"مفيش أب بيخطف ابنه".. كيف تحولت "الاستضافة" إلى كابوس يهدد الأمهات؟

تجلس سارة عباس، وهي أم في الثلاثين من عمرها، أمام التلفاز تتابع بقلق متصاعد النقاشات الدائرة حول مشروعات قوانين الأحوال الشخصية عبر برامج التوك شو، في محاولة منها لفهم ما قد يؤول إليه مصير ابنتها الوحيدة التي عادت إليها بعد أن اختطفها والدها يومًا وهي تلعب أمام المنزل.

تتصاعد مخاوف سارة من مشروعات القوانين المطروحة التي تنص على الاستضافة، في حين تبقى ضوابط إعادة الأطفال إلى أمهاتهم الحاضنات وآليات ضمان ذلك محلَّ شكٍّ وتساؤل، فمشروع القانون المقدَّم من الحكومة ينظم في المواد من 148 إلى 156 الاستزارةَ والمبيت، ويشترط ألا يقل سن الطفل المطلوب استزارته عن خمس سنوات، غير أن نصوصه لم تتضمن أي عقوبات تتعلق بآليات تحول دون عدم إعادة الطفل المحضون إلى حاضنه، في حين تضمنت في المقابل عقوبات على الحاضن الذي لا ينفذ حكم الاستزارة، تتراوح بين إسقاط الحضانة مؤقتًا لمدة لا تزيد على ثلاثة أشهر، وإسقاطها نهائيًا في حالة التكرار الذي لا تقبل المحكمة أسبابه.

وتروي سارة قصتها إلى "فكر تاني"، قائلةً "اتطلقت خلع بالمحكمة بسبب إهمال زوجي لعمله، فلم يستطع إكمال أكثر من شهرين في أي وظيفة بسبب التحاليل الدورية للمخدرات، وآخر شهور زواجنا كانت والدته تدفع له مصروف جيبه، بينما أعمل وأنفق على ابنتي". وعلى الرغم من معرفتها بأن زوجها لا يعمل، آثرت سارة ألا تلاحقه بقضايا نفقة، واتفقت معه على أن يزور ابنته في منزل أمها، موضحةً "لأني أعرف أنه مدمن فرفضت الاستضافة".

مضت سنتان على الطلاق حتى وقع ما لم تضعه سارة حسابًا "بعد عامين من الطلاق، كانت ابنتي تلعب أمام منزل أمي، ثم اختفت"، إذ لم يتبادر إلى ذهنها في البداية فكرة أن يكون الأب وراء الاختفاء، "لكن بعد تفريغ كاميرا محل مواجه للمنزل ظهرت وهي تجري على والدها الذي أخذها من أمام المنزل".

توجهت سارة فورًا إلى منزل طليقها فلم تجده، فانطلقت إلى قسم الشرطة حاملةً معها تفريغ كاميرات المراقبة، التي تُثبت ما جرى. وهناك واجهت ردًّا صادمًا، حين أخبرها أمين الشرطة "أنه لا يمكن تحرير محضر خطف لأنه أبوها، وحين أخبرته أن ابنتي في خطر لأنه مدمن، أخبرني أنه إذا وقعت جريمة سنتحرك ولكن الآن هو والدها ولا يوجد أب يخطف ابنته".

وعلى مدار أربعة أشهر طرقت سارة كل الأبواب بحثًا عن ابنتها دون جدوى، إلى أن أنقذتها الصدفة وحدها "عرفت بعد كده أنه أرسل البنت تعيش مع عمها وزوجته وحصل خلاف بينهم فالزوجة تركت منزل الزوجية، وجابت لي بنتي".

زيارة بلا عودة

وعلى مبعدة من قصة سارة، كانت مشكلة خطف الأطفال حاضرة في جلسة الاستماع التي عقدتها لجنة التضامن الاجتماعي بمجلس النواب في نهاية أبريل الماضي، حيث طالبت المحامية مشيرة السيد بإصدار قرار يمنع سفر الزوج في حال عدم إعادته الطفلَ خلال 24 ساعة، في إطار حماية حقوق الطفل وتنظيم مسائل الرؤية والاستضافة، غير أن رئيس لجنة الشئون الدينية بالبرلمان استدرك بأن السفر قد يقع طبيعيًا قبل انقضاء تلك المدة وفق الإجراءات القانونية، وهو ما أكده ممثل خط نجدة الطفل في الجلسة ذاتها، حين أشار إلى أن ثمة حالةً أخذ فيها الأب طفله إلى السوبر ماركت وسافر في غضون ساعتين فقط.

عند هذه المخاوف تتوقف أميرة طنطاوي، مؤسِّسة حملة "أمهات مع إيقاف التنفيذ"، مستعرضةً ما تعانيه سارة وأمثالها من الأمهات الحاضنات، وترى أن "مشروع القانون المطروح على مجلس النواب لم يتضمن آليات تحدد كيفية استلام الطفل وإعادته للحاضن مرة أخرى، لكنه وضع عقوبات على عدم تنفيذ حكم الاستزارة أو المبيت دون توضيح سواء لوجود شرطة أسرة أو آلية ربط إلكتروني تضمن عدم اختطاف المحضون".

وتفصّل المواد من 148 إلى 156 من مشروع القانون الإطارَ القانوني للاستزارة والمبيت، على ألا يقل سن الطفل المطلوب استزارته عن خمس سنوات، وبينما خلت تلك المواد من أي عقوبات تتعلق بآليات تحول دون عدم إعادة الطفل المحضون إلى حاضنه، تضمنت في المقابل عقوبات على الحاضن الذي لا ينفذ حكم الاستزارة، تتراوح بين إسقاط الحضانة مؤقتًا لمدة لا تزيد على ثلاثة أشهر، وإسقاطها نهائيًا في حالة التكرار الذي لا تقبل المحكمة أسبابه.

ولا تعترض طنطاوي على الاستضافة أو الاستزارة كما أسماها مشروع القانون الحكومي، مشيرةً، في تصريحات إلى "فكر تاني"، إلى أن كثيرًا من الحالات المتابَعة في الحملة تنتهي أصلًا إلى اتفاق في مكتب التسويات بمحكمة الأسرة يتضمن الاستضافة، لكنها تؤكد ضرورة النص على ضمانات تكفل إعادة الصغير إلى أمه الحاضنة.

وتلفت طنطاوي إلى أن الأزمة لا تقتصر على نصوص مشروع قانون الأسرة وحده، وإنما تمتد كذلك إلى قانون العقوبات والإجراءات القانونية التي تُشكّل في مجملها عقبات تحول دون استعادة الأطفال بيسر. وتستشهد في ذلك بالمادة 292 من قانون العقوبات التي تنص على معاقبة كل والدين أو جدين لم يُسلِّما ولدهما الصغير أو حفيدهما إلى من له حق المطالبة به استنادًا إلى قرار قضائي صادر في شأن حضانته أو حفظه، وكذلك كل من خطفه بنفسه أو بواسطة غيره ممن لهم بمقتضى قرار قضائي حق حضانته أو حفظه ولو كان ذلك بغير تحايل أو إكراه، وتحدد العقوبة بالحبس مدةً لا تتجاوز سنةً واحدة أو غرامة لا تزيد على خمسمائة جنيه.

وتعلق طنطاوي على هذه المادة، قائلةً "بموجب هذه المادة لا ينطبق تعريف الخطف في القانون على الوالدين أو الأجداد في حالات انتزاع الصغار من الحاضن". والحملة التي أسستها طنطاوي تضامنًا مع الأمهات بعد اختطاف أبنائهن تضم في صفوفها مصريات وأخريات من جنسيات مختلفة ممن تزوجن من مصريين وحُرمن من أطفالهن رغم إسلامهن.

وفي ضوء هذه الإشكاليات، تطالب طنطاوي بتغليظ عقوبة الامتناع عن تسليم صغير لتصل إلى السجن من ثلاث سنوات إلى سبع سنوات مع غرامة مالية قدرها مئة ألف جنيه، تشمل الخاطف والمحرض والمشاركين في التستر على الجريمة بإخفاء الصغير من عمات وأقارب. وتضيف "لابد من تغليظ العقوبة في حال اقترانها بحرمان الطفل من الرضاعة الطبيعية أو الدراسة، وإصدار ضبط وإحضار للطرف الخاطف، وإدراج اسمه ضمن النظام المعلوماتي لوزارة الداخلية، ومخاطبة الإنتربول لإعادة الأطفال المختطفين خارج البلاد، وتتبع الخاطف في حالة اختفائه وتغيير محل إقامته، بالإضافة إلى أن تكون الاستضافة بموافقة الحاضن والمحضون".

جريمة بالتراضي

قبل أربع سنوات، حصلت نهى بلال على الطلاق من زوجها بعد أن أبرأته من كافة حقوقها، في ختام عام ونصف من المحاولات للحصول على حكم بالتطليق للضرر أمام المحكمة. وجاء الطلاق عبر جلسة عرفية ضمت كبار العائلتين، خضعت فيها نهى لما يُعرف في المجالس العرفية بـ"ظلم المصطبة"، وذلك فقط حفاظًا على علاقة ودية بين الأب وطفله الذي لم يكن يتجاوز حينها أربعة أعوام، وفي إطار ذلك الاتفاق، جرى التراضي على حق الأب الذي يعمل في محافظة أخرى، وأسرتِه في استضافة الطفل مرة كل ثلاثة أشهر.

