مشروعات الأكل البيتي.. نساء يطهينَ أحلامهنّ بالستر

تستيقظ فاطمة حسام كلَّ صباح في السابعة، لتبدأ تجهيز وجبات الطعام التي استقبلتها في اليوم السابق، وعيناها في الوقت ذاته على طفلها الصغير الذي لا يفارق خاطرها.

منذ انفصالها عن زوجها، باتت مضطرة إلى إيجاد مصدر رزق لا يُجبرها على الاختيار بين العمل والأمومة، فوجدت في مطبخها ما كانت تبحث عنه. "أنا عندي بيبي صغير، كنت محتاجة أشتغل وفي نفس الوقت أكون جنبه، فقلت أشوف إيه الحاجة اللي أعرف أعملها وأشتغل بيها من البيت، وملقتش غير المطبخ"، تقول فاطمة في حديثها لـ"فكر تاني"، مضيفةً أنها استطاعت منذ بدء عملها قبل خمسة أشهر أن تُكوِّن قاعدة عملاء لا بأس بها.

وتعيش أميرة، وهو اسم مستعار، تجربةً مشابهة على الرغم من اختلاف ظروفها، إذ لم يُفضِ زواجها إلى انفصال، غير أن توقف زوجها عن العمل دفعها قبل عام ونصف إلى تحويل مطبخها إلى مصدر رزق يُعيل أطفالها الثلاثة. ورغم تذبذب الدخل وعدم انتظامه، تحاول أميرة توفير أساسيات الحياة بما تحصل عليه من طلبات لا تتجاوز مرتين أو ثلاثًا في الأسبوع على أقصى تقدير. "الشغل فيه تعب طبعًا، بس أهو بنحاول نعيش، يعني يوم بيبقى فيه شغل ويوم لأ، بس الحمد لله على كل حال"، تقول أميرة لـ"فكر تاني" بنبرة تجمع بين الإرهاق والرضا.

قصة فاطمة وأميرة ليستا استثناءً، وإنما صورة تكرر يوميًا لحياة آلاف النساء المصريات اللواتي حوَّلن مواقد مطابخهن إلى ورش عمل صغيرة، يخضن فيها معركة يومية تجمع بين تحسين ظروف العيش وحلم الاستقلال في واقع اقتصادي خانق.

كفاح من قلب المطبخ

"أنا بقالي عشر سنين شغالة في الموضوع ده"، تقول أم أنس، الاسم الذي اشتهرت به بين عملائها، قبل أن تصحح نفسها ضاحكة "لا، والله يمكن أكتر. الفكرة جت معايا إني كنت عايزة أزود دخلي ويبقى عندي حاجة ليا أنا وولادي، أساعد جوزي شوية، بعد ما الدنيا غليت وكل حاجة بقت صعبة".

بدأت أم أنس مشروعها الصغير لمساعدة زوجها العامل في شركة "دومتي"، وبمساندة بناتها الثلاث استطاعت تحويل المطبخ إلى مشروع عائلي متكامل حقق للأسرة استقرارًا اقتصاديًا، وبات يُلوِّح في الأفق بحلم افتتاح مطعم يُتوِّج عشر سنوات من العمل الدؤوب.

يُجسِّد عمل هؤلاء النساء محاولة للنفاذ من أزمة مركبة، يلتقي فيها انخفاض الدخل الأسري جراء التضخم وتراجع القوة الشرائية، مع شُح فرص العمل المتاحة للنساء. فبحسب تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2025، لا تتجاوز نسبة النساء العاملات فوق سن خمس عشرة سنة 20.7%، في مقابل 70.6% من الذكور، وهي نسبة تُصنَّف من الأدنى عالميًا.

وكما فعلت أم أنس، استطاعت سماح وبناتها الأربع أن يحوِّلن قصة فشل الحكومة في توفير فرص عمل تُناسب شهاداتهن الجامعية في الحقوق والتجارة والسياحة والفنادق إلى نجاح عائلي جماعي، حين قررن إطلاق مشروعهن الصغير من المنزل. "إحنا حاولنا كتير نلاقي شغل مناسب بس ما توفقناش، فقلنا نعمل حاجة بإيدينا، حاجة نحبها وتعيش معانا"، تقول ميرنا إحدى البنات لـ"فكر تاني".

