من التطعيم إلى التعقيم .. هل تكفي استراتيجية 2030 لمواجهة أزمة كلاب الشوارع؟

في نهاية مايو الماضي، خيم الحزن على إحدى قرى محافظة الشرقية بعد مصرع طفل يبلغ من العمر 7 سنوات إثر هجوم شنته أربعة كلاب ضالة، تسبب في إصابته بعضات نافذة وجروح متفرقة أودت بحياته، وذلك بعد أيام من وفاة طفل آخر في محافظة السويس متأثرًا بإصابته في هجوم مماثل.

فخلال الفترة الأخيرة، تكررت حوادث هجمات الكلاب الضالة في محافظات مختلفة مخلفة قتلى ومصابين، مما أثار نقاشًا واسعًا على السوشيال ميديا وطرح تساؤلات متزايدة حول أسباب انتشار الكلاب في الشوارع، وتزايد سلوكها العدائي ووصول أعداد الإصابات والوفيات إلى مستويات غير مسبوقة.

وهو نقاش إلى مجلس النواب، الذي شهدت أروقته تحركات برلمانية مكثفة تمثلت في تقديم عدة طلبات إحاطة من النواب تطالب الحكومة بوضع حلول جذرية وفعالة لأزمة انتشار الكلاب الضالة في شوارع مصر.

ورغم إعلان وزارة الزراعة عن خطة لمواجهة الظاهرة، فإ نها تتفاقم يومًا بعد يوم، مما يستدعي ضرورة التدخل من هيئة الخدمات البيطرية بما يحافظ على حياة المواطنين وحقوق الحيوان وعدم التعامل معها بأي أنواع العنف حتى لا يُخِلَّ بالتوازن البيئي

وتقدم النائب شادي الكومي، عضو مجلس النواب، بطلب إحاطة بداية الشهر الجاري موجهًا لكل من رئيس مجلس الوزراء، ووزير التنمية المحلية والبيئة ووزير الزراعة ووزير الصحة والسكان، بشأن انتشار ظاهرة الكلاب الضالة في الشوارع، ووقوع حوادث عقر للمواطنين، وما يمثله ذلك من تهديد مباشر على حياتهم، مطالبًا بسرعة تدخل مديريات الطب البيطري والجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات اللازمة ووضع آليات فعالة للتعامل مع الظاهرة بما يحقق التوازن بين الحفاظ على الصحة العامة وسلامة المواطنين والالتزام بالمعايير البيئية والإنسانية في التعامل مع الحيوانات.

ويتوافق هذا التوجه مع الدستور المصري، الذي يكفل حق الحيوان بالرفق به وفق القانون، حيث تنص المادة 45 منه على أن "تلتزم الدولة بحماية بحارها وشواطئها وبحيراتها وممراتها المائية ومحمياتها الطبيعية. ويحظر التعدي عليها، أو تلويثها، أو استخدامها فيما يتنافى مع طبيعتها، وحق كل مواطن في التمتع بها مكفول، كما تكفل الدولة حماية وتنمية المساحة الخضراء في الحضر، والحفاظ على الثروة النباتية والحيوانية والسمكية، وحماية المعرض منها للانقراض أو الخطر، والرفق بالحيوان، وذلك كله على النحو الذي ينظمه القانون".

واستجابة لهذه المطالبات أعلن الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، عن استراتيجية وطنية شاملة للتعامل مع ظاهرة الحيوانات الضالة، ترتكز على إبعادها عن المناطق المأهولة بالسكان، والتوسع غير المسبوق في عمليات التحصين والتعقيم.

من جانبها، أوضحت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي استمرار جهود الهيئة العامة للخدمات البيطرية في تنفيذ حملات تحصين وتعقيم كلاب الشوارع بعدد من المحافظات، وذلك في إطار الاستراتيجية الوطنية لمكافحة مرض السعار ودعم منظومة الصحة العامة وتطبيق مبادئ الرفق بالحيوان، مشيرة إلى أنه تم تحصين نحو 12,665 كلبًا من كلاب الشوارع إلى جانب تعقيم 1,593 كلبًا بمشاركة منظمات المجتمع المدني ومن خلال التعاون والتنسيق مع الاتحاد النوعي للرفق بالحيوان خلال يناير الماضي.