التزمت الأم بتطبيق هذا الاتفاق على مدار ثلاث سنوات متتالية، قبل أن ينشب خلاف جديد بين نهى وطليقها فيختفي الطفل في أثناء زيارته لوالده، وحين توجهت الأم بالبلاغ إلى قسم الشرطة، فوجئت بالرد القاطع "مفيش أب بيخطف ولاده"، وعجزت عن تقديم البلاغ.

منذ ذلك الحين تدور نهى في حلقة مفرغة سعيًا لاسترداد طفلها الذي لا يزال في حضانتها القانونية، إذ تقول "ذهبت لقسم الشرطة فرفض أمين الشرطة والضابط تحرير محضر بالخطف، قالوا لي لا يوجد أب يخطف ابنه، ومنذ عام كامل وأنا في دائرة لا تنتهي من الإجراءات لمحاولة الوصول لابني بلا جدوى".

وبعد استشارة محامٍ، تمكنت نهى من الحصول على أمر وقتي بتسليم الصغير من النيابة، غير أنها وجدت نفسها في متاهة من الإجراءات كان من المفترض ألا تتجاوز أسبوعًا، فامتدت إلى شهر ونصف. وحين توجهت برفقة قوة من الشرطة إلى منزل أهل الزوج لتنفيذ الأمر، اصطدمت بعقبة جديدة حين أنكر الأب وجود الطفل، وانتهى بها المطاف أمام المحكمة برفع جنحة مباشرة بالامتناع عن تسليم صغير، وهي جنحة لا تتجاوز عقوبتها الحبس سنةً واحدة أو غرامة خمسمائة جنيه.

وتكشف حملة "أمهات مع إيقاف التنفيذ" أن قرار تسليم الصغير يُفترض أن يصدر في غضون أسبوع لحين الفصل في الدعاوى المنظورة، مؤكدةً أنه "على أرض الواقع تحصل الأمهات على القرار خلال شهر على الأقل أما التنفيذ فهو أمر آخر".

وتشرح مؤسسة الحملة أن التنفيذ يمر بمراحل متعددة، تبدأ بإعداد دراسة أمنية وتحديد موعد للتنفيذ، ثم تذهب الأم على نفقتها الخاصة لإحضار محضر من المحكمة ومعها أخصائية اجتماعية، فتنتقل بعدها إلى قسم الشرطة لاصطحاب قوة لا يتجاوز دورها حماية المحضر والأخصائية.

وتضيف أنه "إذا امتنع الأب عن فتح الباب تعود القوة ويتم تحديد موعد آخر للتنفيذ، إلا في حالة الحصول على تأشيرة كسر الباب تليفونيًا من قاضي التنفيذ ومعمول بأمر هذه التأشيرة في دوائر دون أخرى"، مشيرةً إلى أن إحدى الحالات المتابَعة سجّلت رقمًا قياسيًا في عدد مرات تحديد موعد للتنفيذ بلغت 16 مرةً.

وتوضح طنطاوي أن من حق الأم إقامة جنحة مباشرة ضد الأب في حال الامتناع عن تسليم الصغير، ولا يثبت هذا الامتناع إلا بعد تحديد أكثر من موعد لتنفيذ أمر التسليم. وبعد صدور الحكم يبدأ أمام الأم مسار جديد يشمل تسليم الحكم إلى مباحث تنفيذ الأحكام، وفي الغالب لا يُنفَّذ إلا إذا قُبض على الأب في قضية أخرى، وحتى حينئذٍ يظل بإمكانه تقديم معارضة والخروج من دون تسليم الصغير.

أزمة يحلها القانون

تشدد المحامية الحقوقية مها أبو بكر على أن الضمانات وآليات إعادة الأطفال إلى الحاضن لا بد أن يتضمنها قانون الأسرة الجديد، مستندةً إلى أن "القانون لا يعتبر خطف الأطفال من طرف الأب غير الحاضن جريمة، ولذلك لا يتم معاقبته عليه، ولأن القانون لا يعتبر الأم وليًّا للطفل فإنها لا تستطيع الحصول على أي حق من حقوقها فيما يخص الأطفال إلا بعد التوجه للمحكمة أو النيابة".

