قبل أن تداهم قوات الأمن منزلها في أكتوبر 2024، كانت الفنانة التشكيلية نجلاء سلامة، زوجة الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق، تلتزم طقسًا يوميًا لا تحيد عنه، تمسك بفرشاتها، فيصورها زوجها بينما ترسم، أو يجلسان معًا في صمت القراءة المشترك. غير أن شيئًا ما انكسر في تلك الحياة منذ ألقي القبض على فاروق، فباتت تقول بحسرة ظاهرة، "نادرًا ما أرسم حاليًا."
على صفحتها في فيسبوك، حوّلت نجلاء كل يومٍ منذ القبض على زوجها إلى شاهد على غيابه، تنشر في الصباح، "صباح الخير يا عزيز عيني"، وتعود في المساء بالكلمات ذاتها، مرفقةً بصورة تجمعهما، مطالبةً بالإفراج عنه في كل مرة.
من منزله إلى قفص الاتهام
ألقت قوات الأمن القبض على عبد الخالق فاروق، عضو نقابة الصحفيين، 20 أكتوبر 2024، حين اقتحمت منزله وفتّشته، وأخذت معها مسودات كتبه ولابتوبه وهاتفَيه المحمولَين، قبل أن تحيله نيابة أمن الدولة العليا إلى التحقيق في القضية رقم 4937 لسنة 2024، وتوجّه إليه جملةً من الاتهامات شملت "الانضمام إلى جماعة إرهابية وتمويلها، وبث شائعات وأخبار كاذبة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي"، وكل ذلك على خلفية مقالات اقتصادية نشرها، كجزء من عمله الصحفي النمطي.
وبعد عام على التحقيق معه، أحيلت أوراقه يوم 25 سبتمبر الماضي، إلى محكمة جنح الشروق دون إخطار محامية، وفي الجلسة الثانية المنعقدة في 4 أكتوبر الماضي، صدر بحقه حكم بالسجن خمس سنوات بتهمة "نشر أخبار كاذبة"، في جلسة لم يُمكَّن فيها الدفاع من مرافعة أو حتى من الاطلاع على أوراق القضية، فيما أصرّت المحكمة على الاستماع إلى مرافعة النيابة وحدها، وفي 25 ديسمبر الماضي، أيّدت محكمة الاستئناف الحكم في مجمله.
مرض وحرمان
لا تقتصر معاناة فاروق على سلب الحرية، إذ تكشف زوجته، في تصريحاتها لـ"فكر تاني"، أنه لا يرى الشمس، ومنعوا عنه حق الاختلاط بسواه إلا بشخص واحد في زنزانته، ويتريض منفردًا يوميًا، فضلًا عن حرمانه من الورقة والقلم ومن معرفة أي أخبار.
وتزيد على تلك الظروف أمراض جسدية متعددة يعانيها، من ضغط الدم والسكري إلى مشكلات في الشريان التاجي والقلب والكلى وبعض أمراض العظام. وفي هذا السياق الصعب، تقدّم محاميا الدفاع خالد علي وكمال أبو عيطة بطعن في حكم السجن، مرفقًا بالتقارير الطبية، في انتظار تحديد موعد جلسة النقض الذي لم يتقرر حتى اليوم.
واستقطبت قضية فاروق تضامنًا واسعًا من مثقفين وكتّاب وسياسيين وصحفيين ومحامين وشعراء، وإن كانت نجلاء سلامة تُعرب عن شكرها لهم جميعًا، لتعترف في الوقت ذاته بقيود هذا التضامن، حين تقول، "معتقدش كفاية التوقيع والكتابة عنه وعن صحته، بس برضه معرفش أيه ممكن يتعمل."
مفكر لم يُسكته الحبس
وُلد عبد الخالق فاروق في يناير 1957، ودرس الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة حتى تخرج عام 1979، ثم أتبع ذلك بليسانس الحقوق عام 1992 ودبلوم في القانون العام عام 1997. ولم يتوقف عند هذا الحد، إذ سافر إلى اليابان وحصل على دبلوم في إدارة الجهاز الحكومي القومي من معهد الإدارة العامة عام 1998. وعبر مسيرته المهنية الطويلة، عمل باحثًا اقتصاديًا في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، ثم في مكتب رئيس الوزراء، والهيئة المصرية للرقابة على التأمين، وصولًا إلى الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة. وتوّج مسيرته بجائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاقتصادية والقانونية عام 2003، وجائزة أفضل كتاب اقتصادي عام 2002.
ةلم يكتفِ فاروق بالبحث الأكاديمي بعيدًا عن الرأي العام، بل واظب على الكتابة الصحفية والمشاركة في النقاش العام. وكان كتابه "هل مصر بلد فقير حقًا؟"، الصادر عام 2018، الذي ناقش أسباب الأزمة الاقتصادية وانتقد السياسات الحكومية، سببًا في مصادرته من المطبعة وإلقاء القبض على صاحبها إبراهيم الخطيب، إلى جانب إلقاء القبض على فاروق نفسه في أكتوبر 2018، قبل أن يُفرج عنهما لاحقًا. أما كتابه الآخر "اقتصاديات الفساد في مصر" فأضاف إلى رصيده النقدي المتراكم ما جعله هدفًا يصعب تجاهله.