لم تكن النسخة السابعة والستون من الدوري المصري الممتاز موسمًا رياضيًا عاديًا، فمنذ انطلاقه كان واضحًا أن ثمة مضمارًا آخر يُخاض بعيدًا عن الملاعب، تسابقت فيه أندية القمة بإنفاق غير مسبوق على اللاعبين والمدربين الأجانب والأجهزة الفنية، حتى غدا وصف "موسم الإنفاق" دقيقًا لا مبالغة فيه.
غير أن هذا الإنفاق لم يكن شفيعًا لمعظم من أنفقوا، إذ لم تتحوّل الميزانيات الضخمة إلى ألقاب مماثلة، وتبدو الصورة أكثر حدةً حين يُعلم أن جائزة الفريق الفائز ببطولة الدوري لا تتجاوز خمسة ملايين جنيه، أي ما يمثل أقل من 0.66% مما أنفقه الزمالك على قطاع الكرة البالغ 758 مليون جنيه، ونحو 0.36% مما أنفقه الأهلي البالغ 1.373 مليار جنيه، وهي نسب تكشف أن العائد المباشر من المسابقات التي تنافسوا عليها كان هامشيًا قياسًا بحجم ما ضخ فيها من استثمار.
من أنفق أكثر ولماذا؟
يكشف موقع "ترانسفير ماركت"، المتخصص في انتدابات اللاعبين، أن نادي الزمالك احتل في موسم 2025-2026 المركز الأول من حيث الإنفاق على اللاعبين الجدد بقيمة 7.08 مليون يورو، أي ما يزيد على 339 مليون جنيه، وهي مفارقة لافتة في حد ذاتها حين يُعلم أن النادي كان يعاني من أزمات مالية طاحنة في الوقت ذاته، وصلت إلى حد إيقاف قيده أي لاعبين جدد قبل أن يسدد ما يدين به في 18 قضية مختلفة تخص مستحقات اللاعبين والمدربين القدامى.
وجاء النادي الأهلي في المرتبة التالية بقيمة 5.52 مليون يورو، حيث دخل الموسم منتعشًا بعوائد مشاركته في كأس العالم للأندية التي تخطّت 9 ملايين دولار. أما بيراميدز، الذي حصل على دوري أبطال أفريقيا في الموسم الماضي وكان قاب قوسين أو أدنى من تحقيق بطولة الدوري العام للمرة الأولى في تاريخه، فجاء ثالثًا في هذه القائمة بقيمة 3.76 مليون يورو.
والمفاجأة كانت نادي البنك الأهلي الذي لم يتمكن من المنافسة على المربع الذهبي، غير أنه أنفق في بداية الموسم 3.40 مليون يورو، وهو رقم يكشف أن ظاهرة الإنفاق لم تقتصر على الثلاثي الكبير.
وتتسع الصورة أكثر حين ننظر إلى قائمة أفضل عشرة أندية أفريقية من حيث الإنفاق على رسوم الانتقالات في عام 2025، وهي قائمة معتمدة من الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا"، إذ ضمّت ثلاث فرق مصرية في وقت واحد، احتل فيها النادي الأهلي المركز الأول، وفقًا للصفقات التي أبرمها خلال فترة الانتقالات الشتوية قبل الماضية وفي الصيف الماضي، فيما ارتقى الزمالك ستة مراكز دفعةً واحدة ليحتل المركز الثاني بين أكثر الأندية الأفريقية إنفاقًا وفقًا لصفقاته في شتاء وصيف عام 2025، وذلك في الوقت الذي كان فيه ممنوعًا من القيد اعتبارًا من شتاء 2026، بينما جاء بيراميدز في المركز الثالث بقفزة كبيرة في صفقات العام الماضي.
هذا التمثيل المصري الثلاثي في قائمة القارة ليس مجرد رقم، فهو يؤشر إلى تحوّل حقيقي في طموحات كرة القدم المصرية وفي الأموال المضخوخة فيها.
داخل الميزانيات
غير أن الصورة الأكثر وضوحًا تتشكّل حين نتجاوز أرقام الانتقالات إلى الميزانيات الإجمالية للأندية، فالميزانية المعتمدة للنادي الأهلي لموسم 2025-2026 بلغت ما يقارب 8.5 مليار جنيه، وهي الميزانية الأكبر والأضخم في تاريخ النادي والرياضة المصرية بشكل عام.
وعند تشريح هذه الميزانية يتضح أن إيرادات قطاع الكرة في الأهلي لهذا الموسم بلغت 1.418 مليار جنيه مصري في مقابل 1.373 مليار جنيه مصري مصروفاتٍ على الرواتب واحتياجات قطاع الكرة، وعلى مستوى أعمق أنفق الأهلي 562 مليون جنيه مصري على الرواتب ومزايا لاعبي الفريق الأول وحده، ومع ذلك، فإن قطاع كرة القدم في النادي حقق في المحصلة فائضًا ماليًا صافيًا قدره 45 مليون جنيه، وهو ما يعني أن الإدارة المالية لقطاع الكرة نجحت في تحقيق توازن نسبي على الورق، وإن كانت التداعيات الرياضية ستُكلّف النادي خسائر أكبر مستقبلًا كما سيتضح.
أما الزمالك فكانت صورته المالية مغايرة تمامًا، إذ أفصح النادي عن ميزانيته في صيف 2025 كاشفًا عن عجز كبير، حيث بلغت الإيرادات 397.347 مليون جنيه في مقابل مصروفات قيمتها 758.637 مليون جنيه، ليصل العجز في ميزانية كرة القدم إلى ما يقارب نصف مليار جنيه. أي أن القلعة البيضاء أنفقت ما يقارب ضعف ما أدخلته من إيرادات، وهو نموذج للإنفاق الذي تتجاوز تكلفته طاقة الإيرادات المتاحة.
ماذا اشترت تلك المليارات؟
هنا يصبح السؤال الجوهري مُلحًا، وهو ما الذي أسفر عنه هذا الإنفاق الهائل على أرض الملعب؟
انتهت نسخة هذا الموسم بتتويج الزمالك بلقب الدوري الـ15 في تاريخه، بعد ماراثون رياضي طويل حُسم في المتر الأخير منه، إثر الفوز على سيراميكا كليوباترا، وكان ذلك اللقب كفيلًا بإعادة الفارس الأبيض إلى دوري أبطال أفريقيا بعد غياب أربع سنوات. وحلّ بيراميدز ثانيًا في ترتيب الجدول ليضمن هو الآخر مشاركةً في دوري الأبطال، بينما احتل الأهلي المركز الثالث المؤهل إلى بطولة الكونفدرالية التي سبق له أن حصد لقبها عام 2014.
وعلى الجانب الآخر من الجدول، سجّلت هذه النسخة هبوط النادي الإسماعيلي إلى القسم الثاني للمرة الأولى منذ 62 عامًا، ضمن موجة هبوط طالت أربعةَ فرق أُكِّد غيابها عن مسابقة الممتاز في الموسم المقبل، هي حرس الحدود وكهرباء الإسماعيلية وفاركو إلى جانب الإسماعيلي، وسيحل محلها كلٌّ من بترول أسيوط والقناة وأبو قير للأسمدة، بعد أن نجحت في حجز بطاقات التأهل من دوري المحترفين.
وإذا كان الزمالك قد حوّل عجزه المالي إلى لقب، فإن الأهلي كان النموذج الأكثر فشلًا في معادلة الإنفاق مقابل العائد، إذ احتل المركز الثالث مسجلًا سلسلة خسائر لألقاب كبرى، أبرزها الدوري المصري وكأس مصر ودورى أبطال أفريقيا، فيما لم يحصد مدربه ييس توروب سوى بطولة يتيمة هي كأس السوبر المحلي. وزاد الأمر مرارةً أن احتلال المركز الثالث يعني أن الأهلي سيبتعد عن المشاركة في دوري أبطال أفريقيا للمرة الأولى منذ 23 عامًا، ما يُقلّل من فرصه في إنعاش خزائنه بستة ملايين دولار كجوائز مادية مباشرة في حال فوزه باللقب، فضلًا عن حرمانه من اللعب في بطولة إنتركونتيننتال.