ثلاث سنوات مضت على تلك البداية البسيطة، حتى باتت لهن صفحة على السوشيال ميديا تجمع آلاف المتابعين، وقاعدة عملاء متسعة لا تنقطع طلباتهم، وحلم بالتوسع لا يزال يُغري بالاستمرار. غير أن الطريق لم يكن مفروشًا بالورود.

تندرج مشروعات الأكل البيتي وما يشابهها ضمن ما يُعرف بـ"المشروعات متناهية الصغر"، وهي بطبيعتها تختلف عن نماذج العمل التقليدية القائمة على صاحب عمل وعمال داخل مؤسسة رسمية، ويرى الباحث الاقتصادي حسن بربري أن هذه المشروعات باتت تُمثِّل رافدًا اقتصاديًا مهمًا داخل المجتمع المصري، لا باعتبارها أداة إنتاج أو استهلاك فحسب، وإنما وسيلة أساسية لتوفير المعيشة والدخل لأعداد كبيرة من الأسر، خاصة في ظل تراجع فرص العمل الرسمية.

ويُشير بربري، في تصريحات لـ"فكر تاني"، إلى أن المشهد لم يعد مقتصرًا على الطهي داخل المنازل، إذ امتد إلى أنشطة متعددة، مثل عربات الشاي والقهوة والمشروعات الصغيرة التي يُديرها الشباب في الشوارع والأحياء، مُؤكدًا أن بروز هذا النمط من المشاريع يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأوضاع الاقتصادية الراهنة وعجز السوق الرسمي عن استيعاب الخريجين.

اقتصاد لا تراه الدولة

قبل عامين بدأت إسراء، بعد أن أخفقت في الحصول على عمل مناسب إثر حصولها على شهادة في التدريس من جامعة الأزهر، تقول "أنا كنت بحب المطبخ من زمان، فالفكرة جت كده واحدة واحدة، وقلت أستغل الحاجة اللي بحبها وفي نفس الوقت أزود الدخل شوية".

ختارت إسراء هذا الطريق لتتمكن من رعاية أطفالها الثلاثة دون أن تضطر إلى مفارقتهم. وتحكي في حديثها لـ"فكر تاني" أن المشروع لا يزال في بداياته، والمال "مش بينزل زي المطر"، وأن التحدي الأكبر ليس في الطهي، "بل في التعامل مع الناس وهو الأصعب، في ناس مش بتقدر التعب خالص، مع إن كل الأكل بيطلع فريش، بس برضه تلاقي حد يقولك ناقص كذا أو المرة اللي فاتت كان أحلى."

يُحدِّد الخبير الاقتصادي عبد الرحمن عليان موقع هذه المشروعات في المنظومة الاقتصادية الأشمل، إذ يعتبرها جزءًا لا يتجزأ من "الاقتصاد غير الرسمي" أو "الاقتصاد الموازي"، وهي في الغالب غير مسجلة لدى الجهات الحكومية، ولا تُدفع عنها ضرائب أو رسوم، على الرغم من أنها تُحقق دخلًا وقيمة اقتصادية حقيقية.

ويُوضِّح عليان خلال حديثه لـ"فكر تاني" أن الاقتصاد غير الرسمي في الدول النامية يُمثِّل ما بين 30 و40% من حجم الاقتصاد الكلي، مُنبِّهًا إلى أن كثيرًا من النساء المعيلات اللواتي يعملن في الخياطة أو الطهي أو الصناعات اليدوية يُسهمن فعليًا في الاقتصاد دون أي تسجيل رسمي. ويُحذِّر في الوقت ذاته، أن "الدولة تخسر جزءًا من الإيرادات بسبب توسع الاقتصاد غير الرسمي، لأن الأنشطة غير المسجلة لا تدفع ضرائب أو رسومًا."

في المقابل، يُحمِّل بربري القوانين المنظِّمة، وعلى رأسها القانون رقم 154 الخاص بتنظيم المشروعات الصغيرة، مسؤولية الإخفاق في استقطاب العاملين بالقطاع غير الرسمي نحو الاقتصاد الرسمي. وينتقد السياسة الضريبية المُتَّبَعة، مُعتبرًا أن الدولة تعتمد على ما يُسمى بـ"التوسع الرأسي"، أي مضاعفة الأعباء الضريبية على المُسجَّلين أصلًا، عوضًا عن اعتماد "التوسع الأفقي" القائم على استقطاب شرائح جديدة عبر تقديم تسهيلات وحوافز تُشجِّعهم على الانضمام الطوعي للاقتصاد الرسمي. ويختم بربري بسؤال جوهري، قائلًا "لماذا يدفع صاحب المشروع البسيط ضرائب ورسومًا في حين أنه لا يحصل على خدمات حقيقية في المقابل؟"