وتقترح مها، في تصريحات إلى "فكر تاني"، تعديلًا آخر في مشروع القانون يمنع الاستضافة أو الاستزارة قبل بلوغ الطفل سبع سنوات، مسوِّغةً ذلك بأنه "سن تمييز يستطيع الطفل فيها الإفصاح في حال تعرضه للأذى". كما تطالب بإخضاع الطرف المستضيف والمحيطين بالطفل في حال الاستضافة لفحص مخدرات وفحص بدني ونفسي، وبتطبيق ذات الفحوصات على الأم الحاضنة ضمانًا للبيئة الآمنة للطفل، وبعدم إسقاط الحضانة عن الأم إثر زواجها من غير الأب شريطة إخضاع زوجها لتلك الفحوصات ذاتها.

وتواصل مها مطالبها، قائلةً "يجب النص على شرط أساسي يمنع الأب مرتكب الجريمة أو معتاد العنف أو الممتنع عن الإنفاق من استضافة الطفل"، داعيةً إلى تطبيق منع سفر تلقائي للأطفال إلا بموافقة الوالدين، فضلًا عن إنشاء شرطة أسرية متخصصة تضم في صفوفها أخصائيين نفسيين واجتماعيين، وإيجاد وسيلة تقنية تتيح معرفة موقع الطفل بصورة لحظية.

في الناحية الأخرى

في مواجهة هذه الصورة، يقف سامح حسن ممثلًا لشريحة من الآباء الذين يرون في مشروع القانون الجديد فرصةً لإعادة التواصل مع أبنائهم، إذ يقول "حماتي قالت عني كلام خلى ولادي خايفين يعيشوا معايا وبيخافوا حتى الجلوس معي في الرؤية".

ويستعيد سامح تفاصيل قصته قائلًا لـ"فكرة تاني"، إنه "بعد وفاة زوجتي تركت الطفلين لدى جدتهما بسبب عدم قدرتي على مراعاتهما، وكان ذلك باتفاق ودي، لكنني فوجئت بأنها أقامت دعوى ضم وحصلت على حضانتهما، لم التفت حينها للأمر ففي كل الأحوال الطفلين معها، وبررت ذلك بإجراءات تقديم المدارس وغيرها من الأمور اللازمة للأطفال، وكنت أستضيف الطفلين في إجازاتي بصورة ودية دون اتفاق".

وما إن مضى عام على وفاة الزوجة حتى انقلبت الأحوال رأسًا على عقب، إذ يقول سامح "تعرفت على زوجتي الحالية وقررت الزواج منها، لكن والدة زوجتي المتوفاة اعتبرت ذلك عدم وفاء لابنتها، واتهمتني بأنني كنت على علاقة بزوجتي الحالية قبل وفاة زوجتي وهو ما تسبب في وفاتها المبكرة، ومنعتني من رؤية الأطفال، ومنعتني من استضافة أطفالي أو حتى رؤيتهم".

واضطر سامح إلى إقامة دعوى قضائية لتمكينه من رؤية أبناءه، وكانت المفاجأة موجعة، إذ يقول "فوجئت بالطفلين يكرهان الجلوس معي، وعرفت أن الجدة أخبرتهما بأنني السبب في وفاة أمهما، وأنني أريد أن أخذهما لزوجتي لتعذباهما ولخدمتها، وأنني سأجبرهما على ترك المدرسة".

وفي هذا السياق، ترى النائبة فاطمة عادل أنه "لا يمكن حرمان الآباء الملتزمين من الاستضافة بسبب حالات غير ملتزمة، كما لا يمكن حرمان الأمهات من الحضانة بسبب أمهات تحرم الآباء من أولادهم"، مستدركةً بأن القانون الحالي لا يتضمن أصلًا نظام الاستضافة الذي تتخوف منه الأمهات.

وفي حديثها لـ"فكر تاني"، تؤكد عادل أن "فلسفة تعديل القانون هو المصلحة الفضلى للطفل، لذلك فإن هناك عقوبات للمتلاعبين سواء من الأمهات أو الآباء مثل إسقاط الحضانة عن الأم ستة أشهر في حالة الغياب عن الاستضافة عددًا معينًا من المرات، والحرمان من الرؤية والاستضافة في حالات الخطف والامتناع عن النفقة، بالإضافة إلى الحفاظ على نفسية الأبناء، وإسقاط الاستضافة في حالة تعرض الأطفال لأي أذى نفسي أو جسدي، أو في حالة إدمان الطرف المستضيف، ووجود تعهد عن تسلم الطفل بموعد التسلم وموعد العودة، واستحداث الشرطة الأسرية".

وهكذا، بين آباء يشتاقون إلى صغارهم وأمهات يعشن قلقًا حقيقيًا من ألا يعود أبناؤهن إليهن، وأطفال يترقبون مصيرهم، تستمر سارة في متابعة برامج التوك شو منتظرةً أن تبلغ مشروعات القوانين محطتها الأخيرة، وتتحول إلى قانون نافذ يفتح عهدًا جديدًا من قوانين الأسرة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة