تستدعي الدعوات الأخيرة التي رفعت شعار "العدالة الأسرية" في مجتمعنا نماذجَ وتجاربَ مستوردةً من سياقات غربية، تختلف بنيويًا وجذريًا عن واقع المجتمع المصري وتفاصيله الحية.
ورغم أن هذه الدعوات تتلفع في ظاهرها برداء التوازن البراق، وتدّعي السعي الحثيث لتقليل النزاعات وضمان مصلحة المحضون، فإنها تنطوي في عمقها على إشكاليات جوهرية خطيرة، إذ تحاول إسقاط تلك النماذج قسرًا على أرضية مغايرة، متجاهلةً الفوارقَ العميقة في البنى الاقتصادية والقانونية والاجتماعية التي تشكّل حقيقة هذا الواقع.
فلا يمكن بحال التطرق إلى الحديث عن "حضانة مشتركة" دون تفكيك واعٍ لعلاقات القوة التي تُضعف من وضع النساء في هذه المنظومة، وتمنح الأبَ في المقابل سلطاتٍ واسعة تكاد تكون غير قابلة للمساءلة أو النقد
ثم يأتي، في سياق الطرح ذاته، الحديث عن مسألة التشاركية في نفقات الأبناء، دون أدنى اكتراث أو التفات لمعاناة النساء اليومية في سوق العمل، ومحدودية مواردهن وفرصهن المتاحة مقارنةً بالرجال.
وهم المساواة
تنطلق هذه الرؤية الوافدة من فرضية قاصرة، تتعامل مع الأسرة بوصفها "مساحةً محايدة" وفضاءً مثاليًا يتيح صياغةَ توازن موضوعي بين طرفين متكافئين في القوة والفرص، بيد أن الواقع المصري الفعلي يعري هذا الافتراضَ تمامًا ويسقط عنه ورقةَ التوت، فالنساء في مجتمعنا لا يدخلن مؤسسة الزواج، أو يخرجن منها، من موقع متساوٍ مع الرجال، لا من الناحية المادية أو الاجتماعية.
فإذا ما استنطقنا لغةَ الأرقام الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، سنجد أن مشاركة المرأة في سوق العمل ما تزال متدنيةً للغاية، إذ لا تتجاوز حدود 15% في مقابل 74% للرجال، مما يُقلّص حظوظها في الاستقلال المادي ويجعلها تابعةً اقتصاديًا في كثير من الأحيان. وينعكس هذا الخلل البنيوي بشكل صارخ في فجوة أجور تبلغ 23% لصالح الرجال في القطاع الخاص، وفقًا لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، فضلًا عن تحمّل النساء العبءَ الأكبر والأقسى من أعمال الرعاية والعمل المنزلي غير المدفوع الأجر.
وتؤكد دراسة "العمل غير المدفوع من منظور النوع الاجتماعي"، المنشورة في مجلة السكان، أن نسبة مشاركة النساء في هذا النوع من العمل الشاق تبلغ 69.5% مقابل 9.6% فقط للرجال، بفجوة هائلة تقارب ستين نقطةً مئوية.
ولا يقف أثر هذه الاختلالات عند حدود المجال الاقتصادي الضيق، بل يمتد ليعصف بقدرتها على التفاوض وفرض شروطها داخل البنية الأسرية وخارجها، إذ إن الاستقلال المادي ليس مجرد مؤشر اقتصادي جاف، وإنما أحد أهم مصادر القوة الاجتماعية والقانونية.
وفي هذا الواقع المأزوم، عندما تدخل المرأة علاقةَ زواج وهي أقل دخلًا أو بلا دخل مادي على الإطلاق، فإن قدرتها على تحمّل تبعات الانفصال وكلفته تصبح ضئيلةً ومحدودةً مقارنةً بالرجال. ومن ثَمَّ، فإن أي مقاربة تشريعية تتعامل مع الطرفين بوصفهما فاعلين متكافئين في الواقع، هي مقاربة تتعمد تجاهلَ واقع تتوزع فيه الموارد والفرص ومراكز القوة بصورة غير متساوية البتة.
والأكثر دلالةً وعمقًا، أن هذه الفجوة لا تتلاشى أو تذوب بارتفاع المستوى التعليمي أو مؤشرات الثروة، بل تستمر وتتمدد عبر كل الفئات والطبقات الاجتماعية، ما يؤكد أنها ليست نتاجَ اختيارات شخصية عابرة، وإنما بنية نمطية متجذرة تعيد إنتاج فقر النساء وإقصائهن بشكل ممنهج.
وفي ظل هذه الأرقام والوقائع الحية، يصبح الحديث عن "شراكة متكافئة" أو "نفقات مشتركة" نوعًا من الترف النظري والعمى الفكري المنفصل تمامًا عن أنين الواقع.
تشريع بلا مخالب
تتبدى الإشكالية الثانية، والأكثر قسوةً، في محاولة عزل منظومة الأحوال الشخصية عن واقع العنف المادي والمعنوي الممارَس ضد النساء خلف الأبواب المغلقة، وهنا يتغافل المشرّعون عن سؤال مركزي موجع، ماذا عن النساء اللواتي يغادرن، في الأصل، علاقات زوجية قامت على التنكيل والتهديد وفرض السيطرة؟ وكيف يستقيم في منطق العقل والعدل الحديثُ عن "أبوة متوازنة" في غياب آليات قانونية وتنفيذية حقيقية تحمي الضحايا، وتضع حدًا لمعاناة يومية مريرة يعرفها الجيران المحيطون بالمنزل قبل أن تعرفها ردهات المحاكم؟
تخبرنا إحصاءات جهاز التعبئة والإحصاء بأن زهاء 8 ملايين امرأة وفتاة يتعرضن للعنف سنويًا في مصر، في وقت تخلو فيه القوانين الحالية من نصوص صريحة قاطعة ومباشرة لتجريم العنف الأسري والمنزلي.
وتظل الضحية في هذه الدائرة المفرغة مطالَبةً بتقديم أدلة شبه مستحيلة لإثبات ما وقع عليها، في ظل غياب شهود عيان أو صعوبة الحصول على تقارير طبية فورية تؤكد واقعةَ العنف التي تعرضت لها، مما يُحمّلها وحدها عبءَ الإثبات الثقيل وسط مجتمع يميل للستر والتغطية على حساب الضحية.
ويكشف هذا الفراغ التشريعي القاتل عن محدودية المقاربة القانونية القاصرة في التعامل مع العنف الأسري بوصفه قضية مؤسسية مجتمعية تتطلب تدابير حماية قوية وصارمة، الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية وهادفة حول موقع سلامة النساء وأمنهن الشخصي داخل أولويات الإصلاح التشريعي الراهن. إن الحقيقة المرة تشير إلى أن النساء لا يزلن خارج منظومة أولويات التشريع الحقيقية، فأي قانون لا يضع "ميزان القوى المختل" والعنفَ المنزلي في صدارة حساباته وتوازناته، يتحول عمليًا بمرور الوقت إلى أداة قهر تكرّس إذعان النساء، وتجبرهن قسرًا على الاستمرار في علاقات سامة ومهينة تحت لافتات براقة ومخادعة مثل "الاستقرار الأسري" أو "توازن الحقوق والمراتب".
إن أي إصلاح حقيقي جذري وبنيوي لقوانين الأسرة في مصر يجب أن يبدأ من نقطة أساسية وجوهرية واحدة لا ثانية لها، وهي تشييد منظومة حماية حاسمة فورية ورادعة للنساء والأطفال، والاعتراف الشجاع والمسؤول بأن الأسرة في كثير من الحالات والبيوت ليست واحةً للأمان والاستقرار، بل ساحة لعنف منهجي تتشابك وتتقاطع فيه السلطة الاقتصادية بالسلطة الجسدية والسلطة القانونية. ومن دون هذا الاعتراف الجريء بوجود الخلل، يظل كل حديث منمّق عن "الإصلاح" مجردَ إعادة تدوير لأدوات القهر والسيطرة تحت عباءة الحداثة الزائفة والمصطلحات البراقة، وأن تجاهل هذه الاستحقاقات العادلة والتفاوضَ عليها ما هو إلا محض خطاب يبحث عن مزيد من الامتيازات والسلطات الذكورية، مُعمّيًا عن رؤية ميزان القوى المختل على أرض الواقع.
معركة التنفيذ و"شيطنة" الطرح النسوي
يتناسى الخطاب السائد والمدافع عن هذه الأفكار المستوردة أن أزمة قوانين الأسرة في مصر لا تكمن في فضفاضية النصوص التشريعية وجفافها فحسب، بل تتبدى بوضوح في مشقة انتزاع الحقوق القائمة والمقررة بالفعل في أحكام القضاء، فالنساء في مصر يخضن معارك قضائية منهكة مريرة وطويلة الأمد لسنوات وسنوات، فقط للحصول في النهاية على فتات "نفقة" لا تُغني ولا تُسمن من جوع، أو لتأمين الحد الأدنى من الرعاية الاقتصادية الضرورية للأطفال، وسط تعقيدات بالغة ومقيتة في إثبات دخل الزوج الحقيقي، وصعوبة جمّة في تنفيذ تلك الأحكام الصادرة.
وأمام هذه المأساة اليومية المتكررة في آلاف الأسر، يبدو الادعاء مرتفع الصوت بأن "قانون الأسرة ينحاز ضد الرجال" ادعاءً فجًّا ينفصل تمامًا عن واقع مرير تعيشه أمهات يصارعن ليل نهار لتأمين لقمة العيش لأطفالهن.
وفي المقابل من ذلك، يُختزل المشروع النسوي والمطالبات الحقوقية بتبسيط مخلٍّ ومجحف، يصوره كأداة هدم لتأجيج الصراع بين الجنسين، أو خطة خبيثة لإقصاء الآباء وتهميشهم من حياة أبنائهم. هذا الطرح السطحي يشوّه المسعى النسوي الحقيقي والنبيل، الذي يهدف أساسًا وبشكل موضوعي إلى تفكيك الخلل الهيكلي في علاقات القوة داخل المجتمع وإعادة التوازن المفقود، وليس خلقَ عداوات مجانية أو معارك صفرية بين الرجل والمرأة.
فبدلًا من معالجة انهيار آلية التنفيذ ومراوغة المحكوم ضدهم كأزمة دولة حقيقية تمس حقوق الإنسان الأساسية، توظف هذه الفوضى ذاتها وتبعاتها ذريعةً لإعادة إنتاج وتصدير خطاب معادٍ للنسوية ولحقوق المرأة، فكلما رفعت النساء صوتَهن مطالِباتٍ بقوانين أكثر إنصافًا وأقرب إلى العدالة، أو طالبن بآليات تنفيذ جادة وصارمة للأحكام القضائية، قُوبلن فورًا بالاتهام الجاهز: "تفكيك الأسرة" أو "التحريض ضد الرجال والآباء". هكذا، وببساطة شديدة، تتحول معاناة الملايين من الأمهات العاجزات عن انتزاع نفقة أطفالهن من أب قادر ماديًا ولكنه مختفٍ ومتوارٍ خلف قضايا "إعسار" مزيفة واهية، إلى مجرد "صوت نسوي مزعج" و"صخب بلا معنى" يجب إسكاته وتهميشه في الفضاء العام.
نحو عدالة فعلية لا مجردة
إن حماية حق الطفل في نشأة سوية سليمة ومستقرة تحت رعاية كلا الوالدين قضية إنسانية نبيلة، غاية في الأهمية وشديدة التعقيد في آن واحد، لكن هذه الحماية المنشودة لن تتحقق أبدًا بغض الطرف عن موازين القوى المختلة والظالمة داخل الأسرة، ولا بتقديم النساء -عبر وسائل الإعلام والخطاب السائد- وكأنهن الطرف المهيمن والمستبد في نظام اجتماعي وقانوني ما زال في أصله وفصله يمنح الرجالَ الامتيازات الأوسع والسلطةَ الأقوى.
إن "العدالة الأسرية" الحقيقية والمنصفة لا تُبنى على شعارات التوازن المجردة والأفكار المعلبة المستوردة، بل تبدأ بالضرورة من الاعتراف الشجاع بالفجوات القائمة على الأرض، والعمل الجاد على جسرها وتذليلها اقتصاديًا وقانونيًا واجتماعيًا، بما يضمن صون الأطفال وحمايتهم، دون تكبيد النساء فاتورةَ هذا الاستقرار الزائف من كرامتهن وحقوقهن الأساسية.