ظاهرة قديمة بثوب جديد

لا يصح النظر إلى مشروعات الأكل البيتي والعمل المنزلي باعتبارهما ظاهرة طارئة على المجتمع المصري، فجذورهما تمتد في التاريخ الاجتماعي القديم، حيث كانت الأسرة المصرية، ولا سيما في الريف والمجتمعات البدوية، تُشكِّل وحدة إنتاجية متكاملة يقوم أفرادها على توزيع واضح للأدوار الاقتصادية والاجتماعية داخل المنزل. ويُوضِّح أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور عبد الحميد زيد أن المرأة في الريف المصري، الذي كان يُمثِّل الأغلبية السكانية تاريخيًا، كانت شريكًا أصيلًا في العملية الإنتاجية، تربي الطيور وتصنع الأجبان والألبان والسمن، وتُشارك الرجل في بعض الأعمال الزراعية. غير أن التحول إلى الحياة المدنية قلَّص هذه الأنشطة تدريجيًا.

ويعود الأكل البيتي اليوم بقوة، لكن لأسباب مختلفة تجمع بين المرأة العاملة التي لا تملك وقتًا للطهي، والأم الباحثة عن دخل إضافي، وخريجات الجامعات اللواتي لم يجدن فرصًا مناسبة.

قبل أربع سنوات بدأت أم رحيم مشروعها رغبةً في مساعدة زوجها على أعباء الحياة وإثباتًا لذاتها، دون أن تُضطَر إلى ترك طفلها، ووجدت تشجيعًا كبيرًا من عائلتها وعائلة زوجها عزَّز عزيمتها على الاستمرار، وهي تجربة تصفها قائلة "الحمد لله الشغل كويس، والتعب فيه مش على الفاضي، بالعكس الفلوس فيها بركة، وأحسن ما أطلع برا البيت وأسيب ابني وجوزي، أنا بشتغل من بيتي وبرضه بعمل كل حاجة في بيتي".

وتضيف في حديثها لـ"فكر تاني"، قائلة "حاليا عندي خمس مناديب بيوصلوا الطلبات، ومش بخرج غير أجيب مشترياتي، والطلبات بتيجيلي على الواتساب أو التليفون، وبكتب كل حاجة في كراسة عشان منساش، عشان أوقات بيبقى في ضغط شغل."

ويُؤكِّد الخبير الاقتصادي حسن بربري أن النساء من أكثر الفئات إقبالًا على المشروعات متناهية الصغر، نتيجة تصاعد الضغوط الاقتصادية على الأسرة المصرية وارتفاع نسب النساء المعيلات، فضلًا عن امتلاكهن مهارات متوارثة في الطهي والخبز والصناعات المنزلية التي تحظى بطلب واسع في السوق. ويُلفت إلى أن مشهد النساء يُدِرن عربات صغيرة في الشوارع أو يبعن منتجات منزلية بات أمرًا مألوفًا، على الرغم مما يفرضه ذلك عليهن من أعباء مضاعفة تجمع بين العمل ورعاية الأسرة والأطفال.

أما أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور سعيد صادق، فيرى أن الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المصريون خففت كثيرًا من الأحكام الاجتماعية التقليدية المرتبطة بطبيعة العمل. وأضاف خلال حديثه لـ"فكر تاني"، أن "انتشار الفقر والضغوط المعيشية جعلا المجتمع أكثر تفهمًا لفكرة أن تعمل الفتاة بأي وسيلة شريفة تساعدها على إعالة نفسها وأسرتها، حتى لو كانت حاصلة على شهادة جامعية ولا تعمل في وظيفة مرموقة بالمعنى التقليدي"، مُشيرًا إلى أن بعض السيدات استطعن تطوير مشروعاتهن من مجرد طبخ منزلي إلى خدمات كاترينج متكاملة تدر دخلًا يفوق ما توفره بعض الوظائف الحكومية.

بين الصحة والقانون

أسهمت السوشيال ميديا في تقريب المسافة بين المنتج والمستهلك مباشرةً، ومنحت صاحبات هذه المشروعات أداةً فعَّالة لتوسيع قاعدة عملائهن. وفي المقابل، وفَّرت للنساء العاملات فرصة الحصول على طعام بيتي لا يملكن وقتًا لتحضيره، بديلًا عن الاعتماد على مطاعم الوجبات السريعة وما تنطوي عليه غالبًا من مخاطر غذائية. غير أن ذلك لا يعني أن الأكل البيتي آمن على إطلاقه.

يُحذِّر أخصائي التغذية العلاجية بيشوي خير من تلك المغالطة الشائعة التي تفترض أن الأكل المنزلي صحيٌّ بطبيعته، مُبيِّنًا أن القيمة الغذائية وسلامة الطعام تتوقفان على طريقة التحضير والتخزين. فأخطاء شائعة كترك الطعام خارج الثلاجة لفترات طويلة، أو وضع الطعام الساخن جدًا داخلها مباشرة، أو استخدام عبوات غير محكمة الغلق، كفيلة بالتهديد بصلاحية الوجبة، علاوة على احتواء بعض الأطعمة المنزلية على نسب مرتفعة من الدهون أو السمن أو السكريات.

ووجَّه خير خلال حديثه لـ"فكر تاني" نصيحةً لأصحاب هذه المشروعات، قائلًا "يجب غسل اليدين باستمرار، واستخدام أدوات منفصلة للحوم والخضروات، والالتزام بدرجات التبريد المناسبة، وتجنب إعادة استخدام الزيت بشكل مفرط"، كما شدَّد على أن إعادة تسخين الطعام أكثر من مرة أو إساءة تخزينه قد تُفضي إلى نمو بكتيريا ضارة تُسبِّب حالات تسمم غذائي، لا سيما في أصناف بعينها كالأرز والدواجن والصلصات التي تحتوي على منتجات ألبان أو كريمة.

وتزداد أهمية هذه النصائح حين نُدرك أن تلك المطابخ لا تخضع لأي رقابة من وزارة الصحة أو الجهات المختصة، ومن ثَمَّ يتوقف الأمر بالكامل على مدى حرص صاحبات المشروع على سلامة منتجهن، في ظل معادلة يغيب عنها الطرف الرقابي للدولة، وتنهض فيها السمعة وتعليقات المستهلكين وحدها حَكَمًا.
وعلى الصعيد القانوني، توضِّح المحامية مي عبد الرحمن أن إعداد الطعام بغرض البيع يستوجب جملةً من الالتزامات الأساسية، في مقدمتها التسجيل الرسمي للنشاط، والالتزام الكامل باشتراطات سلامة الغذاء، واستيفاء المعايير الصحية لمكان التحضير، والحصول على الشهادات الصحية اللازمة للقائمين على العمل، وإجراء الفحوصات الطبية الدورية للتحقق من خلوهم من أي أمراض قد تُؤثِّر على سلامة الغذاء.

وترى عبد الرحمن أن مشروعات الأكل البيتي تُعدُّ من الناحية القانونية نشاطًا تجاريًا بالمعنى الكامل، يستوجب خضوعه لإطار قانوني وترخيص رسمي وفق أحكام القانون رقم 152 لسنة 2020 الخاص بتنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، وقانون سلامة الغذاء رقم 1 لسنة 2017.

وفيما يخص حماية أصحاب هذه المشروعات في حال تعرضهم لأي صور من النصب أو الاحتيال، تُشير المحامية مي عبدالرحمن إلى أن لهم الحق في التقدم ببلاغ رسمي إلى الجهات المختصة، سواء النيابة أو أقسام الشرطة، مع إمكانية تقديم شكوى مدعومة بالأدلة المادية من فواتير ومراسلات إلكترونية ورسائل التطبيقات وإثباتات التحويلات المالية، وهي جميعها أدلة قانونية مُعتمدة يمكن الاستناد إليها في ملاحقة المتسبب قانونيًا وفق القواعد العامة في قانون الإثبات والقانون الجنائي.

وتختم بالإشارة إلى أن تنظيم هذا النوع من الأنشطة لا يستهدف التضييق على أصحاب المشروعات، بقدر ما يسعى إلى تحقيق التوازن بين دعم المشروعات الصغيرة وضمان سلامة المستهلك، مع ضرورة تعزيز الوعي القانوني لدى أصحاب المشروعات المنزلية حتى تستمر مشروعاتهم بشكل آمن ومستدام.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة