أو أي من مستحقاتها.
استطاع زوج سميّة قبل أكثر من عقد أن يلتفّ على حقوقها باستغلال ثغرات قانونية مكنته من ذلك، ولم يكن الوحيد في هذا المسلك، إذ باتت تلك الثغرات مدخلًا للانتقام من الشريك في أثناء الانفصال، ما شكل أزمة اجتماعية حادة بلغت ذروتها بحوادث انتحار وقتل، ما دفع الحكومة إلى تقديم مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية وفرضه على طاولة النقاش الجماهيري، فهل يستطيع هذا المشروع تحقيق العدالة المفقودة، والانتباه للثغرات القانونية التي حوّلت بيوت المصريين إلى ساحات حرب مفتوحة؟
الطاعة في مواجهة النفقة
لم تكن قصة سميّة حالة معزولة في هذا المشهد المعقّد، فقد اقترنت سعاد قبل عشر سنوات بأحد أقاربها، وكان يضربها منذ بداية الزواج، ثم ازداد عنفه شراسة بعد حملها في طفلهما الأول، لاعتقاده أن الحمل ضمانة لبقائها في العلاقة مهما فعل، وعلى الرغم من رغبتها في تحرير محضر ضده، منعتها العائلة من ذلك.
تحكي سعاد، لـ"فكر تاني"، كيف ازداد عنفه بعد إنجاب طفلهما الثاني، حيث كان يحبسها مع الأطفال في المنزل أيامًا متواليةً دون أن تعلم متى يعود. وتقول متأسّفةً "ندمت إني معملتش محضر فيه، وبسبب ده مقدرتش أرفع قضية طلاق للضرر، ورحت دار الإفتاء حكيت للشيخ الي بيعمله فيا، وأيد فكرة الطلاق"، غير أنّ الزوج قابل طلب الطلاق فورًا بإنذار طاعة واتهمها بالنشوز، وأرسل الدعوى إلى عنوان خاطئ ما أسقطها عنها، ثم تهرب من نفقة طفليه بتقديم شهادة طبية تفيد بإصابته بمرض الصرع رغم امتلاكه تجارة عائلية مربحة، وظلّت سعاد أربع سنوات لم تحصل فيها على أي نفقة للأطفال.
وترى المحامية انتصار السعيد، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، أن الفكرة المحورية في مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد تتمثّل في تقليص الثغرات التي كانت تُستغل في النزاعات الأسرية، مؤكدة أنه لا يوجد قانون قادر على منع التلاعب بشكل كامل، إذ عادة ما ينتقل التحايل من ثغرة إلى أخرى، فيما يتمثل دور القانون في جعل هذا التلاعب أكثر صعوبة ومنح المحكمة أدوات أفضل للتحقق والفصل في النزاعات.
وتوضح انتصار خلال حديثها لـ"فكر تاني" أن المشرع انتبه جيدًا لتلك الثغرات، وهو ما يتجلى فيما يناقشه المشروع من إلزام جهات العمل الحكومية والخاصة بتقديم بيانات تفصيلية عن الدخل الحقيقي للمُلزَم بالنفقة، بما يشمل الراتب والحوافز والبدلات والمزايا المالية المختلفة، وذلك بناء على طلب محكمة الأسرة، في محاولةٍ لمعالجة مشكلة إظهار دخل أقل من الواقع بهدف تقليل قيمة النفقة المستحقة.
وعلى المنوال ذاته سار زوج زينب المتزوجة قبل ثماني سنوات، الذي كان يعاني من مرض الفصام وما يُصاحبه من ضلالات بصرية، حتى وصل الأمر إلى محاولته خنق ابنها. وعلى الرغم من صبرها عليه سنوات طويلة من أجل توأمها، فإن ست سنوات من الزواج كانت أكثر من كافية لتطلب الطلاق للضرر. تسترجع زينب رحلة الطلاق التي امتدّت عامين من القلق والتوتر، ثم نالت في نهايتهما حضانة طفليها، غير أن الزوج زوّر أوراقًا تُفيد بعدم صلاحيتها للحضانة، وتقول زينب لـ"فكر تاني"، "مكنتش عايزة حاجة غير ولادي، حاولت بكل الطرق لحد ما خدتهم، أما الشقة فكتبها باسم أخته عشان مقعدش فيها، وخد عفشي كله ومعرفتش أعمل تبديد، لكن عيالي في حضني بالدنيا وما فيها".
وأصر الزوج على الإضرار بأطفاله حتى النهاية، فقدم مفردات راتب مزورة تُشير إلى دخل قدره ألفا جنيه، في حين كان راتبه الأساسي ثلاثين ألفا، فحكمت المحكمة بناء على ذلك بألف جنيه فقط للطفلين، ما وضع الأم تحت ضغط مضاعف لإعالتهما.
وتؤكد انتصار السعيد أن بعض صور التلاعب تظل قائمة عمليًا، لا سيّما في حالات العاملين لحسابهم الخاص أو من يتلقون جزءًا من دخولهم بصورة غير رسمية، فضلًا عن إمكانية نقل بعض الأصول والأموال بطرقٍ يصعب إثباتها. وتشير إلى أن الفصل في هذه الحالات مرتبط بالأدلة والتحريات والمستندات التي يمكن تقديمها للمحكمة. وفيما يخص ادعاءات عدم الأهلية للحضانة، تُشدد المحامية على الاتجاه الواضح في مشروع القانون المتمثّل في ربط قرارات الحضانة بمبدأ مصلحة الطفل الفضلى، ومنح المحكمة سلطة أوسع في تقييم الظروف الفعلية لكل حالة بدلا من الاكتفاء بادعاءات أحد الطرفين.
الأبناء كورقة ضغط
لا يقتصر استغلال الثغرات القانونية كأداة ضغط على الرجال تجاه النساء وحدهم، إذ تلجأ بعض النساء كذلك إلى أساليب مماثلة من خلال الأبناء الذين يُوظَّفون ورقة ضغط على الأب في مسائل الرؤية والاستضافة. فقد طلّق أحمد عبد الله زوجته بعد تسعة أشهر فحسب من زواجهما، وكانت في شهرها الثالث من الحمل بطفلهما الوحيد، وذلك على خلفية شجارات عنيفة اشتعلت بسبب رغبتها في استئجار منزل مستقل لم يتمكّن من توفيره لضيق ذات اليد، فأقامت الزوجة عدة دعاوى قضائية شملت نفقات زوجية ونفقة صغير وأجر مسكن وقائمة طويلة من المستحقات، في حين اقتصر تحركه القانوني على دعوى رؤية الطفل الذي وُلد بمشكلات صحية تستلزم متابعات طبية دورية.
يحكي عبد الله لـ"فكر تاني"، قائلًا "كل ما أطلب أكشف على ابني كانوا بيقولي ملكش عندي غير تلات ساعات"، ورغم التزام طليقته بتنفيذ حكم الرؤية، فإنه يرى في تلك المدة وقتًا لا يكفي لبناء علاقة طبيعية مع طفله، ما أشعل الخلافات من جديد حتى انتهت بتحرير محضر تعد ضده، ولا تزال الدعوى معلقة لم تُنظر قضائيًا.
وتتّفق نيفين عبيد، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة المرأة الجديدة، مع انتصار السعيد في أن الأصل في التعامل مع النزاعات الأسرية هو وضع "مصلحة الطفل الفضلى" في مقدمة الاعتبارات، لا سيما في الحالات التي تتضمن ادّعاءات بوجود اضطرابات أو أمراض نفسية لدى أحد الوالدين، وهي ثغرة كثيرًا ما تُستغل في قضايا الحضانة. وتضيف أن مثل هذه القضايا تعكس في جوهرها شكلًا من أشكال العنف الأسري يستوجب تدخلًا أكبر من الدولة عبر توفير خدماتٍ صحية ونفسية متخصصة، وإجراء تقييماتٍ وتحقيقات دقيقة تستند إلى أسس علمية، بما يكفل حماية الأطفال وعدم توظيف الادعاءات النفسية أو الطبية وسيلة للإضرار بالطرف الآخر أو التأثير على قرارات الحضانة.
وتشدد نيفين، خلال حديثها لـ"فكر تاني"، على ضرورة أن تتحمل الدولة مسؤولية أكبر في إدارة النزاعات الأسرية وتقديم الدعم للأسر التي تواجه أزمات اقتصادية أو صحية، معتبرة أن توفير خدمات الحماية الاجتماعية والنفسية الفعالة يُقلص المشكلات المرتبطة بقضايا الأحوال الشخصية.
وتتأمل عضو مجلس النواب أميرة عدلي مفهوم "مصلحة الطفل الفضلى" من زاوية أشمل، مبينة أن اختزاله في الاستضافة أو الحضانة فحسب لا يُحقق الهدف المنشود، وأنه ينبغي أن يمتد ليشمل معايير واضحة للبيئة الآمنة التي يعيش فيها الطفل، وآليات للتعامل مع حالات العنف أو الإساءة، وجهات مسؤولة عن متابعة أوضاع الأطفال والتدخل عند الضرورة.
كما تشير إلى أن المشروع يقدم علاجًا جزئيًا لأزمة ترتيب الحضانة بتقديم الأب في الترتيب، لكن دون وضع ضوابط كافية تحمي الطفل من مخاطر العنف أو تعاطي المخدرات أو غيرها من العوامل المؤثرة في سلامته، تاركًا بذلك مساحة واسعة للتقدير القضائي.
الممتلكات كسلاح
لا تقتصر معاناة المتقاضين أمام محاكم الأسرة على حالات العنف أو التهديد، بل تمتد لتشمل صورًا أكثر تعقيدًا من الاستغلال المالي والعاطفي، حيث تتحول الممتلكات والأبناء إلى أدوات مساومة قاسية. وتعكس هذه الصورة قصة أيمن عبد العاطي الذي فقد كل ما يملك، حتى أبناءه.
يُشير أيمن إلى أن الخلافات مع زوجته بدأت قبل ثلاث سنوات، حين تعرضت شركته الخاصة لخسائر كبيرة انتهت بإفلاسها، فتوترت علاقتهما بعد استقرار دام ثماني سنوات وأثمر طفلين. وفي أشد لحظات الأزمة يقول أيمن "في عز أزمتي وبعد الدنيا ما اتقلبت عليا، طلبت زوجتي الطلاق"، ثم غادرت المنزل وأقامت ضده عدة دعاوى أسرية، وبعد تدخلات عائلية للصلح، طالبته بتسجيل الفيلا والسيارة باسمها، ففعل. وبعد فترة وجيزة أقامت ضده دعوى خلع، وهو ما لا يزال حاضرًا بمرارة في قلبه "نفذت كل اللي طلبته وحاولت أبدأ من جديد، لكن في الآخر خلعتني وفلستني وخدت ولادي وسافرت برة البلد".
ومع ذلك، فإن ما يثقل أيمن ليس فقدان الممتلكات، وما يغضبه ليس القضايا التي واجهها، قدر ما يؤلمه بعده عن طفليه، إذ يقول لـ"فكر تاني"، "أنا مش زعلان على الفيلا ولا العربية، أنا زعلان إنّ مش عارف أشوف ولادي".
وفي مواجهة هذه الصورة المعقدة، توضح المحامية مها أبو بكر أن الحديث عن ثغرات في مشروع القانون الجديد سابق لأوانه، باعتبار النص المطروح حتى الآن مشروعًا قابلًا للحذف والإضافة قبل إقراره بشكل نهائي.
وتؤكّد في تصريحات لـ"فكر تاني"، نقاط جوهرية ينبغي إقرارها، في مقدمتها إلزام المقبلين على الزواج ببرامج تأهيل نفسي واجتماعي وأسري، وإجراء فحوصات طبية ونفسية وتحاليل للكشف عن تعاطي المخدرات. كما دعت إلى إنشاء هيئة تابعة لمحكمة الأسرة تضم متخصصين في الجوانب النفسية والاجتماعية والقانونية، تتولى دراسة الحالات وإعداد تقارير فنية تُعين القاضي على اتخاذ قراراته، إضافة إلى متابعة الأسرة بعد انتهاء النزاع لتحقيق "إصلاح ذات البين".
في المقابل، بدا المحامي عبد الفتاح يحيى من مؤسسة قضايا المرأة أقل حماسًا للمشروع، إذ قال إنه لا ينجح بشكل كامل في سد الثغرات القانونية، موضحًا أن أبرز الإشكاليات تبدأ من عدم تحديد المشروع بصورة واضحة للجهات المختصة بالتحري عن الدخل الحقيقي للمُلزَم بالنفقة، ما قد يُبقي باب التلاعب مفتوحًا، فضلا عن ترك مفهوم مصلحة الطفل رهينا لتقديرات فضفاضة قد تُضر بمصلحته أو بأحد الطرفين وفق رؤية الأفراد المسؤولين.
بين النص والتطبيق
اتفق الخبراء على أهمية جعل حماية الطفل محورًا لأي تشريعٍ للأحوال الشخصية، وشددت المحامية مها أبو بكر على أهمية وضع آليات لمتابعة أوضاع الأطفال داخل الأسر التي تعاني من مشكلات أو نزاعات، سواء أكانت الأسرة منفصلة أم ما زالت قائمة، مع تعزيز دور المدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية في نشر الوعي بحقوق الطفل وآليات الإبلاغ عن أي انتهاكات يتعرض لها. وتشير نيفين عبيد من جهتها إلى ضرورة خلق آلية تضمن متابعة مستمرة للأطفال بعد وقوع النزاعات الأسرية أو الطلاق، مؤكدة أن الاكتفاء بالأحكام القضائية دون متابعة فعلية يفتح المجال أمام استمرار الأزمات والتلاعب بحقوق الأطراف المختلفة.
وترى النائبة أميرة عدلي أن المشروع يستهدف حل مشكلات وقعت بالفعل دون امتلاكه رؤية متكاملة للحفاظ على كيان الأسرة، أو فلسفة ينطلق منها لتحقيق توازن اجتماعي، ضاربة المثل ببند الاستضافة الذي تعتبره أكثر النصوص إثارة للجدل، إذ لم يُقدم النص ضمانات أو معايير واضحة لتنفيذه أو حلولًا للتعامل مع طوارئ من قبيل عدم إعادة الطفل، ما قد يُديم الخلافات بدلًا من حلها. وتنتقد عدلي كذلك بعض المواد المتعلقة بالطلاق، مُعتبرة أن ثمة تناقضًا في الفلسفة التشريعية بين السعي إلى تقييد الطلاق خلال السنوات الأولى من الزواج وبين استحداث بعض حالات فسخ عقد الزواج أو إعادة تنظيمها، ما قد يُفضي إلى حالة من عدم الاتّساق داخل القانون.
في المحصّلة، تسعى الدولة إلى إيجاد آلية قانونية للفصل في قضايا الأحوال الشخصية بما يتماشى مع رؤيتها في الحفاظ على الأسرة المستقرّة باعتبارها نواةً صحيّة لمجتمعٍ متماسك، وبينما يرى فريق أن ما طُرح خطوة في الاتجاه الصحيح لسدّ بعض الثغرات، يُشدد فريق آخر على أن المشكلة لا تكمن في النصوص وحدها، وإنما في غياب آليات التطبيق الفعّالة والمتابعة المستمرّة. وسط كل هذا، يبقى الأطفال الضحية الوحيدة في نزاعات حولت بيوت المصريين إلى ساحات حرب مفتوحة، في انتظار تشريع يضع "مصلحة الطفل الفضلى" فعليًا لا نظريًا فوق كل اعتبار.
- اسم مستعار.