هجوم متكرر وتداعيات صحية

لكن على أرض الواقع، يروي المواطنون تفاصيل معاناة تكشف أن الأزمة ما تزال عصية على الحل، ويقول مصطفى حسين، وهو شاب في العقد الثالث من العمر ومقيم بأحد الأحياء الشعبية بمحافظة القاهرة، معلقًا على ارتفاع أعداد الكلاب الضالة وتعرض زوجته للهجوم منها مؤخرًا، إنه "في الأيام الأخيرة، أصبح الخوف جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية. لم تعد الكلاب الضالة مجرد مشهد عابر في الشارع، وإنما صارت مصدر قلق حقيقي لكل بيت".

ويستطرد حسين في حديثه لـ"فكر تاني"، واصفًا ما حدث لزوجته، قائلًا "كانت زوجتي في السوق تشتري بعض الخضار، في يوم عادي بسيط مثل أي يوم. فجأة اتصلت بي وصوتها يرتجف طالبة النجدة لأن كلبًا عضها. لم أستوعب ما قالت في البداية، لكن نبرة الألم في صوتها جعلتني أترك كل شيء وأسرع إليها، وبعد أن وصلت إليها وجدتها مصابة في إحدى قدميها وعاجزة عن الحركة، توجهنا فورًا إلى المستشفى، وتم عمل الإسعافات اللازمة لها، وتحصينها بالمصل اللازم، وأخبرتني الطبيبة أنه خلال 12 ساعة فقط استقبلوا 73 حالة إصابة بسبب عقر الكلاب".

واختتم حسين حديثه، قائلًا "إن الرقم كان أكبر من قدرتي على الفهم. وجعل العديد من التساؤلات تراودني حول ارتفاع أعداد المصابين وسبب زيادة هجمات الكلاب، وكم أسرة عاشت نفس لحظة الخوف التي عشناها؟ الموضوع لم يعد حالة فردية أو حادثًا عابرًا، وقد أصبح ظاهرة تتكرر بشكل ملحوظ. الناس تخرج لقضاء احتياجاتها اليومية للعمل أو للسوق أو للمدرسة وهم يحملون قلقًا دائمًا من التعرض لهجوم مفاجئ. نحن لا نطلب المستحيل، فقط نرجو أن يتم النظر بجدية إلى هذه المشكلة التي تفاقمت بشكل واضح، ولا يرضي أحدًا أن يظل الخوف حاضرًا في أبسط تفاصيل الحياة اليومية".

وتأكيدًا على تزايد الإصابات، بيّنت الدكتورة دلال رؤوف، وهو اسم مستعار للمسؤولة عن تحصين المواطنين ضد السعار بأحد المستشفيات الحكومية بمحافظة الجيزة، أن الفترة الأخيرة تشهد ارتفاعًا واضحًا في الأعداد التي تصل إلى المستشفى بعد تعرضها للعقر من الحيوانات سواء أكانت كلابًا أو قططًا أو غيرها مقارنة بالسنوات الماضية.

وأشارت إلى أن أغلب الإصابات التي تتجه إليهم تأتي نتيجة الكلاب في الشوارع، خاصة في المدن السكنية الجديدة التي تم إنشاؤها خلال السنوات الأخيرة والتي تشهد زيادة كبيرة في حيوانات الشوارع.

وأوضحت رؤوف أنه عند التعرض لعضة كلب أو حيوان مشتبه به يجب التوجه فورًا لأقرب مستشفى لتلقي سلسلة لقاحات داء الكلب حسب البروتوكول العلاجي والتي تتكون غالبًا من 4 إلى 5 جرعات تُعطى حسب الإصابة، بالإضافة إلى حقنة تطعيم التيتانوس إذا لزم الأمر، مشددة على ضرورة تنظيف الجرح جيدًا بالماء والصابون لمدة 15 دقيقة.

ومن الزاوية البيطرية، يوضح الدكتور إسلام السقا، مدير عيادات بيتسي كير لطب وجراحة الحيوانات الأليفة، أن من أسباب زيادة أعداد الكلاب في الشوارع غياب الأسس العلمية السليمة في التعامل معها سواء بالتطعيم ضد السعار أو التعقيم لمنع زيادة أعدادها بشكل كبير، إلى جانب غياب القوانين أو الرقابة في منع التخلي عن الحيوانات الأليفة من جانب أصحابها.

ويُضاف إلى ذلك توافر مصادر دائمة للغذاء والتعايش في الشوارع سواء من خلال القمامة أو الإطعام دون رقابة، فضلًا عن تناول الكلاب لأطعمة ملوثة من القمامة وهو ما يعرضها للإصابة بالأمراض المختلفة ويزيد من شراستها. ولذلك يرى السقا أن خطوة تأسيس مراكز الإيواء لن تكون ناجحة بدون السيطرة على المخلفات وأكوام القمامة في بعض المناطق والتي تتحول إلى مأوى للكلاب وتسبّب إصابتها بالأمراض، وهي المخاطر التي تنعكس في النهاية على المواطنين. مشيرًا إلى أن نقص الملاجئ والمراكز البيطرية الحكومية وغياب التكليف للأطباء البيطريين منذ عام 1994 تتسبب في إخلال الأدوار الرقابية الصحية التي يجب أن يتم اتباعها داخل إطار رقابي مؤسسي للحد من انتشار الحيوانات في الشوارع بشكل عام. وشدد على أهمية تجنب الطرق الخاطئة في التعامل مع هذه المشكلة سواء بالقتل العشوائي أو التسميم لأنه يتسبب في خلق مناطق جديدة تهاجر إليها الكلاب، مضيفًا أن حل المشكلة يكمن في تسريع خطوات التنفيذ للحد من أعدادها والبدء بالتطعيم والتعقيم بالتوازي مع توفير مراكز إيواء منظمة لتحقيق التوازن البيئي وتوفير بيئة آمنة للمجتمع.

مراكز الإيواء واستراتيجية 2030

وتبرز الحاجة الملحة لهذه الحلول عند تتبع عدد الحالات التي تعرضت للعقر خلال السنوات العشر الماضية، فوفقًا لبيانات وزارة الصحة تبين أن حالات العقر ارتفعت بنسبة 332% بالمقارنة بين عامي 2015، الذي بلغت فيه حالات العقر 324 ألف حالة، في حين ارتفعت الحالات لتبلغ خلال العام الماضي نحو مليون و400 ألف وهو الأعلى في عدد الإصابات.

وقد كلف هذا الارتفاع الدولة مليارًا و700 مليون جنيه لعلاج هذه الحالات، لاسيما وأن علاج حالات العقر يتم توفيره في المستشفيات الحكومية بشكل مجاني وذلك من خلال إعطاء 4 جرعات من اللقاح وجرعة من المصل حسب الحالة لتصل تكلفة العلاج للشخص الواحد حوالي 1250 جنيهًا.

 

رسم بياني يوضح: (عدد الحالات التي تعرضت للعقر خلال السنوات العشر الماضية)

 

وعرض الدكتور حامد موسى الأقنص، رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية، أهم محددات خطة التعامل مع الكلاب الضالة والمتروكة موضحًا أن هذه الخطة ترتكز على إقامة مراكز إيواء لهذه الكلاب بعيدًا عن الكتلة السكنية بالمحافظات.

وأشار، إلى أنه تم تخصيص عدة قطع أراضٍ في محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية والإسكندرية وجارٍ العمل على تنفيذ مراكز الإيواء بالمواصفات اللازمة، كما تم إعداد سيارة نموذج لتكون نواة للسيارات الخاصة بنقل الكلاب للطوارئ بحيث يُراعى فيها أعمال الرفق بالحيوان لنقل الكلاب بطريقة آمنة. وأضاف الأقنص أن الخطة المُتبعة تتضمن كذلك التوسع في تحصين وتعقيم الكلاب الضالة والمتروكة، مبينًا أنه تم خلال عام 2025 تحصين عدد 121 ألف كلب فضلًا عن تعقيم عدد 8311 كلبًا خلال نفس العام بإجراءات تمت بالمستشفيات البيطرية بالهيئة من خلال التحصين الجماعي للكلاب بلقاح السعار. وأضاف أن الهيئة تقوم كذلك بتدعيم قدراتها البشرية المؤهلة للمُساندة في أعمال التحصين والتعقيم وسيتم توزيعهم على محافظات الجمهورية لدعم هذه الجهود بالتعاون مع المحافظين.

وفيما يتعلق بجهود التحصين، أظهرت بيانات وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي أن عدد الكلاب التي تم تحصينها خلال السنوات الأربع الماضية بلغ 234 ألفًا و485 كلبًا، وأن عام 2023 شهد المعدل الأعلى لتحصين كلاب الشوارع بعدد 72 ألفًا و871 كلبًا في حين جاء عام 2024 في المرتبة الأخيرة بعدد 49 ألفًا و878 كلبًا. ومن جانبها، بيّنت حنان زكي، الناشطة المصرية في مجال الرفق بالحيوان ومؤسسة ملجأ لإيواء وإنقاذ الكلاب والحيوانات المعرضة للخطر، أن حل أزمة الكلاب الضالة يأتي بالإسراع في تنفيذ استراتيجية الدولة المصرية 2030 للتنمية المستدامة، خاصة فيما يخص القضاء على السعار والتعامل مع الكلاب السائبة وغير السائبة، وهي استراتيجية متوافق عليها عالميًا أقرتها منظمة الصحة العالمية ومنظمة الصحة الحيوانية.

وبيّنت أن سبب انتشار أعداد كلاب الشوارع هو تأخر مصر كثيرًا في مواجهة هذه المشكلة التي بدأت في الظهور منذ عام 2011 وعدم الاهتمام بتطعيم الكلاب أو تعقيمها بالرغم من تزايد معدلات التحصين السنوية ضد مرض السعار، بالإضافة إلى انتشار بعض السلوكيات الخاطئة في التعامل مع الحيوانات الضالة بشكل عام سواء الكلاب أو القطط.

وأوضحت زكي، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن أهم بنود الاستراتيجية هي التوعية والتطعيم الجماعي سواء للحيوان المملوك أو غير المملوك مما يخفف العبء المادي الكبير الذي تتكلفه الدولة في استيراد عقاقير من الخارج لعلاج حالات العقر والسعار الذي قد يؤدي للوفاة. وبشأن التحكم في تكاثر الكلاب الضالة، شددت على أهمية ضرورة تعقيم الكلاب في الشوارع وعدم الاكتفاء فقط بالتحصين وفق الاستراتيجيات الدولية.

أما عن إمكانية تصدير الكلاب، فأشارت إلى أن الأزهر الشريف أصدر فتوى بتحريم تصديرها بغرض الأكل كما يحدث في دول شرق آسيا، بينما تصديرها للدول التي تراعي حقوقها واستخدامها بشكل آمن لا يمكن تطبيقه دون توفير مكان آمن وتربية جيدة لضمان حصولها على كافة التطعيمات بما يسمح بتصديرها. وحول ارتفاع معدلات الهجوم وما ينتج عنها من زيادة التحصين، لفتت زكي الانتباه إلى أن الأعداد التي يتم الإفصاح عنها كل عام والخاصة بالذين يتم تحصينهم بعد تعرضهم للعقر تشمل كافة المصابين سواء من الكلاب أو القطط أو الحيوانات الأخرى، ومع غياب التصنيف داخل تلك البيانات لأنواع الحيوانات التي يتم التحصين ضد عقرها وأيضًا غياب التوزيع الجغرافي لتلك الحالات لا يمكننا الاعتماد على الأرقام وحدها دون الإشارة إلى الدلالات التي يمكن استخلاصها من وراءها لتحديد نوع المشكلة وآلية حلولها. واختتمت الناشطة حديثها بالتشديد على ضرورة الإسراع في تطبيق الاستراتيجية بالتعاون بين كافة الجهات المعنية من الوزارات والهيئات المختصة وجمعيات الرفق بالحيوان في كافة المحافظات للوصول إلى تحقيق التوازن لتوفير بيئة آمنة للمواطنين والحفاظ على التوازن البيئي.

رسم بياني يوضح: (عدد الكلاب المحصنة خلال السنوات الأربعة الأخيرة)

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة